تقديـم:

”ديننا يأمر بحقن الدماء، ويجعل سفكها بغير حق من الموبقات، ويتوعد بالخلود في النار من قتل مؤمنا متعمدا، ويغلظ النكير على قتل المعاهد، وعلى الانتحار، وعلى المشاركة في قتل المسلمين والرضى به، وعلى المشاركة في الظلم والتعذيب، وعلى جلد المسلمين، وعلى قتل من قال لا إله إلا الله. ويأمر ديننا بالشدة على من يوقد نعرات العصبية، ويسعى في الأرض فسادا، ويأمر بتوفير كرامة السجين وعدم إذايته، وينهى عن ضرب الوجه في الحدود احتارما لإنسانية المحدود. ويأمر بستر عوارت المسلمين وعثراتهم، وبدرء الحدود بالشبهات حقنا للدماء. ويحبب إلينا أن نعفو عمن ظلمنا.

كل هذه الأوامر يجب أن تكون أخلاقا فردية وشعورا وعقيدة. كما يجب أن تترجم قانونا يطبق تحت ظل الإسلام.

الكف عن دماء المسلمين بكل وسيلة أثناء الفتن دين ندين لله به“. 1

يؤطر مضمون هذا النص التأسيسي من كتابِ المنهاجِ النبوي واسطةِ عقد مكتوبات الإمام عبد السلام ياسين؛ مبدأَ السلمية باعتباره ثابتا أساسيا من ثوابث مشروع الإمام رحمه الله.

وليس غرض هذا المقال تتبع موضوع السلمية في مؤلفات الإمام عبد السلام ياسين وتجلياتها في الممارسة، فذلك مبحث يعز على متن هذه المحاولة، بل الغرض الأساس هو إضاءة معالم وملامح هذه القضية البالغة الأهمية، التي أصل لها الإمام رحمه الله، بل وربى المنتسبين لمشروعه على قيمها النبيلة، والتحق بالرفيق الأعلى وهو يؤكد ويجسد معانيها السامية فكرا وممارسة.

أولا/ أسس ومعالم السلمية في مشروع الإمام عبد السلام ياسين:

بالبحث في بعض كتب الإمام عبد السلام ياسين، ومواقفه العملية، تتجلى لنا عدة أسس ومعالم لمفهوم السلمية باعتباره ضرورة مجتمعية ضامنة لاستقرار الإنسانية، نذكر منها:

1)  التربية:

في صياغتة لمشروعه التغييري حرص الإمام عبد السلام ياسين على جعل قضية التربية على رأس كل القضايا، حيث عدها مقدمة أساسية لبناء الإنسان ذي الشخصية المتكاملة، فأضحت توجيهاته وإرشاداته لا تمل من التذكير والتأكيد على محورية التربية بمعناها الشامل، الإيماني الإحساني، والخلقي القيمي، والفكري، والعلائقي.

واللافت للنظر أن الإمام توسع كثيرا في تفصيل مركزية التربية في أكثر من كتاب، وخطا خطوات أبعد مما خطاه غيره، حين اعتبر أن التربية ينبغي أن تتحقق بمعناها الجامع بين السلوك الفردي والخلاص الجماعي، لكونها العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها.

يقول رحمه الله: ”التربية الإيمانية عملية على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوؤه فيه وتمكنه ورجولته، ولا جهاد بلا تربية، ولا يكون التنظيم إسلاميا إن لم تكن التربية إيمانية“. 2

ليعود للتأكيد على أن ”كل تغيير في السياسية والاقتصاد فإنما هو تبَعٌ لهذا التغيير الكلي الجوهري للإنسان، ونفسيته، وعقيدته، وأخلاقه، وإرادته، وحركته كلها على الأرض، لتكون حركةً لها غاية، ومعنى، وارتباط بمصيره بعد الموت، وبمصير أمته في التاريخ“. 3

وأن ”البذل والتسامح شرطان لازمان لإحلال التوازن في المجتمع الإسلامي بدلا من التنازع والبغضاء، وأهم غايات الشريعة الإلهية إتمام مهمة خلاص الإنسان وسعادته الأخروية. وهو مقصد سام لا يتحقق إلا بالمحافظة على الحياة والعقل والأخلاق والمِلْكية لتأمين النظام والأمن الاجتماعيين الضروريين لكل عمل بناء.“ 4

منبها رحمه الله إلى أن ”وزننا السياسي ولو ثقل بعد زوال وصمة الغثائية، لا يوازي وزننا الأخلاقي الروحي بوصفنا حملة الرسالة الخالدة“. 5

2)   الرحمة والرفق والحكمة:

في الشعبة السابعة والستين من خصلة التؤدة 6 التي عنونها الإمام عبد السلام ياسين بـ “الرفق والأناة والحلم ورحمة الخلق”، يتحدث الإمام عن دور التربية والتعليم في ترسيخ قيم الرحمة والحكمة، اقتداء بقدوة مكارم الأخلاق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: ”يكون من صلب التربية والتعليم النظر في أمثلة حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأناته، وصبره، وتحمله، وشفقته على الخلق، ليكون ذلك لنا نموذجا يحتذى. فإننا لن نسع الناس، ولن ينفتح لنا الناس، إن تقدمنا إليهم بالوجه العابس والتشديد والتعسير. وفي السيرة المطهرة أمثلة رفيعة لرفق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم الناس دينهم، وتدرجه بهم، وحلمه على ذوي الطباع الخشنة وقليلي الفقه“. 7

لقد استمد الإمام عبد السلام ياسين أسلوب الرفق والسلمية والرحمة من المنهاج النبوي لسيدنا رسول الله قدوة الرحمة والرفق صلى الله عليه وسلم، لذلك نجد الإمام يؤصل كلامه المتكوب والمسموع بعدة أحاديث نبوية توصي بالرفق والرحمة ونبذ العنف، نذكرها تباعا كما أوردها الإمام في كتاب شعب الإيمان 8:

عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ». 9

وعنها رضي اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى سِوَاهُ». 10

وعنها رضي اللَّه عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ». 11

وعن جرير بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قَال: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْخُرْقِ 12، وَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ الرِّفْقَ، مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يُحْرَمُونَ الرِّفْقَ إِلَّا قَدْ حُرِمُوا». 13

وعن أبي الدرداء رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قَال: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ». 14

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا». 15

طالع أيضا  سيرة الإمام عبد السلام ياسين |1| وُلد عبد السلام

 ويجزم رحمه الله بأن ”قومة الداعي تبتدِئ بقومة الرسول في قومه يخاطبهم بلسـانهم على الرفق لا على العنف. وكل داع بعد الرسول لم يبدأ ميسرا لا معسرا، مبشرا لا منفرا، جامعا لجهد الصادقين لا مشتتا فما هو من القوة في شيء“. 16

وأنه ”لو تتبعت سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لرأيت هذا الصبر عند البلاء ومرونة خامة الزرع. مثلا عندما ألح سهيل بن عمرو في كتابة صلح الحديبية على أن يمحي من الصحيفة البسملة ونسبة الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فمحاها نبي الرحمة بيده الكريمة“. 17

ويحدث الحكام رحمه الله على تلمس رفق الحاكم العادل، العالم المجتهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حين رد المظالم وأشاع العدل والأمن، فيقول بعد أن ذكر معالم فترته المضيئة: ”رفق تجديدي وعفو وحقن للدماء يحكي رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة منتصرا، وطوى صفحة الماضي فعفا عن المشركين بالأمس الداخلين في الإسلام سراعا لما سمعوا كلمة الرؤوف الرحيم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

حكمة التنزيل أنارت الطريق أمام عملية التجديد. وبيننا نحن وبين تلك الحكمة الأصلية حجُب القرون المتراكمة. كلما ازددنا انحطاطا ازدادت الكثافة الحاجبة وازداد العنف باستفحال دواعي العنف“. 18

3)  الحوار وحسن الجوار:

يستعمل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في مكتوباته ومسموعاته ومرئياته لغة حوارية تواصلية تمتح من جهاز مفاهيمي دقيق ينبض سلمية ورحمة، بأسلوب مزج بين القوة واللاعنف اللفظي، ورغم ذلك لم تكن لغته محايدة ولا مهادنة، كما لم تكن كلماته تحتمل عدة معاني ملتبسة.

لقد دعا رحمه الله باكرا إلى الانفتاح والتواصل، وأسهم في ترسيخ ثقافة الحوار، وحذر من الكراهية والانغلاق والتقوقع على الذات. وخصص لذلك كتبا حوارية مع مختلف فضلاء الوطن، وحرص على إنجاح العديد من المبادرات التواصلية التي انخرطت فيها جماعة العدل والإحسان، سعيا لتنزيل قيم الحوار وتوسيع دائرة المشترك، نحو بناء إرادة إنسانية حرة بنفس تشاركي.

يقول رحمه الله: ”ذلك أننا لنا دعوة نريد أن نبلغها للعالمين. وهي دعوة رفق لا عنف، وصدق لا نفاق، وترغيب لا ترهيب، واختيار لا إكراه. وأفضل مناخ لتبليغ رسالتنا هو السلام في العالم والتواصل والتعارف والرحمة “. 19

ويضيف في موضع آخر: ”الكراهية تولد الخوف، والخوف يولد الحرب الأهلية، والحرب الإقليمية، والحرب العالمية، فدعوتنا إلى الله دعوة محبة أي دعوة أمن وسلام داخل مجتمعاتنا الإسلامية وعلى العالم“. 20

وأن ”تعامل العاملين للإسلام مع سواد الأمة وطوائفها وأحزابها السياسية وتعامل الجماعات الإسلامية فيما بينها، إما أن يكون بالرفق الإسلامي والتؤدة والتفاهم فيحالفَه توفيقُ الله في الدنيا والسعادةُ للجميع في الآخرة. وإمَّا أن يكون على الأساليب العنيفة المبدِّعة المكفِّرة المتجهمة الخوارجية فذاك الضلال بعينه عافانا الله“. 21

كما دعا إلى القطع مع إرث المذهبية الحدية المنغلقة والطائفية العصبية الإقصائية، فحفلت كتاباته بمبادرات تقريبية وتأليفية لقلوب وجهود المسلمين بغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية والطائفية، ونادى بمد اليد إلى كل النفوس المتآخية في الإنسانية.

نورد هنا فقرة جامعة من كتاب الإسلام والحداثة للإمام رحمه الله الذي تنبض كتبه حوارا قلبيا وإرادة صادقة لبناء مستقبل المشترك الإنساني: ”نَمُد لكم اليد، أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية مهما كانت اعتقاداتكم ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم.

إننا وسنبقى دائما على استعداد، وكلنا عزم وثقة في رحمة الله عز وجل، لمد اليد إلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة والاستعداد النبيل. سنبقى كذلك حتى نعقد ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان، ميثاق رفق فعال ونشيط وباذل. إننا كذلك حتى نقضي على الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان“. 22

4)   الخط السياسي السلمي:

منذ سبعينات القرن الماضي وفي زمن الجمر والرصاص، حين كان العنف والعمل المسلح خيارا لعدة مسارات، قدم الإمام عبد السلام ياسين رؤية إسلامية متجددة متكاملة لمفهوم التغيير السلمي واللاعنفي، حيث رسخ منهج السلمية والرفق، وبذل جهدا كبيرا في الدفاع عن صوابية الخيار السلمي في التغيير، أثمر لاحقا بناء أكبر جماعة سلمية معارضة بالمغرب بعد أن كان يُنظر بالتنقيص لمن يتبنى هذا الخيار.

ففي بدايات التأسيس ناقش الإمام ياسين مسألة الخط السياسي مستعرضا ثلاثة خطوط سياسية، ”تبدو لنا ثلاثة خطوط سياسية، لا نحصر فيها إمكانات العمل التنفيذي، إنما نتخذها وجهات لتأملاتنا“.

وبعد توصيف للخيارات الثلاث، خلص إلى اختيار خط التغيير السلمي الممانع واستنكار خط المهادنة والرفض المطلق لخط التمرد والعنف “الخط الشديد” جازما القول بأنه ”لا نرى للتنظيم العنيف المعتمد على الاغتيال السياسي مبررا ولا مستقبلا. إن هي إلا هزات هذا الكائن المترعرع في حضن تاريخ التجديد، يبحث عن متنفس، وعن وسيلة تعبير عن حيويته“. 23

لقد أجمل الإمام أفكارا مهمة بمنظور العلاقات الدولية في أسطر ثمينة تكشف عمق القيم الإسلامية المعطلة في واقع المسلمين، قيم “شرف الإسلام الدولي” ـ كما أسماه الإمام ـ الذي يتغيا رحمة الإنسانية في الدنيا والآخرة، حيث يقول: ”كيف نُسمع صوت «شرف الإسلام الدولي» للعالم ومنطقُ العنف يسوق بعض المسلمين لحجز الرهائن؟ كيف نُقبل على العالَمِ ببشرى الإسلام ونحن شعوب عزلاء مظلومة؟ ما جرّ بعضَ المسلمين للعنف؟ ما زيَّنه لهم؟ ما حَملهم عليه؟

إن الضمير الإنسانيّ المناديَ بحقوق الإنسان عن إخلاص وصدق حقيقة واقعية من وراء الوضع السياسي الظلمي، الذي يجعل بعض البشر أكرم من بعض في ميزان الأرجوحة العالمية. مع هذا الضمير نتناجَى ونتجاوب. معه نتخاطب لنرفع مطمح الإنسانية إلى حقها الأزلي الأبدي الذي لا تُكَوِّنُ الحقوق المتعارَف عليها إلا حلقاتٍ من سلسلته. لا قيمة لما توفره حقوق الإنسان «المتعارف عليها دوليا» للإنسان من كرامة وسعادة في الدنيا إن انقطعت دون حقه الأخروي“. 24

طالع أيضا  ذ. خالد العمراني: جدد الإمام ياسين فقه التربية الإيمانية تأصيلا وتنزيلا

”البر بالإنسان من حيث كونه إنسانا، لا يبطل حقوقه انتماء عرقي أو لغوي ولا ديني مادام لا يقاتلنا في الدين“. 25

وفي توصيف دقيق لمفهوم القومة باعتباره أحد آليات التغيير السلمي في مشروع الإمام عبد السلام ياسين، ميز دلالات القومة عن مفهوم الثورة والتمرد، بقوله: ”المسلمون في تواريخهم يستعملون كلمة “ثورة” للدلالة على خروجٍ عنيف بغير حق. وفي كلمة “ثورة” إيحاء بالعجلة والعنف والاضطراب. ويستعمل مؤَرِّخونا كلمة “قومة” للإخبار عن الخارجين على الظلمة بحق. وكلمة “قومة” موحية بالقوة والثبـات والثقـة. لذلك نستعملها تميزا في الاصطلاح لنَنْتَقِدَ أساليب العنف وحرق الناس وبقْرَ بطون النساء، وإطفاء السجائر في عيون بني آدم وما إلى ذلك من إفناء الطبقة البائدة وتسليط المخابرات“. 26

ثانيا/ اختبار نظرية السلمية عند الإمام عبد السلام ياسين:

1. العلم والعمل:

ما إن يطرح مصطلح “نظرية” حتى تُستحضر بداهة شقه العملي المرتبط بالممارسة، وكثيرٌ ما تبقى النظريات حبيسة عالم التجريد دون أن تتحول إلى ممارسة، وقد تتحول إلى ممارسة نقيضة أو مشوهة، وغالبا ما تقع مفارقات بين مقتضيات المبدأ النصي والموقف الإجرائي الواقعي.

وفكر الإمام ياسين لم يكن مجرد إبداع نظري بل كان ممارسة تجديدية حية فاعلة، تجلت في تجسيده العملي لمبادئ فكره رحمه الله، ومنها مبدأ السلمية الذي صاحبه منذ محن التأسيس.

فقد كان الإمام بحق صورة مضيئة لمسألة العلاقة بين الفكر التنظيري والواقع الاجرائي، معتمدا أسلوب التدافع السلمي عبر الكلمة الحرة والنصيحة والمعارضة الفاعلة، منتجا لفكر عملي وواقعي، يتعامل ويشتبك مع المتغيرات الواقعية في تفاعل تام مع حركة الحياة وتطورها، ترجم ذلك تنظيميا بناؤه لجماعة العدل والإحسان الحاملة لمشروعه التغييري.

يقول موضحا ما سبق: ”وظيفة المنهاج النبوي العلم والعمل مترابطين، النداء والاستجابة متلازمين، الرحمة والحكمة متعاضدتين، أمر إلهي وطاعة، خطة وتنفيذ معا، وإلا كان النفاق، نفاق الذين يقولون ما لا يفعلون“. 27

إن الذاكرة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان تشهد على مبدئية عملها السلمي، فرغم محن الحصار وحجم الاستهداف المخزني منذ التأسيس إلى الآن، لم يسجل أن وقعت في ردود فعل الاستفزاز، ولم تغير من قناعتها ومبدئها الراسخ في نبذ كل أشكال العنف، وكان مرشدها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله على مر سنين الظلم المخزني الذي نال منه الحظ الأوفر، يوصي الأعضاء بالحرص على السلمية والثبات على المبادئ بكلماته القوية التي كانت صوى في مسار التغيير المنشود.

فمنذ ثلاثة عقود ظلت بصمة جماعة العدل والاحسان في ترسيخ السلمية في الواقع المغربي واضحة، بل تجلت بشكل أوضح في المساهمة في تأسيس ثقافة التظاهرات والمسيرات الحضارية السلمية، والتدافع السلمي في مختلف أنشطة مجالات اشتغالها، حيث لا يمكن أن تخطئ العين رؤية قوة وسلمية التنظيم والنضج الكبير والانضباط المتميز لأعضائها. ولعل صورة واحدة من صور المسيرات الضخمة المحكمة التنظيم التي نظمتها الجماعة أو تلك التي كانت عمودها الفقري، والتي شهدتها كبرى المدن المغربية تضامنا مع قضايا الأمة أو دفاعا عن قضايا الشعب المغربي، لخير دليل على جمالية المشهد السلمي الذي عكسته السلسلات الشبابية حماية لمنشئات الوطن، وما صاحب ذلك من حملات تنظيفية لمسار المسيرات.

لقد سيج المرشد المؤسس عبد السلام ياسين الممارسة العملية لجماعة العدل والإحسان بسياج اللاءات الثلاث، باعتبارها منطلقات توجه المشروع وآليات تضبط فعل وسلوك الجماعة، والتي أجملها رحمه الله في ما يلي:

2.  لا للعنف:

على مدار كتب الإمام عبد السلام ياسين التي طرحت المشروع المنهاجي التغييري،  يؤكد رحمه الله أن التغيير الذي ينشده لا ينبع من حماس متهور عنيف، وإنما هو تنفيذ بحكمة وتبليغ برحمة.

وبكل وضوح صريح يعلن الإمام رحمه الله:

”إن عدم استعمال العنف مبدأ لا يناقش في الشريعة الإسلامية، ولا نخجل إن نحن أعلناه“. 28

”فالحل العنيف الصراعي الثوري الذي يوصي بالقتل والسفك، وتخريب بيت كل من انتمى للماضي حل غير إسلامي“. 29

3.  لا للسرية:

استنكر الإمام عبد السلام ياسين العمل السري ونادى بالعمل العلني في واضحة النهار”نقول بلسان بسيط إن أسلوب التنظيم السري أسلوب صبياني اضطرنا إليه فيما مضى من سابق عمل المؤمنين غربتنا واستئساد الناس علينا، وقد آن أن نطلق ذلك الأسلوب وننكره أشد الإنكار، نأثم إن ادخرنا على إخواننا -جماعات الدعوة- النصح في هذه المشكلة وفي غيرها، وعلى كل فأنا لا أنطق باسم جماعة غلطت أو لم تغلط اعترفت بغلطها أم لم تعترف، افتروا عليها أو لم يفتروا، حسبي أن أقول ما أعتقد، وأعتقد أن من بين المؤمنين في عصرنا من استعجل ودخل في السرية فتعرض لما يصحب العمل السري من غموض وعنف، وأنا لا أقر غموضا ولا عنفا ولا أسلوبا يؤدي إلى واحد منهما“. 30

مضيفا رحمه الله: ”فسنعمل على وضح النهار وسنطلب بأن يكون لنا مواطئ أقدام تحت الشمس، وسنزاحم بالأكتاف الصادقة أكتاف رجال المصالح والمراوغات على جادة الحق حتى يستقيم لنا عليها سير، فإن منعنا من الكلام والتجمع والتنظم فإنما ستجني الأنظمة المفتونة شوكا، ولن تبلغ من الغباوة أن تظن أنها عندما تغلق المتنفسات ستحول دون انفجار هذه الإرادة العارمة، إرادة الأمة كلها للحق والعدل“. 31

فعمل الإمام على نقل العمل الإسلامي من دائرة السرية إلى العمل العلني حين اختار تأسيس جمعية قانونية، رفضا منه للفعل السري الغامض واختيارا للشرعية الواضحة، في وقت كان أغلب معاصريه يعتبرون ذلك مخاطرة ومجازفة غير محسوبة العواقب، وصبر من أجل ذلك على أذى الكثير منهم، وقد أثبتت السنوات المتتالية صوابية خياره وواقعيته. بل أضحى اليوم العمل السري استثناء لا تعتمده إلا عصابات المشاريع الهدامة.

4. لا للتعامل مع الخارج:

رغم مظلومية جماعة العدل والإحسان التي عاشت أشكالا من الحصار والتضييق المسلط عليها من طرف النظام المغربي، لم تلجأ يوما إلى الاستقواء بالخارج أو التعامل معه كيفما كان نوع هذا التعامل، لأن الإمام ياسين كان يدرك مساوئ الارتهان للخارج والاستقواء به، لذلك حرص على بناء حركة إسلامية مغربية أصيلة مستقلة، بعيدة عن التبعية لأي مدرسة أخرى، في زمن كان فيه النسج على غير منوال ضرب من المغامرة والعزلة.

طالع أيضا  الدعاء.. الواجهة المتجددة

وأثبتت تجربة جماعة العدل والإحسان أن لها القدرة بما يكفي في التفكير والتخطيط والإبداع المستقل، دونما حاجة لاستنساخ تجارب غربية أو مشرقية، وأنها لم تكن يوما رجع صدى لأي تجربة خارجية ملهمة. بالطبع هذا لا يعني انغلاق مشروع الجماعة وعدم انفتاحه على التجارب الإنسانية الأخرى إفادة واستفاذة، بل القصد أن المؤسس ومن خلاله الجماعة حرص على بناء وتطوير نموذج خاص ومستقل وتجديدي تجاوز آفة التقليد والجمود، وأنتج إشعاعا خارجيا باعتباره نموذجا متفردا قابلا للاقتداء.

خلاصات:

1.   تأكيد الإمام على مركزية التربية في بناء الإنسان المتوازن، الذي يعتبره العنصر المحوري في المشروع التغييري. التربية المتكاملة الشاملة التي ترفع الإنسان نحو مقامات الإحسان لتسمو به إلى درجة النبل والرحمة والرفق.

2.   السلمية ونبذ العنف في المشروع التغييري للإمام ياسين ليست تكتيكا مرحليا، بل هي مبدأ راسخ وضرورة استراتيجية. فهي ضرورة إسلامية من حيث الحاجة إليها في وقف نزيف العالم الإسلامي، الذي أضناه التمزق والصراع، وهي ضرورة إنسانية من حيث حاجة البشرية إلى قيم الإسلام وعدله ورحمته.

3.   الحكمة والرحمة والرفق والمرونة التي يدعو لها الإمام ياسين؛ لا تعني عنده الاستسلام والذل والرضى بأنصاف الحلول والتنازل عن المبادئ والثوابت. وإنما يقصد بذلك سلمية الرشد والقدرة على الإنجاز والتنفيذ برحمة الإقناع لا بعنف الإكراه، يقول الإمام عبد السلام ياسين: ”إننا ندعو إلى الرفق في عملنا الإسلامي، لكن نحب ألا يفهم عنا أننا ندعو للخمول والاستسلام والضعف. إن القوة الفاعلة البناءة هي القوة السائرة في ركاب الإرادة الواعية، ولا يمكن أن يكون للأمة الإسلامية المنبعثة وجود ولا استمرار بلا قوة“. 32

4.   العديد من شباب المغرب مدين للإمام عبد السلام ياسين بدَيْن خاص، لما منحهم من نظرات ثاقبة وتوجيهات قيمة حولوها إلى ممارسة سلمية أنقذتهم من أتون التطرف والعنف.

5.   العنف والكراهية ينبتان أكثر في بيئة الاستبداد والحرمان والفقر والتهميش، ومدخل علاج ذلك كما يقترحه المشروع التغييري للإمام ياسين، بناء وطن الحرية والكرامة والعدل، وطن العمران الأخوي والسلم والتكافل والعيش الآمن.

ختاما، تبقى هذه المحاولة قاصرة عن تجميع القراءة التأصيلية والتاريخية والإجرائية لمبحث السلمية عند الامام عبد السلام ياسين رحمه الله، خاصة وأن الأمر يقتضي الإحاطة الشاملة بالبعدين النظري والإجرائي للموضوع، ولإعطاء نظرية السلمية عند الإمام حقها من الاعتبار يحسن بحثها بدقة وتفصيل أكثر.


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ط 1، السنة: 1989، الشركة العربية للنشر والتوزيع – القاهرة، ص 314. (تاريخ الانتهاء من التأليف: 04/06/1981)
[2] المرجع السابق ص 55
[3] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ط 1، السنة 2009، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، ص 88. (تاريخ الانتهاء من التأليف: 08/07/1983)
[4] عبد السلام ياسين، الاسلام والحداثة، ط 1، السنة 1998، ص 191
[5] عبد السلام ياسين، العدل الإسلاميون والحكم، ط1، السنة 2000، مطبوعات الأفق – الدار البيضاء، ص 68. (تاريخ الانتهاء من التأليف: 06/12/1990).
[6] خصلة التؤدة: عرفها الإمام عبد السلام ياسين بـ: “هي الخصلة الخلقية السياسية الاستراتيجية التي تفصل بين العمل المرتجل الانفعالي وبين العمل المخطط المحكم: خصلة امتلاك النفس، والصبر على طول الطريق ومشقة العمل، والتريث حتى تنضج الثمار.”، هذا التعريف ورد في كتاب مقدمات في المنهاج، ص 83.
[7] المنهاج النبوي، ص 317
[8] عبد السلام ياسين، شعب الإيمان، ج 2، ط 1، السنة 2018، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، ص 323. (تاريخ بداية التأليف:10/07/1975)
[9] أخرجه البخاري، رقم: 6927
[10] أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، رقم: 2593
[11] أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، رقم: 2594
[12] الْخُرْقِ: التسرع والعنف.
[13] أخرجه الطبراني في الكبير، رقم: 2274
[14] أخرجه الترمذي، باب ما جاء في الرفق، رقم: 2013
[15] أخرجه البخاري في كتاب المناقب: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم: 3560
[16] العدل الإسلاميون والحكم، ص 262
[17] المنهاج النبوي، ص 32
[18] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج1، ط 1، السنة 1996، مطبوعات الأفق – الدار البيضاء، ص 75. (تاريخ الانتهاء من التأليف: 23/04/1993)
[19] عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ط 1، السنة 1994، مطبوعات الأفق – الدار البيضاء، ص 214
[20] مجلة الجماعة، عبد السلام ياسين، العدد 2، السنة: 1979، ص 49
[21] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج1، ط1، الستة 1998، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، ص366، 367. (تاريخ الانتهاء من التأليف: 07/10/1988)
[22] الاسلام والحداثة، ص 22
[23] مجلة الجماعة، عبد السلام ياسين، ع 11، السنة: 1983، ص 49
[24] العدل الإسلاميون والحكم، ص 358
[25] عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية، ط 1، السنة 1996، مطبوعات الأفق – الدار البيضاء، ص 147
[26] المرجع السابق، ص 261
[27] عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج، ط1، السنة 1989، تصفيف دار الخطابي مطبعة الأمة، ص37. (تاريخ الانتهاء من التأليف: 19/05/1985)
[28] الاسلام والحداثة، ص 232
[29] الاحسان، ج 2، ص 315
[30] مجلة الجماعة، عبد السلام ياسين، العدد 1، السنة 1979، ص 30
[31] المرجع السابق، ص 31
[32] عبد السلام ياسين، الاسلام غدا، ط1، السنة 1973، مطبعة النجاح – الدار البيضاء، ص 116