بقلم محمد العربي النجار

لا شك أن الأمة الإسلامية برمتها تعيش مرحلة جد حرجة من حياتها ومخاضا صعبا ينبئ بولادة جديدة، فقد كثرت فيه الأحداث الدامية، والوقائع المتوالية، وتعرض أبناء الأمة في مختلف أطرافها لهجمة شرسة ذاقوا من خلالها كل أنواع القتل والقمع والتعذيب والتنكيل والتهجير ومحو الهوية.

وما كانت لهذه الحملة الشرسة الهوجاء على الإسلام والمسلمين أن تشتد لولا إحساس أعداء الأمة بالصحوة واليقظة التي أصبح يتمتع بها أبناء هذه الأمة، وشعورهم بخطورتها على مشاريعهم الاستعمارية التي تهدف إلى استعباد الخلق ونهب خيرات الأمم.

ففي مثل هذه المراحل التي تعيشها الأمة حاليا تظهر حقيقة اليقين بالله وبنصره وتمكينه لهذه الأمة الموعودة، وعدم اليأس والقنوط من فرج الله وبذل الجهد لنهضة الأمة حتى لا نهلك بطول الأمد والأمل والتمني بغير عمل، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل” صحيح الجامع. كما ينبه الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله كثيرا من خطر خمول أبناء الأمة و تسرب اليأس والإحباط إلى قلوبهم؛ بحيث يقول ويؤكد في كتاب رجال القومة والإصلاح ص 23: “لا أخطر على الأمة من خمول أبنائها، ورضاهم الصامت بدين الانقياد، حتى يصبح من أصولهم الاشتغالُ عن الأمر العام بسفاسف الحياة اليومية”.

ويحتم علينا رابط أخوتنا الإيمانية نصرة إخواننا في الدين في كل بقاع العالم مهما كانت ثقافته وعرقه ولونه وألا تقتصر نصرتنا على إخواننا في فلسطين والدول المجاورة فقط، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع دستورا واضحا لذلك فقال: “ما من أمرئ يخذل امرءً مسلمًا عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله -عز وجل- في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر امرءً مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته”. صحيح الجامع.

طالع أيضا  لماذا لا ننظر إلى الأقلية المسلمة في الصين كقاعدة قوية؟ الإمام عبد السلام ياسين يجيب

ويعيش إخواننا في منطقة شرق آسيا عموما حملة من الاضطهاد والتضييق الممنهج من طرف متطرفين من أتباع الديانات الوثنية، ومنهم من يتربع على عرش السلطة في بعض البلدان كالهند والصين وبورما وغيرها، رغم أن الإسلام وصل إلى هذه المناطق عن طريق السلم والقدوة الحسنة، ولم يكن الوصول إليها بالقوة والعنف ليكون هناك ردود أفعال من هذا القبيل، إلا أن هذه الحملة تدخل في السياق العام التي تعيشه الأمة برمتها كما سبق الذكر من قبل.

ومن بين أهم الأقليات المضطهدة في تلك المنطقة مسلمو الصين عموما؛ بحيث يعيش المسلون في أكثر من عشر أقليات قومية صينية -من أصل ست وخمسين قومية موجودة في الصين- مختلف أنواع التضييق والاحتقار وهم: هوي، والويغور، والقازاق، والقرغيز، والتاتار، والأوزبك، والطاجيك، ودونغشيانغ، وسالاار، وباوآن.

وقد دخل الإسلام إلى الصين على يد التجار المسلمين في القرن السابع الميلادي تحديدا في عهد خلافة سيدنا عثمانبن عفان رضي الله عنه، وظل لمدة قرون مديدة يتعايش أبناء الإسلام في الصين مع باقي الديانات بشكل اعتيادي بجو يسوده السلم والاحترام المتبادل. لكن ابتداءا من القرن الماضي وخصوصا في المنطقة التي يعيش بها المسلمون من أقلية الإيغور ذات الأصول التركية والتي تسمى سابقا بتركستان الشرقية، قبل أن تضمها إليها الدولة الصينية في عهد النظام الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونج سنة 1949م، لتحقيق أطماعها في المنطقة نظرا لموقعها الجغرافي وغنى ثرواتها الطبيعية والتي تعرف حاليا باسم مقاطعة شينجيانغ، ثم إلغاء استقلال الإقليم، وتعريض المنطقة لعملية تطهير عرقي بتفريغ الإقليم من سكانه المسلمين وتوزيعهم إلى أقاليم، حتى يمثلوا أقليةً في مواطنهم الجديدة.

وقد ضاعفت الدولة الصينية من تضييقها عليهم؛ خصوصا بعد ارتفاع حدة التوتر بين قوميتي “الهان” الصينية و”الأويغور” ذات الأصول التركية، بنهج حملات متتالية من التضييق عليهم في كل مناحي الحياة وفي مختلف المجالات التي تتعلق بالعبادات والثقافة، وفرض مناهج تعليمية مخالفة لمبادئ الدين الإسلامي والتدخل في حرية اختيار اللباس وأسلوب حياة الفرد والعلاقات الاجتماعية وحظر لبس الحجاب للمسلمات ومنع حمل المصاحف والسجادات، ومصادرة منازل وأملاك الذين هربوا من الظلم والقهر وهدم العديد من المساجد، وإلقاء القبض على العديد من الأثرياء بتهم مزعومة بالفساد وتمويل نشاطات دينية مرتبطة بالخارج، ناهيك عن سياسة إذلال العلماء والمثقفين والناشطين وإيداعهم السجون تحت مزاعم واتهامات باطلة لا أساس لها من الصحة.

طالع أيضا  الهيئة المغربية للنصرة تحتج بأكادير دعما للمسلمين الإيغور

كما تم القيام بحملة لإجبار المسلمين الإيغور في الإقليم على معايشة ملحدين صينيين واستضافتهم في بيوتهم، والتي تندرج ضمن مخطط الصين لإحداث تغيير في التركيبة السكانية بالمنطقة ذات الغالبية المسلمة، ومنع حرية التنقل والسفر واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك مصادرة جوازات السفر للحيلولة دون اتصالهم بالعالم الخارجي.

وللأسف فأغلب أبناء الأمة لا يعرفون معاناة إخواننا في تلك المنطقة ولا تاريخها وحاضرها، وقد كان من قدر الله أن أثار الانتباه لهذه القضية لاعب الأرسنال الإنجليزي المسلم مسعود أوزيل الألماني الجنسية والتركي الأصل من خلال تدوينة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتفاعل معها الإعلام العالمي بإيجابية نظرا لنوعية العلاقة التي تربط الصين بالدول الغربية في المرحلة الحالية، وهو ما نعتبره قدرا من أقدار الله لبداية رفع الظلم عن إخواننا الإيغور.

فرابطة الأخوة الدينية والرحم الإنسانية توجب على الجميع مسلمين وغير مسلمين نصرتهم والتعريف بقضيتهم وبدل الوسع بكل الوسائل المتاحة لرفع الظلم عنهم، ودعمهم في نضالهم المستمر للحفاظ عن هويتهم الإسلامية رغم حملات القمع والتضييق التي يتعرضون لها.

ويمكن لأبناء الأمة وأحرار العالم انتهاج أساليب متنوعة للدفاع عن هذه الأقلية وتمكينها من حقها في العيش الآمن الحر وفق المعتقد الذي تؤمن به، من تلكم الوسائل وإعداد مواد إعلامية تخدم ذلك خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ورفع دعوات قضائية من قبل رجال القانون لحماية أقلية الإيغور وتمكينها من ممارسة حقوقها الإنسانية، والأنشطة التضامنية من مسيرات ووقفات وسلاسل بشرية، وعقد ندوات ومحاضرات تعريفية بالقضية…

هذه بعض الأمثلة كما يمكن ابداع وسائل أخرى يمكننا التعبير من خلالها عن دعمنا ونصرتنا لقضية إخواننا المضطهدين في الصين، وكذلك باقي الأقليات المسلمة من المستضعفين المضطهدين في البقاع الأخرى من شرق آسيا ودول الاتحاد السوفياتي سابقا وايفريقيا جنوب الصحراء واللائحة طويلة، بما نملك من وسع وجهد. ونحن كلنا يقين على دنو أجل النصر والتمكين لهذه الأمة لاستعادة عزتها ونصرها الموعود عندما تشاء الحكمة الإلاهية ذلك مصداقا لقوله تعالى : [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] {الصَّفات:173} .

طالع أيضا  الجوري: الكراهية ضد مسلمي الإيغور تأخذ طابعا ممنهجا استئصاليا