في سنة 1998 صدر تقرير دولي  بوأ المغرب مرتبة متدنية في سلم التنمية البشرية، اليوم ونحن في سنة 2019 ورغم مرور أزيد من 20 سنة، لا زال المغرب يقبع في قعر ترتيب دول العالم؛ فالمغاربة يصدمون كل سنة بأنهم في المرتبة العشرين بعد المئة على مستوى مؤشر التنمية البشرية، وهو واحد من أرقى مؤشرات قياس التقدم الذي تحققه البلدان بطريقة شاملة تتجاوز قياس النمو الاقتصادي وحده، وذلك في مجالات مختلفة بينها الصحة والتعليم ومستوى الدخل الفردي.

وفي الوقت الذي تتقدم فيه دول وتنمو أخرى، وتتراجع دول بفعل حروب أو صراعات مسلحة، وحده المغرب جامد لا يتزحزح.

مرتبة المغرب الساكنة

من بين 189 دولة، وجد المغرب نفسه في الرتبة 121 في تقرير الأمم المتحدة لسنة 2019، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهي المرتبة غير المشرفة التي لم تتغير كثيرا عن تقرير التنمية البشرية لسنة 1998، فرتبة المغرب كانت 125، وطيلة هذه السنوات العشرين حافظ على ركوده وسكونه في ذات الرتبة تقريبا.

دول مجاورة للمغرب تتفوق عليه بكثير؛ فالجزائر مثلاً حلت أفضل من المغرب في المرتبة الـ82 عالمياً، ثم تونس في المرتبة الـ91 عالمياً، كما جاءت الأردن في المرتبة الـ102 عالمياً. الأسوء من هذا، هو أن دولاً تعيش حروبا ونزاعات وأزمات خانقة، لكنها تتفوق على المغرب في الترتيب فمصر في المركز الـ116 عالمياً، وليبيا التي تعيش أوضاعاً أمنية غير مستقرة ترتيبها أفضل من المغرب بحلولها في المركز الـ110، والعراق في الرتبة 120، بل وحتى أراضي فلسطين المحتلة جاءت في المركز 119. والكارثة أن المغرب سابق في الترتيب لدول مثل سوريا وموريتانيا واليمن فقط بالنسبة للمنطقة العربية.

الاعتراف المتأخر جداً بفشل النموذج التنموي، جاء بعد سنوات من إنكار هذا الواقع، بل واتهام التقارير الدولية بالتحامل على المغرب والتحيز ضده، مما يطرح أسئلة جدية على طريقة اشتغال الدولة المغربية، وعدد الفرص التي ضيعتها طول السنين الماضية، والاكتفاء باختصار التنمية في المشاريع البراقة الخادعة من قبيل القطار فائق السرعة، أو البناية الأطول أو الجسر الأكبر، ويدل كذلك على الأمراض القاتلة التي تنخر جسم هذا الوطن من استشراء للفساد، وسوء في التسيير، وغياب للكفاءة والرؤية الاستراتيجية، فضلاً عن الانفراد بالقرار والتحكم والاستبداد.

طالع أيضا  عبر التدوين والإلتراس والراب.. الاحتجاجات تُجدِّد نفسها في 2019

معايير التقرير

قد يبدو للكثيرين أن الأمر غير معقول، فكيف تحتل دول تعيش حروباً وصراعات في مرتبة أفضل من المغرب الذي يعيش “الأمن والاستقرار” بحسب خطاب السلطة؟ وكيف يعقل أن يكون مستوى التنمية البشرية في هذا المستوى الجامد؟

يعتمد التقرير الأممي، على عدة معايير لقياس التقدم الذي حققته الدول، من بينها؛ الناتج الداخلي الإجمالي، والدخل الفردي لكل مواطن، وأمد الحياة في كل بلد، وجودة التعليم، ونسب البطالة، والمساواة بين الجنسين، والمشاركة السياسية للمرأة، ورفاهية العيش، ومستوى معدلات الفقر، وجودة الرعاية الصحية.

المختصون أرجعوا تدني تصنيف المغرب إلى ضعفٍ على مستوى كل مؤشر، فالدخل القومي الفردي في المملكة “دون المتوسط ومتدن”، ودور المدرسة العمومية في تراجع باعتراف رسمي؛ إذ يعتمد التقرير على عدة معايير في ما يخص التعليم، منها عدد السكان الحاصلين على جزء من التعليم الثانوي على الأقل بالنسبة المئوية من فئة 25 سنة وأكثر (الذين يستكملون تعليمهم الثانوي في فلسطين المحتلة بلغ %60 سنة 2018، في حين أن النسبة نفسها لا تتعدى في المغرب %31)، ومنها أيضاً نسبة طلبة التعليم العالي من السكان (في المغرب لا تتجاوز %32 وفي الجزائر مثلاً تتعدى %43). بالإضافة إلى أن هناك نسبة هدر مدرسي كبيرة في المغرب مقارنة بباقي الدول، والتراكم الذي حققته بعض الدول خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً على مستوى التعليم، يعطي نتائج مهمة على مستوى تحسين مراتبها في مؤشر التنمية البشرية.

واحتل المغرب في مؤشر عدم المساواة بين الجنسين المرتبة 118 عالميا من بين 166 دولة، وهو المؤشر الذي يقيس عدم المساواة بين الجنسين في مجال الصحة والتمكين والعمل.

نتائج التقرير

وقد أظهر التقرير السنوي، بخصوص التنمية البشرية العالمي لسنة 2019، تحت عنوان: “ما وراء الدخل والمتوسط، والوقت والحاضر.. أوجه عدم المساواة في القرن الحادي والعشرين”، أن جيلاً جديداً من عدم المساواة قد بدأ بالظهور، فيما يخص كل من التعليم، والتقنيات وتغير المناخ “اللذين يشكلان تحولين جوهريين من الممكن أن يؤديا، إذا لم يُعالجا، إلى “تفاوتات عظيمة جديدة” في المجتمع، لم نشهد مثلها منذ الثورة الصناعية”.

طالع أيضا  تقرير دولي: السعادة تغيب عن المغاربة مجدداً

فالتظاهرات التي تجتاح أماكن عديدة من العالم حالياً -حسب مقدمة التقرير المنشورة بموقع الأمم المتحدة- تشير إلى أنه رغم التقدم غير المسبوق الذي تحققه الدول في الحد من الفقر والجوع والأمراض، إلا أن مجتمعات عديدة لا تؤدي وظائفها كما ينبغي لها. والقاسم المشترك بين هذه التظاهرات، كما يدفع التقرير هو عدم المساواة.

فعلى سبيل المثال، في البلدان التي تتمتع بتنمية بشرية عالية جداً تزيد الاشتراكات بالإنترنت الثابت عريض النطاق بمعدل أسرع بخمسة عشر ضعفاً، كما تزيد نسبة البالغين الحاصلين على تعليم جامعي بمعدل أسرع بستة أضعاف، مقارنة بالبلدان ذات التنمية البشرية المنخفضة.

ويقيم مدير فريق تقرير التنمية البشرية، بيدرو كونسيساو، الحجة بأن “ما كان يعتبر سابقاً أمراً يُستحسن الحصول عليه، من قبيل الالتحاق بالجامعة أو الحصول على اشتراك إنترنت ثابت عريض النطاق، بات يُعتبر وعلى نحو مطرد أمراً مهماً للنجاح. وافتقد أولئك الذين يحصلون على الأساسيات فقط، درجات مهمة في ارتقائهم سُلَّم المستقبل”.

وفي الأخير يقدم التقرير الذي سينشر كاملا شهر يناير المقبل، مجموعة من خيارات السياسات العامة للتعامل مع مشكلة عدم اللامساوة، معتبراً أنها لا تستعصي على الحل إذا أرادت الحكومات فعلاً معالجتها.