تعتبر قضية الأخلاق، بما هي مقومات لجمالية شخصية الإنسان الباطنية ودعامات لتميزه في الكون وبين أقرانه، مسألة مصيرية ومحورية في فكر الإمام “عبد السلام ياسين” وسيرته. فقد كان الرجل بحق وبشهادة من عاشره أو تعامل معه؛ قامة عالية وشامة بارزة في حسن الخلق وجميل الأوصاف. يقول رحمه الله: “إننا لن نكون مسلمين إن أبطلنا في حساب الرجولة خُلُق الرجل والمرأة وعقلهما ومروءتهما. أي إنسانيتهما بما تعارفت عليه الإنسانية من شِيَمٍ فاضلة. إن البكائين في المساجد العاكفين على التلاوة والذكر لَنْ يكونوا هم أهل النور والربانية إن لم يكن سلوكهم العملي مع الناس، الأقرب فالأقرب، سلوكا أخلاقيا مروئيا، يزنون بميزان العقل واللياقة والكفاءة والجدوى وحسن الأداء كل أعمالهم”.

وقد اعتبر الإمام أن الأخلاق تنحدر من مصدرين أساسيين هما الفطرة والدين. فالفطرة الإنسانية هي التربة الأولى التي أودع فيها الله عز وجل القابلية الأصلية والوازع الأساس للتخلق بجميل الخصال ورفيع الأذواق “فطرة الله التي فطر الناس عليها”. يقول الإمام رحمه: “الفطرة كلمة قرآنية تدل على الأرضية النفسية للكائن البشري. هذه الفطرة، هذه الأنا الباطنية والطبيعة الأولية القبلية الكامنة في أعماق كل واحد منا، هي موطن الإيمان والثقة بالله”. أما الأساس الثاني التي تستمد منه الأخلاق مرجعها فهو الدين “إن الدين عند الله الاسلام”. والدين في هذا السياق ينقسم إلى تعاليم ومبادئ مصدرها الأساس القرآن الكريم، وكذا النموذج السلوكي للكمال الخلقي الذي جسده رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قالت سيدتنا عائشة “كان خلقه القرآن”.

وقد أكد الإمام ياسين رحمه الله أن التحلي بالأخلاق الحميدة هو في حقيقته؛ تجسيد عملي للسلوك إلى الله تعالى، إذ هو ارتقاء في مدارج القرب منه جل وعلا وترق في مراتب الإحسان ولا حدود لهذا الترقي، فالخلق الحسن من أعظم القربات وأفضل الحسنات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خيرُ ما أعطِيَ الناسُ الخلُقْ الحسن “. رواه الإمام أحمد وغيره بسند صحيح. وانتقد الإمام النظرة النفعية للأخلاق إذ اعتبر أن التخلق ليس تقنعا بما يوافق الظروف ويصانعها أو يلائم المصالح الفردية أو الجماعية، بل يجب أن يكون جزءا من ماهية الإنسان وتعبيرا سلوكيا ظاهرا عن الحقيقة الراسية في أعماقه. كما حرص الإمام على التأكيد أن الحرص على التخلق بالخلق الرفيع، يجب أن يكون بِنِيَّتَيْنِ مترابطتين وغير منفصلتين هما نية تجميل الشخصية الفردية، حيث أن الخلق الحسن يضفي جمالا على المرء، ثم نية تقديم القدوة للناس لجذبهم بالخلق إلى التخلق، وإغرائهم بحسن المعاملة على التخلي عن قبيح الخصال والتحلي بجميلها. فليس الغرض مجرد التخلق الفردي بل أن يعمل كل مؤمن على تجاوز ذاته إلى غيره من خلال حرصه على تربية الناس على حسن الخلق والتصرف.

طالع أيضا  الحجوجي يشخص أزمة الأخلاق في العالم.. ويطرح التحديات المطروحة على "سؤال الأخلاق"

ويتعدى الخلق الحسن الفرد ليصير صفة لازمة للجماعة المجاهدة، فقد دعا الإمام لتأسيس نموذج أخلاقي جاذب قادر على اجتذاب الناس إلى التوبة إلى الله وسلوك الطريق القويم. لكن هناك عائقا كبيرا وسدا مانعا يحول دون ارتقاء الإنسان في مدارج الخلق الحسن وسلوك مراتب الذوق الرفيع، هذا العائق هو الطبع سواء تعلق بالفرد أوبالجماعة. فما طبعت عليه شخصية الفرد من خصال، وما ترسخ فيها من خلال، سواء كان مصدرها التربية الأسرية أو التنشئة الاجتماعية، يكون حائلا دون تحرر إرادة الفرد وارتقائه الأخلاقي. فالطبع هو المتحكم الرئيس في تشكيل تمثلات الفرد ومواقفه واختياراته. وما يقال عن الفرد يعني الجماعة أيضا. لأجل ذلك اعتبر الإمام رحمه الله أن التربية على الخلق الرفيع يجب أن تستهدف الفرد كما تشمل الجماعة بل الأمة وهدفها ما سماه الإمام بفطام أمة.

أما فيما يرتبط بعلاقة الإمام بالآخر فقد تحكمت فيها مجموعة من المحددات الأخلاقية نستقيها من سيرته وكتبه، وألخصها في خمسة هي:

1-   العدل: فقد كان الإمام رحمه الله يتعامل مع الأغيار ممن يخالفونه في الموقف والرأي والاجتهاد بالإنصاف يذكر مزاياهم ويشيد بأفضالهم وينشر محاسنهم ويغض الطرف عن مزالقهم وهناتهم، يقول الإمام رحمه الله: “الفاضل يرى الفضل حيث الفضل، وذو المروءة يقيم المروءات، وسفيه النفس الناس عنده سفهاء”.   

2-   الأدب والاحترام: كثير من الشهادات التي أدلى بها عدد من الفضلاء في حق الإمام رحمه الله أشادت بأدبه الرفيع واحترامه وتقديره لكل الناس، سواءٌ في ذلك المواطن والحاكم والتلميذ والأستاذ. بل إنه رحمه الله كان حريصا على انتقاء التعابير  الرقيقة والألفاظ البديعة في وصف الناس ومخاطبتهم. فقد خاطب الحاكم بأدب، وسمى المخالفين سياسيا وأيديولوجيا فضلاء، وأثنى على العلماء والمجتهدين.

طالع أيضا  عبد السلام ياسين.. النفْس الزكية والنفَس العميق

3-     الصدق وعدم المجاملة الفارغة: كان الإمام رحمه الله صادقا في تعامله مع الناس، بحيث لم يكن يجاملهم بل ينتقد ويوجه بشكل صريح وصادق كلما دعت الضرورة لذلك. فهمه الأساس كان هداية الناس إلى الحق وتبصرتهم بمقتضياته ومطالبه.

4-     النصح العام والخاص: لم يكن الإمام رحمه الله يدخر وسعا في نصح الناس عامتهم وخاصتهم بدءا بالحاكم والعالم والسياسي والمواطن. فقد وجه النصيحة للملك الراحل والملك الحالي، كما لم يأل جهدا في توجيه تلامذته ومحبيه وكل من تعامل معه من الناس. فقد كان دائم استحضار حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة”. يقول رحمه الله: “النصيحة بمعنى الصراحة والجمع لا تتأتى إلا بنقد للناصح والمنصوح بمعيار كتاب الله وسنة رسوله”.

5-    التعاون والتشارك: كان الإمام رحمه الله يؤكد أن أساس العلاقة التي تجمع بين الناس بمختلف انتماءاتهم الأيديولوجية والسياسية، هي التعاون والتشارك في بناء مصير دنيوي وأخروي واحد. يقول: “ما العملُ غيْرَ التعاون الصادق بين الصادقين، خروجا بالشعب من النفاق السياسي، والغموض الفكري، والخوف من الناس، على ميثاق واضح”.