في سياق تخليد الذكرى السابعة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتورة ليليا شنتوح الأستاذة بكلية العلوم الإسلامية- الخروبة في الجزائر الشقيقة، حول بحثها “المشروع التغيير الاجتماعي في نظرية المنهاج النبوي”، الذي شاركت به في مؤتمر “التغيير في نظرية المنهاج النبوي عند الإمام عبد السلام ياسين.. مفهومه إشكالاته وقضاياه” المنعقد في يناير 2016 بإسطنبول.

الحوار، وبعد أن تطرق لدوافع الدراسة ومنهجها، وقف عند رؤية الأستاذ ياسين للتغير الاجتماعي ومستوياته وآلياته وسماته، ووقف عند دور المرأة والأسرة والنظام التعليمي ضمن هذه الرؤية التغييرية.

فيما يلي نص الحوار:

ماهي الدوافع التي جعلتكم تُقدمون على الاشتغال على هذه الدراسة؟ وما سبب اختياركم للمشروع التغييري عند الإمام عبد السلام ياسين بالتحديد؟ 

هناك دوافع عديدة شدّتنا إلى هذا العالم الداعية المفكر، ووطدت عزمنا لدراسة مشروعه التغييري نوجزها فيما يلي:

أولهما: ما اتسمت به شخصيته الفريدة من ذكاء حاد وفكر وقاد وعلم وأدب وكمال عقل.

ثانيا: مروءته في قول الحق وسداد الرأي والحلم، وحسن المحاضرة.

وأما سبب اختيارنا للمشرع التغييري بالضبط فهو رغبتنا الملحة في تتبع جهود الحركات التغييرية والإصلاحية المنضبطة بالقرآن والسنة في الوطن العربي، ولعل الشيخ عبد السلام ياسين أبرز من تتجلى فيه تلك الغايات وهي العودة إلى الكتاب والسنة كأساس في التغيير.

ما هي المنهجية المعتمدة والمراحل المتبعة خلال إعدادها؟ 

أما عن منهج الدراسة فقد اقتضت طبيعة الدراسة اعتماد المنهج التحليلي بغية تفكيك نصوصه وتحليلها وتقصي دلالاتها، وكذا المنهج الاستقرائي في تقصي آراء الشيخ وأفكاره من خلال مؤلفاته ورسائله.

أما بالنسبة المراحل التي اتبعتها في إنجاز هذا البحث فهي:

–       قراءة مؤلفات عبد السلام ياسين مثل: نظرات في الفقه والتاريخ، المنهاج النبوي، تنوير المؤمنات، والإسلام غدا، سنة الله…

–       جمع أقواله التي تتعلق بكل مبحث على حدة، وجعلت لها عنوانا يتناسب وما تدل عليه.

–       أختار من نصوصه أوضح المقاطع التي تبين رأيه في المسألة، وأسوق ذلك إما تضمينا في الكلام أو بعبارة قال: عبد السلام ياسين أو قال: الشيخ ياسين، هذا في الأقوال والآراء، ونادرا ما أنقل ملخص كلامه.

هل صادفتكم أي معيقات أو تحديات خلال دراستكم لهذا المشروع؟ 

لعل الصعوبة الحقيقية التي واجهتني في أثناء البحث هي وضع تصميم ومخطط يضم بين دفتيه ـ بشكل منهجي ومتناسق ـ أفكار الشيخ ياسين المتناثرة في كل صفحة من صفحات كتبه تقريباً في وحدة متناغمة، يؤدي بعضها إلى بعض في سياق كلي متكامل.

طالع أيضا  عبد السلام ياسين.. النفْس الزكية والنفَس العميق

خصصتم المحور الأول من الدراسة لشرح المفاهيم، وقد ذكرتم أن مفهوم “التغيير الاجتماعي” أصبح واسع التداول بعد نشر عالم الاجتماع الأمريكي “أوجبرن” كتابا بهذا الاسم. ما الذي يميز مفهوم التغيير الاجتماعي عند الإمام عبد السلام ياسين؟ 

التغيير الاجتماعي عند عالم الاجتماع الأمريكي “أوجبرن” في كتابه الموسوم ب”التغير الاجتماعي” الذي أصدره سنة 1922م هو ظاهرة عامة مستمرة ومتنوعة ولا لزوم لربطها بصفة معينة. ولكن عند الأستاذ عبد السلام ياسين هو مرتبط بالعودة لله تعالى من خلال توبة المؤمن والمؤمنة من الأنانية وكل الشوائب والعادات السيئة التي علقت بأفكارهم، ومحاولة الرجوع بهم إلى الدين الصحيح كأساس في التغيير. بالتالي التغيير عنده يكمن في العودة إلى الإسلام، واستلهام مبادئه وقيمه، وتمثل عقائده وأخلاقه، والالتزام بأحكامه وشرائعه، ويعتبر الشرط الأساس في النهوض أو التغيير الحضاري المرتقب.

عنونتم المحور الثاني لدراستكم بـ”تشخيص الداء” تيمنا بمقولة الإمام “والخطوة الأولى إلى الشفاء معرفة الداء”، فهل يمكنكم أن تقربوا القارئ من أهم العلل التي شخصها الإمام والتي تحول دون التغيير المنشود؟ 

الداء الأكبر عند الإمام عبد السلام ياسين والذي يحول دون الوصول للتغيير المنشود هو تفرق الأمة الإسلامية في أقطارها ودولها ومذاهبها لذلك شبهها بالأرض الواسعة، التي زلزلت زلزالها، فانشقت جزرا.. فاختلفت لغاتها.. فظهر من الناس من يدعو نفسه سلفيا، ومنهم من يقول: إنه صوفي وآخر سني وهكذا.. وهذا التفرق في الدول والأقطار والمذاهب -في رأيه- يؤدي إلى حروب تدميرية داخل كيان العالم الإسلامي، وينتهي إلى سلب الاستقرار من داخل المجتمعات، مما يعيق نهضتهم العلمية والعمرانية التي هي ضرورية لتقدمهم.

والعلة الثانية التي شخصها الإمام عبد السلام ياسين والتي هي في نظرنا علة العلل فيما وصلت إليه المجتمعات الإسلامية من الركود الحضاري هي فساد الجهاز الإداري أيضا بوضع أبناء العمومة والأخوال في سجل الموظفين، مما يؤدي إلى وضع الإنسان غير المناسب في المكان غير المناسب ويتسبب في ضرر للمؤسسة التي يعمل بها، مما يؤدي بدوره إلى خلل في الإنتاج والإنتاجية. لهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر لما طلب الولاية، قال: «قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة”.

لكن نؤكد أن كل العلل المذكورة لها دور فيما أصاب العالم الإسلامي.

يؤكد الإمام على الأسرة كركيزة أساسية في المشروع التغييري الاجتماعي وعلى المرأة باعتبارها عماد هذه الأسرة، فما هو موقع المرأة في هذا المشروع التغييري؟ وما السبيل في نظركم لتوعية المرأة الآن بمهمتها التي وصفتموها في دراستكم ب”الخطيرة” وبالدور المنوط بها في عملية التغيير؟

طالع أيضا  الإمام ياسين عبد السلام رجل السلام

أولى عبد السلام ياسين المرأة المسلمة أهمية كبيرة في مؤلفاته وتوجيهاته، وأعطاها مكانة كبيرة في مشروعه التغييري المنهاجي، لأنها هي المسؤولة عن تربية الانسان منذ كان صغيرا من الناحية النفسية والعقلية لتأهيله في الاندماج الاجتماعي الاقتصادي والحضاري، ولذلك وصفها بالمهمة الخطيرة لأنها تؤثر في الطفل أكثر مما يؤثر الأب، وبالتالي فهي المسؤولة عن تربية الفرد الصالح الذي يساهم في إحياء أمته وصناعة مستقبله انطلاقا من الموقع الذي وضعتها القدرة الإلهية فيه.

يقول عبد السلام ياسين: «.. الأم المربية المصلحة عماد الأسرة الأم المريدة وجه ربها الخائفة منه المتشوقة إلى لقائه، الواثقة بوعده، المتعلمة، العالمة بما لها وما عليها مما رسمته لها شريعته العاملة على ذلك، هي الأس ومنها البناء، تصنع المؤمنة أجيالا كثيرة العدد عالية النوعية علينا واجب تغذيتها ورعايتها الصحية وتعليمها وربطها ربطا وجوديا بالقرآن والنموذج النبوي، ثم تعبئتها في جهاد مستمر لتبني من بعدنا مستقبل الأمة الشاهدة بالقسط» 1.

والسبيل لتوعية المرأة بالدور المنوط بها في عملية التغيير يبدأ بتربية الأمهات المؤمنات تربية صالحة للترقي بالمرأة صعدا في معارج الكمال الروحي والكمال الخلقي لبناء مجتمع فاضل متماسك.

ذكرتم مجموعة من الحلول التي طرحها الإمام كدواء للعلل التي تعاني منها المجتمعات الاسلامية، ماهي في نظركم المعوقات التي يمكن أن تواجهها عملية التغيير؟ وما السبيل إلى تجاوزها؟ 

هناك عوائق كثيرة تقف أمام عملية التغيير التي نادى بها الإمام عبد السلام ياسين منها: الانفصالية في العلوم والحياة، انتشار الفقر والحقد والعداء والعنف والتفرقة بين صفوف المسلمين، وظاهرة التقليد والاستبداد السياسي، والإكراهات المادية، وصراع المصالح الفردية والجماعية.

والسبيل إلى تجاوز هذه العوائق يبدأ بالتركيز على إصلاح أخلاق الأفراد عن طريق التربية القرآنية والاهتمام بالمرأة المسلمة، وبعدها إصلاح علاقة الأفراد ببعضهم البعض بإفشاء الصلح والمحبة بينهم، وإقامة العدل والشورى، ثم الاستفادة من الجانب الإيجابي للحضارة الغربية لمواكبة عجلة التقدم، وإن كان تلك العوائق يصعب التغلب عليها أو تجاوزها لكثرة الإكراهات الواقعية وتشابكها في واقع حياة المجتمعات الإسلامية اليوم.

يرى الإمام ياسين أن إصلاح النظام التعليمي أساس في تطوير العلوم وبالتالي خدمة المشروع التغييري الإصلاحي، هلا أوضحتم للقارئ بعض الملامح الأساسية التي رسمها الإمام للمدرسة التعليمية التي يتكون فيها جيل الأمة الإسلامية المستقبلية؟

رسم الإمام عبد السلام ياسين ملامح المدرسة التعليمية التي سيتكون فيها جيل الأمة الإسلامية المستقبلية، واختصرها في سمات ثلاث هي: مدرسة فكرية أصيلة، ومنهج فكري علمي، ونظرة إلى مختلف العلوم من منظور القرآن الكريم والسنة النبوية. يقول عبد السلام ياسين في ذلك: «بعد قيام الدولة الإسلامية يصبح القرآن وعلومه وما تفرع عنه من حكمة مادة الثقافة والتعليم والإعلام، ليصطبغ المجتمع كله بصبغة القرآن، ومن أحسن صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، وتكون العلوم الكونية التي يبزنا فيها اليوم الجاهلون مستنيرة بنور القرآن خادمة لأهدافه» 2. وهو مع ذلك يرى بضرورة الاطلاع على العلوم التي تدرس في المدارس والجامعات وتفحصها، ثم تطويعها بما يتواءم وأهداف المجتمع الإسلامي.

طالع أيضا  بورتريه: عبد السلام ياسين.. جمال الأخلاق

ومن هنا يرى الإمام ياسين بضرورة اصلاح النظام التعليمي وبرامجه، وفق رؤية القرآن الكريم والسنة النبوية كأساس في تطوير العلوم، وخدمة الهدف المنشود وهو الرقي بهذه المجتمعات.

أين تتجلى السمات العامة للمنهج التغييري عند الإمام ياسين؟

تتجلى السمات والميزات العامة للمنهج التغييري عنده في:

–       الاعتماد على القرآن الكريم والمنهج النبوي كأسس في العملية التغييرية.

–       يقوم منهجه التغييري على دعائم ثلاثة هي الشورى والعدل والإحسان. وقد حاول الإمام عبد السلام ياسين من خلال هذه المفردات -العدل والإحسان والشورى- تشكيل منظومة إصلاحية متناسقة متكاملة جمع فيها بين مقاصد الإسلام الحضارية والوعي بالواقع مع استيعاب فائق لسنن التغيير وأسباب النهوض، فأجاد بهذا المنهج في تشريح الواقع ووصف عوامل النهوض للمساهمة في دفع هذه المجتمعات إلى آفاق جديدة، وتغييـر واقعها عن طـريق تجديـد فـهمها ووعيها الحضاري بالإسـلام ورسالته، والبحث عن السبل الكفيلة للخروج من الأزمات وتبعاتها من خلال اقتراح مشروع تغييري للعودة بالمجتمعات الإسلامية إلى دولة القرآن. فاختط بذلك لنفسه مسارا فكريا ساعدته عليه عقيدته الإسلامية وثقافته وخلفيته العلمية مما ساعده على تقديم فكر متميز بالدقة والتحليل والاستقراء للواقع الاجتماعي المغربي خاصة وللعالم الإسلامي عامة.

–        خاصية التطبيق العملي والواقعي لمشروعه، وهذا ما ترجمه الشيخ بنفسه طيلة عقود من حياته من خلال تأسيسه لجماعة العدل والإحسان، ومحاولة تكوينه لتجمعات من الشباب المسلم، خلقه القرآن الكريم ونهجه نهج السيرة النبوية والسلف الصالح والخلافة الراشدة.

–       تحذيره من فتح باب الفرقة ودعوته لتجنب وقوع أي مصادمة مع أي طرف.
 
وفي الختام نشكركم على فتحكم لنا باب الحوار مجددا عن هذ العالم المفكر الداعية الفذ الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.


[1] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/84.
[2] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص150.