عرف الإمام رحمه الله بمكتوباته النثرية لدى القاصي والداني، ولربما صرفنا نثره عن شعره. في حين أن ما بثه رحمه الله في نثره أعاد صياغته بصفة مجملة في شعره. ذلك لعلمه أن النفوس تتأثر أكثر بالكلام الموزون المقفى. فإن كانت الرسالة الكبرى لمكتوباته النثرية هي بيان طريق المنهاج النبوي للناس ليسلكوا مسلكه ويتلمسوا أثره؛ فإن ما نجده في كلامه المنظوم صيغ لبيان الأمر نفسه. خصوصا منه القواعد الكبرى للمنهاج النبوي المتجلية في التربية الإحسانية، والدعوة إلى الله، والتدرج والرحمة والرفق.

وأذكر يوما أنني طلبت إلى الدكتور يونس توفيق – وكان على موعد مع الإمام- أن يستأذن لي الإمام في دراسة شعره، فكان جوابه رحمه الله تعالى ابتسامة رقيقة قائلا للدكتور يونس: فليفعل. لكن شغلتني الشواغل وصرفتني تصاريف الدهر عن القيام بهذا العمل الجليل. وأسأل الله أن يوفقني في قابل الأيام كي أنجز هذه الدراسة، كما أسأله أن يقيض لشعره من أهل الفن من ينسج لها ألحانا عذبة رقيقة، فتزداد جمالا إلى جمال وبهاء إلى بهاء. ولا يسعفني المقام في هذه العجالة أن أحيط بكل ما نظم من شعر، ولكن سأقف وقفات عجلى مع المنظومة  الوعظية لنجلي عن بعض المعالم الكبرى لشعر الإمام رحمه الله تعالى.

إن الإمام رحمه الله تعالى كعادته في تواضعه الجم، يعتبر أن هذه المنظومة الوعظية لاترقى إلى مراتب الصنعة الشعرية، ونقول سيدي إنها جمعت بين الأمرين؛ جمال النظم وجمال الغاية الإحسانية، مما ألبس هذه المنظومة حلالا من البهاء والجمال. يقول رحمه الله تعالى “أما بعد، فالمنظومة التي أقدم بين يديها هذه السطور لا ترقى إلى مراتب الصنعة الشعرية، لكنها تطمح أن يضرب لها بسهم في مضمار الأدب الإسلامي الرافع راية الدعوة بين قوم غافلين” 1.

طالع أيضا  الحجاب إذْنٌ ورمز

رسالة المنظومة

إن للمنظومة الوعظية التي نظمها الإمام رسالة عظيمة قبل أن تكون كلاما موزونا مقفى، فهي “منظومة مطمئنة بالإيمان بالله ورسله وباليوم الآخر، علها تسارع إليها أفئدة من الناس في دنيا القلق والسرعة. كلمة هادئة مستمسكة بالدين في زمن فلسفة التفكيك والتدكيك، «فلسفة المطرقة» حسب تعبير نتشه المخبول الألماني الذي «حطم» بهوسه المجنون وظنه الغريق في لجج الأوهام «أصناما» تسمى الله وتسمى اليوم الآخر.

أبيات موزونة مقفاة أشبه شيء بنظم الفقهاء وأرجوزاتهم، لها هدف كما كان لنظم الفقهاء المعلمين رحمهم الله هدف.

نظم هدفه تنبيه نفس راقدة على وسادة الغفلة إلى لحظة موت تنتظره لا يشك فيها. يموت قريب أو عزيز فتنزعج النفس وتتأسف وتحزن وتفقد الحياة المادية ومباهجها ومشاكلها ومشتهياتها كل معنى. ثم ينسى المرء ويتناسى ويعود إلى مدرجته في الحياة” 2.

الموعظة شعرا أنفذ إلى  أعماق  النفوس

كان الإمام على معرفة تامة بأحوال النفوس وهو الخبير المربي، ويعلم أن الكلام المنظوم  ينفذ  إلى أعماق  النفوس أكثرمن النثر، لذلك عزم أن تكون موعظته هذه شعرية لانثرية “لعل الموعظة المكتسية حلة شعرية تنفذ إلى أعماق النفس. لعلها تطرق في ليل الغفلات أبواب القلب. لعلها تسري بالمستيقظ على ضربات التذكير بالآخرة من دار لدار، من حال لحال، من نمط عيش إلى حياة إيمان.” 3.

إشارات لها معنى:

الأدب كلمة لها مغزى وتبلغ رسالة

يشير الإمام إلى أن الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية لا تنميقا للعبارات الجوفاء، لذلك “ينبغي أن يكون الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة. لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك.

وسيلة تربية وكلمة هادفة تأخذ من العصر وسائله، وتروضها وتتزين بزينة الله، وتتلطف بأشكال المقبول شرعا من أدوات التعبير العصرية كما تَلطف مبعوث أصحاب الكهف ليقضي حاجة أصحاب الكهف من سوق كانوا يخشون غائلة أهلها” 4.

طالع أيضا  حصادُ السِّنين …في التجربة السِّجنية للإمام -1-

الحرص على جمال الكلام لكن دون ضياع المضمون القرآني

 ينبه الإمام رحمه الله الشاعر والأديب الإسلامي ألا يصرفه تتبع جمال الكلمة عن مضمونها القرآني، إذ “يسعف شاعر مؤمن مقتدر وفنان وأديب فيحلي الكلمة الإسلامية والشعر وأصناف التعبير وأجناسه بحلية الجمال، وبحلل قزحية يستعير ألوانها، ويلون أطيافها، ويهمس همسات، ويلمس لمسات.

لكن رجائي، أنا العاجز حقا، أن لا نضيع المضمون القرآني جريا وراء الجمالية والصنعة والتنميق الفني.

من وراء شفافية الشعر وتلطف الفن وترقيق الأدب، ينبغي أن يرتسم بوضوح حقيقة من أنا المتكلم الشاعر الأديب الفنان. وينبغي أن تنفذ رسالتي وتبلغ أمينة على البلاغ القرآني النبوي الذي أخدمه عزيزا به مقتحما به متحديا به” 5.

رجاء ودعاء

 يقول رحمه الله تعالى “ولعل الله تعالى يقيض مجاهدين ومجاهدات في ميادين الكلمة والصورة واللون والتركيب والإخراج والتمثيل يلهمهم تحميل الأدب رسالة الإسلام والإيمان والإحسان، بجمالية تشف عن المقصود لا تحجبه، تنم بتلطف عما وراء الكلمة والصورة والصوت وما تحتهن، تجلو الحقيقة وتزفها للناس في حلل بهية” 6.

جعلنا الله وإياكم منهم.

ختام وكلام:

يقول الإمام “هذه منظومة وعظية حذَوتُ فيها حذْو بيتين عثرت عليهما، نسبهما أبو العباس المقرى للإمام البخاري رحمه الله. ذكر ذلك المحبي في “خلاصة الأثر ” .

قال الإمام البخاري:

اغتنم في الفراغ فَضْلَ ركوع

فعسى أن يكون موتُك بغته

كمْ صحيحٍ قد مات قبل سقيم

ذهبت نفسه النفيسة فلته

وقلت ناسجا على المنوال:

وعزيز في سربه مطمئن

سلتته منه المنية سلته

كم خطيبٍ فوق المنابر يشدو

أسكتته الآجال أيّة سَكْتَه

كم رئيسٍ على العباد تَمَطَّى

مَدَّدَتْه المَنُونُ جِيفَةَ مَيْتَه

فاغتنم فضل ليلة ونهارٍ

وكأنْ مضجع الفِراق رأيته

وكأنْ قد سمعت نَوْح البواكي

طالع أيضا  الحياة الطيبة

وكأنْ عَلْقم الفجيعة ذقته

وكأنَّ الأكفان قد أحضروها

وكأنَّ الغسّال يُخفِتُ صَوْته

وكأنَّ الفُؤوس للأرض تَهْوِي

شقت القبر عَرضَ شبْر قدَرْتَه 7

رحم الله تعالى الإمام وجزاه الله بما هو أهله.


[1] المنظومة الوعظية ص3.
[2] المنظومة ص4.
[3] نفسه ص5.
[4] نفسه 15-16.
[5] المنظومة ص26.
[6] نفسه 29.
[7] المنظومة 35-36.