لعل سؤال الأخلاق في الفكر الإنساني انفردت بطرحه المدارس الفلسفية، بعدها مدرسة علم النفس السلوكي ثم مدارس علم الاجتماع، باعتبار الأخلاق مفهوما عقليا مجردًا يمكن للعقل إدراك بنيته المعرفية وتحديد وظيفته النفسية والاجتماعية. كل هذه المدارس أفرزت توجهات فكرية متباينة لمفهوم الأخلاق، فأصبح العقل البشري يتجاذبه هذا الاتجاه النفسي تارة أو الاتجاه الاجتماعي تارة أخرى، وبقي الإنسان تائها والعقل شاردا والقلب أجوفا والسلوك مضطربا… لأن سؤال الأخلاق لم يجد جوابا شافيا لقضايا الإنسان والمجتمع.

عندما نبحث عن إجابة لسؤال الأخلاق في الفكر المنهاجي، لن نجد له جوابا مختزلا في سطور. بل نكتشف مبناه مبثوثا في كل مصنفات الإمام ياسين رحمه الله، ومعناه يكتسب باكتساب الإيمان تشوفا لمقام الإحسان. الإمام المجدد خبر الفكر الإنساني بجميع اتجاهاته، واستوعب مخرجاته، ينسب الفضل لأهله، وقف عند فجوات الموروث البشري فملأه حيوية، تتبع مساره منبها لمزالق منعطفاته…

أسس بعد ذلك كله علم المنهاج النبوي على قاعدة القيم النبيلة التي تغافل عنها أو تجاهلها كثير من رواد الإصلاح والتغيير في العالم المعاصر، شرقيه وغربيه.

ومن بين هؤلاء، نجد مثلا الباحث السوسيولوجي “جيل ليبوفتسكي” الذي تحدث عن عصر (ما بعد الحداثة) أو عصر (ما بعد الأخلاق)؛ يعارض الحقوق الفردية بالواجب الجماعي، والأنانية بالإيثار، والسهولة بالانضباط والشهوة المطاعة بالتضحية والبذل… وهي سمات مجتمع لم يعد يملك قدوة، مجتمع أفراد ليس لهم مطلق يستقطب آمالهم. بهذا البعد يحدد صاحب نظرية “مجتمعات بلا أخلاق” أنها مجتمعات فقدت دعائمها الأخلاقية، وبلغت منتهى التقدم التطوري الذي تجاوز كل خلق، ليقترب تدريجيا من السلوك الفرداني.

جعل الإمام نظرية جيل ليبوفتسكي مدخلا في كتابه “الإسلام والحداثة”، باعتبار هذا الأخير يتحدث بكل وضوح عن “عصر الفراغ”. يعرض الإمام بين يدينا ما توصل إليه الفكر البشري المعاصر مبينا فجواته وباسطا نظرته المنهاجية لبناء مجتمع العمران الأخوي: (مجتمع بأخلاق)، منطلقه الإنسان بولادة روحية، غايته إحسانية واستخلافية.

إن مصطلح “الأخلاق” في الفكر المنهاجي لفظ جامع ومركب، له تجليات مختلفة؛ من بينها: اللين، الشفافية، العطف، الخفة، الحلم، الرقة، الشجاعة، الجمال والبهاء. يمكن للإنسان أن يحصل على مجموع من هذه الخصال ليكتسب أخلاقا تحدد معنى لشخصه وأثرًا على غيره. وهذا بعد من أبعاد الصحبة التي تعتبر مرتكزًا أساسيًا لبناء مجتمع العمران الأخوي.

من يتدبر قول الله تعالى في سورة آل عمران: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ،فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه،ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” الآية 159، يدرك أن للقلب حُجُب الفضاضة والغلظة تنفر الناس، كل الناس، من فكرك المنحبس وخطابك الجاف وحريتك الجوفاء.

منظومة الأخلاق روح تسري في نسق ذات كل فرد من المجتمع. بتلك الروح يصبح للنسق البنيوي الجزئي طاقة هائلة تجعل له وظيفة تغيير الفرد والمجتمع. طاقة متجددة ومتنقلة بين الأجيال.

بهذا المعنى، فالمنظومة الأخلاقية في الفكر المنهاجي لها مستويات عديدة وأبعاد متتالية:

المستوى الأول: بناء الفرد المتخلق بالقرآن، أي إحداث تغيير في السلوك والرقي به من مستوى متدني إلى مقام رفيع، كان عليه خير خلق الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. مقام يجعل قلب المتلقي شفافًا رقيقًا تنفذ إليه الكلمة الطيبة بيسر، ويتربع في سويدائه خلق الله محبة وخدمة.

المستوى الثاني: بناء المجتمع الذي ينعم فيه الناس بالرخاء والعدل والكرامة.

غايتان متوازيتان ومتلازمتان: الغاية الإحسانية والغاية الاستخلافية لا تتحققان إلا بالتحلي بالأخلاق الفاضلة تحقيقًا وليس تحليقا، اتصافا وليس وصفا.