بقلم: عبد الله الجباري الحسني

عاش عبد السلام ياسين رحمه الله حياة المعاصَرة والاطلاع على الثقافات الأجنبية والفلسفات التربوية، وترقى في وظيفته من رجل تعليم إلى مفتش ومدير مدرسة المعلمين، مع جاه في العاصمة الرباط وفي غيرها من مدن المغرب وحواضره، إضافة إلى علاقاته في المغرب وخارجه.
بعد هذه المرحلة، انتقل إلى الزاوية الصوفية، لينخرط في حلق الذكر والتخلق على يد الشيخ المربي، وكأني به أبو حامد الذي وصل إلى المعالي جاها ومكانة، ثم تخلى عن الكل وتحلى بالبديل بعد التعرف على الشيخ، أو بالإمام البوصيري الذي كان كثير التعلق بالملوك والوزراء كثير المدح لهم، وما أن تعرف على شيخ التربية حتى أعرض عن كل ذلك مع ما فيه من جاه ومكانة، وانخرط في الذكر وتفرغ لمدح غير تكسبي، مدح الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
هكذا بدأ الأستاذ عبد السلام ياسين، وهكذا انتهى به المطاف، غزاليا بوصيريا.
تميز الإمام عبد السلام ياسين بالموسوعية الفكرية، فكان يقرأ للغزالي الإحياء والمنقذ، ويقرأ لكانط نقداه الاثنان، يقرأ لمولاي عبد القادر الجيلاني ويقرأ للورد كرومر.
كان الإمام عبد السلام ياسين مجددا بحق .
اطلع على تجربة الإمام البنا فأفاد منها وتفادى سلبياتها، وقف على مقولته: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لعدت بالجماعة إلى أيام المأثورات، لذا ركز في تربية أصحابه على عمل اليوم والليلة، اقتداء باصطلاح العلماء المتقدمين الذين ألفوا في هذا الباب كالنسائي وابن السني، تفاديا لاستعمال مصطلح الورد المتداول في الأدبيات الصوفية، فجمع بين التربية والتأطير السياسيين، مع التربية الروحية حسب عبارة سعيد حوى، وذلك من خلال الذكر والقيام وقراءة القرآن في يوم الإنسان وليله، مع التفرغ لذلك في الرباطات الخاصة.
انخرطت جماعة البنا أو جزء منها في عنف ضد الدولة، وكان عنفا مقابل عنف، انتبه عبد السلام ياسين إلى هذا الانجرار، واجتهد في تفادي الوقوع فيه، فركز على نبذ العنف منذ بداياته الأولى، وكان مستعدا للبراءة من كل من اتخذ العنف وسيلةً، ولو كان عنفا لفظيا، واهتدى في هذا الباب إلى نظم مجموعة من الخصال التأطيرية، ومنها خصلة التؤدة.
التؤدة في التعامل مع الغير تحصن الإنسان من الانجرار إلى خانة رد الفعل التي يخسر فيها كل شيء، وهكذا اعتقل الرجل وحوصر واعتقلت قيادة تنظيمه ولم يدعوا إلى العنف، ولم يمارس المنتسبون عنفا ضد الدولة ومراكزها.
اطلع عبد السلام ياسين على تجربة أبي الأعلى المودودي وتراثه، فأخذ منه أو تماهى معه في مسألة تاريخية غاية في الأهمية، وهي أن معاوية بن أبي سفيان ملك وليس خليفة، وجعل ذلك انكسارا تاريخيا كان السبب في انحدار الأمة، إذا لم يفهمه الإنسان ولم يستوعبه فلن يبني نهضة.
الموقف من معاوية ومناصرة العترة الطاهرة … أمران انتبه لهما الإمام في تأطير وتربية أصحابه… أقول أصحابه لأنه كان يؤمن بالصحبة والجماعة وليس بالشيخ والمريد.
خرج حسن البنا من الزاوية، وفتر الفكر الصوفي في التنظيم رويدا رويدا، حتى تسلف التنظيم.
وخرج عبد السلام ياسين من الزاوية. لكن ياسين لم يغادر التصوف، وبقيت التربية الصوفية والمراجع الصوفية حاضرة في التربية الياسينية.
غادر الزاوية ولم يتلفظ بسوء في حق شيخها السيد حمزة، أما الشيخ العباس فيعتبره والدا وشيخا ومربيا، لم يتزحزح إجلاله وتعظيمه له قيد أنملة، هنا يشترك ياسين مع طه عبد الرحمن، كلاهما دخلا الزاوية، وكلاهما غادراها بعد وفاة الشيخ، وكلاهما تكلما عن أزمة الأمة مع التحول الأموي بقيادة أول ملك، معاوية بن أبي سفيان.
ويشترك ياسين مع طه في مسألة أخرى، وهي الانفتاح على الثقافات الأجنبية بسبب مكنتهما من اللغات، هذه المكنة التي لم تزاحم اللغة العربية عندهما، اللغة اللتي يكتبان بها دون لحن أو خطأ، ودون إسفاف.
يشترك الرجلان في السمو اللغوي، ويشتركان في نحت المصطلحات.
نحت طه عبد الرحمن رزنامة من المصطلحات، مثل الفكرانية والائتمانية وغيرهما.
ونحت عبد السلام ياسين مصطلحات مهمة جدا لم ينتبه لها الناس لأسباب متعددة، منها المواقف السلبية المسبقة، ومنها الضعف وعدم القدرة على سبر أغوار المكتوب.
قال سيد قطب والمودودي بالجاهلية، وكتب محمد قطب جاهلية القرن العشرين، اعتمادا على حمية الجاهلية، وحكم الجاهلية، وظن الجاهلية، وتبرج الجاهلية، ونحت عبد السلام ياسين مصطلح الفتنة، لأن الجاهلية مرتبطة بالعنف، كان العنف فيها هو القاعدة لا الاستثناء،
ميز بين الفتنة والجاهلية، لأن مجتمع الجاهلية مجتمع قاعدته الكفر والجحود، أما مجتمع الفتنة فهو مجتمع مسلم متمسك في عمومه بالإسلام وإن انحرف به المسار.
الفرق بين التسميتين أن المجتمع الجاهلي نقاطعه، نتعامل معه على أساس أنه غير، وقد يتطور الأمر إلى التعامل معه بالعنف، لذا كان في استعمال “الفتنة” تحفظا وحكمة. هنا يقف موقفا واضحا ويقول: لا يكفر صاحب المعاصي إلا بالشرك.
إنه بهذا الضبط والتصنيف يضع متاريس أمام انحرافات لها أول وليس لها آخر.
نحت عبد السلام ياسين مصطلحا آخر لا يقل أهمية عن مصطلح الفتنة، إنه مصطلح القومة، وكثير من الإسلاميين لم يفهموه، رغم أنه بيّنه ووضحه وأصله في مواضع متعددة، القومة ليست هي الثورة، الثورة عنف، الثورة تدمير، الثورة اضطراب، القومة بناء، القومة بناء النفوس وبناء الإنسان، “وأنه لما قام عبد الله يدعوه”، “وأن تقوموا لليتامى بالقسط” “كونوا قوامين لله شهداء بالقسط” “أقيموا الصلاة”، بهذه الآيات المتضمنة لأصل [ق و م] أصّل للقومة، وهي ليست تغييرا للمجتمع بطريقة فوقية كما هو حال الثورة، بل هي تغيير لشخصية الإنسان وتربيته، أي هي تغيير من أسفل، من الإنسان، إضافة إلى أن القومة مرتبطة بفعل طاهر، هو فعل آل البيت الكرام، حين كان الناس يصفونهم ويتحدثون عنهم ب”القائمون” من آل البيت، يقصد قومة الحسن والحسين والنفس الزكية وغيرهم من الآل.
القومة عنده ترتبط بالقوة ولا ترتبط بالعنف، وأهم ما تحتاجه القومة هم رجال قرآنيون نبويون، والقومة ليست عملا انقلابيا نخبويا ينتصب بمقتضاه جماعة وكلاء على الأمة أوصياء أبد الدهر كما فعل حافظ الأسد وعمر البشير وغيرهما.
في تراث ياسين نجد: العقل المعاشي، العقل الكامل، العقل الآلة، العقل المشترك،
في التراث الياسيني مصطلحات مؤصلة من التراث، يكثر من استعمال (العمران) من التراث الخلدوني، و(التوبة قلب دولة) من تراث مولاي عبد القادر الجيلاني، و(داء الأمم) من الحديث النبوي، و(دين الانقياد) من التراث الخلدوني.
أما علاقته باللغة العربية فتلك مسألة تفوق فيها على غيره، نظما ونثرا، فهو الأمازيغي المغرم بالعربية، وكان مسكونا بهَمّ إرجاع عزة لغة القرآن، اللغة السيدة، وذلك من خلال توطين العلوم فيها.
الإنسان مؤثر ومتأثر، وكذلك أصحاب ياسين، صحبوا شخصه، وصحبوا مؤلفاته، فتأثروا بأسلوبه ومعجمه، مرةً قرأت لعبد الواحد المتوكل وهو متخصص في اللغة الإنجليزية، فوجدت في معجمه من الغريب ما لا تفهمه إلا بالمعجم، ومن يقرأ للشباب المتخرج من المدرسة الياسينية يلحظ تميز أسلوبهم وتأثره بأسلوب الأستاذ، مثل إدريس مقبول وخالد العسري وعمر إحرشان وغيرهم.
رحم الله الإمام حسن البنا، ورحم الله الإمام أبا الأعلى المودودي، ورحم الله الإمام عبد السلام ياسين، وحفظ الله الدكتور طه عبد الرحمن.

طالع أيضا  سؤال الأخلاق وبناء المفهوم والمرجعيات.. هراجة يَنظر في فكر الإمام ضمن فعاليات الندوة