إضافة إلى الأدوار التربوية والفكرية والسياسية المتعددة التي ميزت تجربته العميقة التي يصعب اختزالها في بعد واحد، فإن أبرز ملمح طبع دعوة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله وفكره مساره السلمي الذي اختطه مبكرا وحافظ عليه وبثه في التنظيم الذي أسسه وفي المشروع الذي أثله حتى عده الكثيرون واحدا من أبرز رواد اللاعنف في منطقتنا العربية والإسلامية.

غير أن نهج الإمام قد احتفظ بخصوصيته وتفرده، ذلك أن الخط الذي سار عليه كان عصارة تجربة شخصية وقناعة سابقة لعمله السياسي من خلال تصوره للإنسان وهم تغييره بهدف استرداد آدميته وإدراك قيمته الأبدية والغاية العظمى من وجوده، تلك الأسئلة الكبرى التي أرقته على المستوى الشخصي والتي حملها معه في مختلف المحطات والتجارب التي عاشها والجبهات التي فتحها بعد ذلك.

فمن المخاض العسير الذي عاشه والذي توج بيقظة قلبية نهاية الثلاثينات من عمره إلى الدعوة في كنف الزاوية البوتشيشية، ثم الانتقال إلى الفضاء العام والتواصل مع شرائحه المتعددة بدءا بالملك في رسالة الإسلام أو الطوفان الشهيرة ثم مع النخب المثقفة ومع الجماعات الإسلامية أو بعد تأسيسه لجماعة العدل والإحسان التي بسط فيها مشروعه التربوي، حيث لم تته بوصلته فقد كانت وظيفته التي ندب حياته لها هي الدلالة على الله وكانت إرادة وجهه تعالى هي العنوان الأكبر الذي يجمع كل معالم تصوره، فكل بعد انضاف في تجربته وأنضج طرحه كان يأخذ مكانه داخل هذا العنوان دون أن يحور مسار الإمام الرئيسي أو يقحمه في متاهاته.

لقد اختلف الإمام ياسين عن التيارات السائدة حين مزج بين اتجاهين متنافرين ظاهريا اتجاه الانعزال والانزواء الباحث عن إصلاح النفس وتطهيرها بعيدا عن السياسة ودواليبها ودون الالتفات لما يتقلب فيه العالم من مشاكل وما يعج فيه من مظالم، وهو ما كان يوظف من طرف السلطات لصالحها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وبين المعارضة الشرسة التي كانت ترمي بسهامها رأس النظام والتي كانت في الحقيقة تصريفا لأحقاد كامنة ناتجة عن فوارق اجتماعية واقتصادية حادة عند جيل متعلم أفرزته الأحياء الشعبية الغارقة في التهميش والمدن والقرى المعزولة أكثر مما كانت تعبيرا عن مبادئ عميقة ومتجذرة عند من تبناها، فما إن كانت تسنح الفرصة لهذا الجيل أفرادا ومجموعات للانعتاق من دوامة الحرمان والتهميش، حتى تنتفي أسباب الثورة لديهم. هكذا سهل على النظام اختراق فئات عديدة وتدجين بعضها. على أن تلك النخب والتيارات السياسية حتى لو نجحت بمسعاها في التغيير كما كانت تروج أدبياتها، فسرعان ما كانت الأوضاع لتنقلب معها إلى دموية وحشية لا يخفيها منظرو تلك الاتجاهات والذين كانوا يحملون تصورات قاصرة عن التغيير مبنية على الإخضاع والإكراه زَادُهُم في ذلك الانقلابات العسكرية والعنف الثوري.

طالع أيضا  في مثل هذا اليوم.. أسلم الإمام عبد السلام ياسين الروح لبارئها

بخلاف مناعة البناء الذي شيده الإمام الذي تحول من لون ينضاف لفسيفساء المعارضة إلى المعارضة الأبرز والأقوى في البلاد. لقد قدم الإمام أساسا متينا لمعارضته، وهو وإن قطع مع التوجهات الانعزالية حين اعتبر العدل هو أوثق عرى الإحسان، وأن الخلاص الفردي والجماعي متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر فإنه كذلك سعى إلى تجريده من تلك الحمولة النفسية والاجتماعية السلبية التي قد تجعل من الغضب على السلطة غضبا آنيا أسيرا لمشاعر السخط مما يحوله إلى قنبلة موقوتة قد تؤدي إلى التكفير أو التخوين، وقد يدفع ذلك الغضب الأعمى مع حالة الانسداد السياسي واختلال موازين القوى وتراكم الخيبات إلى تبني خيارات انتحارية مدمرة. حيث شكلت التربية الإيمانية الإحسانية الحصانة من تلك الخيارات باعتمادها الرفق سلوكا أصيلا ثابتا امتثالا للأمر النبوي وليس مجرد أداة وظيفية فعالة ناتجة عن تقدير تكتيكي طارئ، فهو لفظ جامع يختزن مجمل الخلق القرآني النبوي الرفيع.

“أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بلزوم الرفق وأخبرنا في عدة أحاديث كما في حديث مسلم أن “الله حليم يحب الحلم ويعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة”.

كلمة “رفق” الغنية بدلالاتها تتطلب ترجمتها استحضار كل مفاهيم القرآن والسنة، إضافة إلى المثال الحي الذي قدمه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في سيرتهم. سيكون من الوجيه إذن أن تلجأ الترجمة المفسرة إلى مقابلة لفظ “الرفق” بالكلمات التالية: الحلم، اللين، السماحة، الطيبة، العطاء، العفو، الشفقة” 1.

كما أن التربية هي تصويب لبوصلة التغيير؛ ذلك أن الظلم الذي يمارسه المستكبرون في حق المستضعفين لا يُرفض فقط انتصارا للذات أو للأنا الطبقية أو القومية أو غير ذلك من العناوين التي تشرذم المجتمع وتهيجه وتعنفه.

“مفهوما الاستكبار والاستضعاف لا تغطي مساحتهما مفاهيم الطبقية والشعب المسحوق، إذ الاستكبارُ صَدٌّ عن سبيل الله قبل كل شيء، صد يستند إلى البطش الذي يسلحه المال المنهوب والسلطان المستبَد به من غير رضى المستضعفين” 2.

 هذه المعاني التي تحدث عنها الإمام تجرد المطالب الأرضية من أرضيتها وتربطها بالباعث التربوي المتجذر، فتوجهها وتضبطها من الانفلات دون تعصب ودون الوقوع في مطب تكفير المجتمع. وما وصفه للمجتمعات الإسلامية بالمفتونة مقابل نعتها بالجاهلية من طرف أطياف إسلامية أخرى إلا ترجمة لنظرة الرحمة والحلم والحرص على إصلاحها بدل الانتقاص منها وازدرائها وإطلاق الأحكام الجائرة عليها.

طالع أيضا  بمجلس النصيحة.. العدل والإحسان تفتتح تخليد الذكرى السابعة لرحيل الإمام ياسين

“لكنْ ما سنَدُنا في إطلاق وَسْم الجاهلية عليه؟ قُضاة نحن جائرون أم دُعاة حائرون؟ قصدُنا الهدايةُ والتسديد أم قصدنا الثلب والعيب، بلا حجة ولا رَويَّة؟” 3.

حكمة المربي تتجلى في أنه خبر النفس البشرية وأدرك أن تغييرها عملية طويلة ممتدة عبر الزمن، فكيف إذا كان المستهدف بالتغيير مجتمعات كتم الاستبداد على أنفاسها قرونا وشكلها على مقاسه، حيث لا يكفي معها الرهان على لحظة تاريخية ساحرة يتم تعبئة كل الجهود من أجل بعثها وكأن تلك اللحظة “الثورية” الاستثنائية وحدها كفيلة بتخليص الأمة من كل ما هي فيه، الشيء الذي يؤدي إلى ضغط مكثف ونفوس محتقنة لا تبالي بغير الثأر وهو ما يؤسس لذهنية عنيفة لدى العاملين على التغيير. من هذا الباب فقد ميز الإمام بين مصطلح الثورة الهائجة وبين مصطلح القومة ليعطيها معنى أكثر عمقا وشمولية.

“إن القومة الإسلامية ليست عبارة عن انتفاضة جماهيرية تهز أركان الظلم وقد انتهى كل شيء. ليست هديَّةً يأتي بها جند الله للأمة باردةً هنيئة مريئة. ليست إجراء إداريا يَصْلُحُ أمرُ الأمة عَقِبَ تطبيقه”عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص: 45..

من أجل ذلك كله فإن الإمام عبد السلام ياسين أطر حركته بلاءاته الثلاث الشهيرة “لا للسرية، لا للعنف، لا للتعامل مع الخارج” والتي تقطع مع أي فعل عنيف محتمل.

لقد أثبت مسار الإمام ياسين السلمي قوته لأنه يستند إلى مرجعية أخلاقية متينة حمت جماعته وجنبت الحركة التغييرية المغربية أية انزلاقات، وهي كذلك أمدتها بنفس طويل جعلها تقاوم موجات الإحباط التي كسرت عددا من المناضلين وتصمد أمام إغراءات السلطة وكذا تهديداتها التي تراهن على عامل الزمن لاستنزاف خصومها.


[1] عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص: 233 .
[2] عبد السلام ياسين، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، ص: 122.
[3] عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، ص: 575.