ألقى الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان كلمة جامعة بعد الندوة المركزية التي تخللت فعاليات الذكرى السابعة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، يوم الأحد 18 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 15 دجنبر 2019م.

وذهب عبادي في مطلع كلمته إلى أن أئمة الإسلام اعتبروا الأخلاق علم مجاهدة وليس علم مجادلة، فهو إذاً علم تخلق أكثر منه علم أخلاق، فالتخلق يستدعي الصبر وبذل المجهود ومحاسبة النفس، يوماً بعد يوم، إذ لا نهاية للتخلق، حتى يتحول من تخلق إلى أخلاق، وإلى سجية راسخة في الذهن.

وللموضوع حسب الأستاذ عبادي ارتباط كبير بما كان يسميه الإمام ياسين بالذوق، والذوق أمر يُدرك بالشعور وليس بالفكر، ولفت إلى أننا نقرأ في سيرة سلفنا الصالح رضي الله عنهم أن الناس تعلموا منهم الأدب قبل العلم، مستشهدا بتلميذٍ صحب الإمام مالك ليأخذ منه العلم والأدب، وتحسر لو كان قد جعل كل صحبته له تعلماً للأدب.

مشروع العدل والإحسان مشروع إنساني

وبعد ذلك؛ قال الأستاذ عبادي أن مشروع العدل والإحسان هو مشروع إنساني، وهمّ الإسلام هو الإنسان، والمشروع الإنساني يسع الناس جميعاً؛ مورداً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ”، فبإمكانك أن تضم العالم كله إليك بالمعاملة القلبية، بالرحمة والرفق والحنان والمحبة والرعاية وما شاكل ذلك من معاني يمكن أن تغطي العالم بأسره.

ومن الأخلاق إلى واقع الأمة وحال البلد، انتقل الأستاذ عبادي للحديث عما ما آلت إليه الأمة الإسلامية، إذ تساءل قائلاً “هل لنا كلمة تُسمع في المحافل الدولية؟ هل لنا رأي يؤخذ به في هذه المحافل؟ هل يحسب لنا حساب؟” وأجاب بقوله: “أن القوة الاستكبارية تبتلعنا، ولأننا نعيش مستعبدين لا حرية لنا”. مردفاً أننا نعيش في “بيت منهار”، لذلك فوحدة الأمة “مطلب شرعي وواقعي وإنساني إذ لا حياة اليوم للكائنات الضعيفة”.

طالع أيضا  باحثة جزائرية: منهج التغيير عند الإمام ياسين يقوم على الشورى والعدل والإحسان

الوطن أولا

وأكد في معرض حديثه أن الجماعة تعلنها عاليةً “الوطن أولاً”، تقولها مع الفضلاء والوطنيين المغاربة، ومستنهضا حال الغيورين على واقع هذا البلد، وتابع قوله “يجب علينا أن نخدم هذا الوطن، وأن نسعى للنهوض به، وأن نحرر الإنسان المغربي من الاستبداد والفساد والظلم” لأننا أمرنا “أن نقف مع المظلوم أي كان في هذه الحياة، نناصره ونؤازره حتى يأخذ حقه كاملاً غير منقوص”.

ياسين ليس ملكا للجماعة

واعتبر المتحدث أن الإمام عبد السلام ياسين الذي نحيي ذكراه ليس ملكاً للجماعة فقط، بل هو ملك لهذه الأمة، والجماعة لا تستطيع وحدها أن تغطي كل ما أثله الإمام المرشد، فالباب مفتوح للجميع لكي يغرف من هذا الفضل، ذاهبا إلى أنها ليست دعوة القصد منها تعالوا اتبعونا، ولكن “كن عمر بن الخطاب وقُد بنا السفينة”.

وتأكيداً على موضوع الأخلاق، واختيار الجماعة لها عنواناً في هذه الذكرى، شدّد عبادي على أن الإمام رحمه الله أسدى لنا معروفا عظيما، وهي الدلالة على الله، وهي أعظم معروف، وتابع بقوله أن الإمام رحمه الله قبل أن يرشدنا إلى الأخلاق أو يكتب عنها، تشخّصها وعاش بها ولها.

الطريق إلى الأخلاق

وراسماً الطريق التي تخول الإنسان السير في طريق الترقي الخلقي، الذي لا نهاية له، أكّد على أنه لابد من أن نغترف من المَعين الذي لا ينضب، وهو نفسُ المَعين الذي اغترف منه الإمام المرشد ودعانا إليه في كتاباته.

وتابع الأمين العام قوله: بـ”أن البحر الفيّاض لاكتساب الأخلاق يكمن في الصحبة الصالحة”، إذ “المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخَالِل” فعندما يلتقي قلب مظلم بقلب منير بنور الله؛ يسري النور في القلب المظلم فيستنير، لأن “روحانية المصحوب تَسْتَفُّ روحانية الصاحب” كما قال الإمام في كتاب الإحسان، ولهذه الحقيقة شواهد كثيرة في حياة الصحابة الكرام مع المصحوب الأعظم سيدنا محمد الله صلى الله عليه وسلم، إذ في المجلس الواحد يتغير حال الواحد منهم رأسا على عقب.

طالع أيضا  فرشاشي تطرق موضوع الأخلاق في البناء الأسري عند الإمام المجدد

المَعينُ الثاني هو التعلق بكتاب الله عز وجل فهو خير مُعين للتخلق، وأشار إلى أن الإمام رحمه الله “عاش بالقرآن ومع القرآن قراءة وتدبراً وعملا ودعوة، وهو من العزائم التي ألزمنا بها”.

ويضاف لهما مَعينٌ ثالث فيتمثل في رسوخ القدم في عبادة الله عز وجل، ومتسائلاً عن العلاقة التي يمكن أن تجمع العبادة بالأخلاق، أجاب بقوله أن العبادة إذا لم يكن لها ثمرة أخلاق فهي لا تعتبر عبادةً، فجميع العبادات لها آثارها في الإنسان، وذلك في قوله تعالى “إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ”، ثمرة تلقائية للصلاة.  والذي ينزل العبادة الحقيقية، كما يقول عبادي، بمعنى الشعور بالحضور مع الله تعالى ومراقبته وخشيته هو هذا القرب من الله، فهو الذي يدفع الجسم لينفعل مع ما تتطلبه هذه العبادة. بدون هذا الشعور وهذه المراقبة وهذا الاستحضار يبقى الإنسان طليقا، وعبادته تزيده بُعدا عن الله عزوجل. وننهل من معين الذكر، فهو نور يطهر القلب، ويمحو جميع الصفات الدنيئة النفسية التي تتولد عنها الأخلاق السيئة.

لا ننظر لغيرنا بعين الازدراء

التحدي بالنسبة لنا كما يقول الأستاذ عبادي هو أن ننغمس وسط المجتمع ونتفاعل معه ونحمل دعوة الله إلى الخَلق، وهناك من يستهزء ومن يسخر، وهناك من يظلم ومن يعتدي علينا، ومع ذلك نتمثل هذه الأخلاق الفاضلة ونحافظ عليها. وأوضح قائلاً أن كل هذا نقوم به من أجل التقرب إلى الله عزوجل، ولنكون من أحاسن الناس أخلاقاً الذين هم الأقرب من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.

وحذّر في نهاية كلمته من النظرة الدونية للناس، فلا ننظر للآخر بعين الازدراء والسخرية، وننسب نِعم الله إليه لا لأنفسنا، مردفاً بأن النصيحة يجب أن تكون دون تجريح أو تهكم وسخرية وانتقاص من قدر الإنسان الذي ننصحه، مستدركاً أننا نؤديها رحمة لأنفسنا ومخافة أن نكون من الشياطين الخرس كما جاء في الأثر، ونخاف كذلك على مصير من نوجه لهم النصيحة، مصيرهم الدنيوي والأخروي لأنهم إخواننا في الإسلام وفي البشرية.

طالع أيضا  مريم ياسين: كان أبي يقتدي بأخلاق الرسول الأكرم في كل تفاصيل حياته