يُعدُّ سؤال الأخلاق من أهم الموضوعات المطروحة للنقاش والتداول في الوقت الرّاهن، خاصة بعد التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما يواكب هذه التحولات من تحوّل في المنظومة الأخلاقية التي تؤطر وتوجّه هذه المجالات كلها. وفي ظل هذا الموران انتصبت أخلاق النفعية الليبرالية وتبرجت قيم السوق التسليعية، في حين تردّت في هوة سحيقة لا قرار لها أخلاقُ الواجب والمسؤولية، وأخلاقُ الفضيلة والحقوق.

 ولئن كانت المجتمعات الغربية التي أنتجت هذه القيم واحتضنت أخلاقها تضيق اليوم ذرعا بمخرجاتها، فإن المجتمعات الإسلامية لم تكن بمنأى عن التلظّي بنار الأزمة الأخلاقية التي تغذّت من تحالف العلم والتقنية مع سياسة الاستكبار ووكلائها في الشرق والغرب. بل إن الإسلاميين أنفسهم يعترفون بأن أخطر ما يهدّدُ المسلمَ في دينه، والأمّةَ في رصيدها الأخلاقي هو التنصّلُ من مكارم الأخلاق، والانفصام بين العلم والعمل وبين الفكر والسلوك.

إنها إذن أزمة أخلاق، تشي بمظاهرها الإحصائياتُ والأرقام، ويعكسها انهيار أخلاقي وتراجع قيمي على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، وعلى مستوى الأفراد والمجتمعات وما يحكمها من علاقات اجتماعية وانسانية.

غير أن المؤمن الذي منّ الله عزّ وجلّ عليه بصحبة رفيقة جعلته ينشد الإحسان، يدرك أن الأخلاق في الإسلام هي الدين كله، وهي الغاية التي شُرع من أجلها التديّن، وفيها تلخصت رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما بُعثتٌ لأتمم محاسن الأخلاق”، ثم اختزلت كل هذه الأخلاق في خلق الرحمة فقال سبحانه وتعالى:” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. وما شعب الإيمان السبع والسبعون إلا أخلاقٌ سلوكية عملية يُصلحُ الله بها دين المؤمنين، ويُصلحُ بها دنيا الناس.

إنّ المؤمن ليدرك أنّه بالرغم من أنّ أركان الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج هي الأساس الذي يبني عليه، فإنّ لها  مراميَ وأهدافا أخلاقية معروفة ومطلوبة بحيث إذا أدّاها المسلم على وجهها أتت أكلها بإذن ربها، وأعطت ثمرتها الأخلاقية. فالله عزّ وجلّ لا يأمر بعبادة أو يحضّ على طاعة إلا وينبه إلى مقصدها الأخلاقي أو أثرها على النفس والمجتمع والنّاس،  فهو يقول في الصلاة: “وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ” (العنكبوت: 45)، ويقول في الزكاة: “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا” (التوبة: 104)، ويقول في الصّوم: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة: 182) ويقول في الحج: “فَلَا رَ‌فَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ” [البقرة:196].

طالع أيضا  أيت عمي يكتب: كان الرجل "مربيا" استقى التربية من العارفين بالله والرجال الأكابر

وإن الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم ليعلّمنا أن العبادة التي لا تثمر ثمرتها الأخلاقية تكون عبادة مشوبة بالنقص، يقول عليه الصلاة والسلام: «ربّ قائم حظّه من قيامه السهر، ورب صائم حظه من صيامه: الجوع والعطش» (صحيح الترغيب:1083). ويكفي أن نشير إلى أن في صحيح البخاري وحده مئةً وثمانيةً وعشرين باباً تزخر بالأحاديث النبوية الموصية بحسن الخلق الحاضّة عليه.

إذا كانت الأخلاق بهذه المنزلة من الدين، بل هي الدين كله، وكان العالم يعيش أزمة أخلاق سواء في مجتمعاته الغربية، أو حتى المجتمعات العربية والإسلامية، فكيف عالج الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله المسألة الأخلاقية؟ وما هي الحلول التي يطرحها في فكره ومشروعه التغييري وفي سيرته؟

إنّ من مقتضيات بناء الشخصية الإيمانية الإحسانية، وقيامها بوظيفتها الإحيائية الارتكاز على البر وحسن الخلق، وهما مفهومان نبويان نطق بهما القرآن الكريم،  إذ وصف نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى:(وإنك لعلى خلق عظيم)،

وشهدت بعظمة خلقه صلّى الله عليه وسلّم أمنا عائشة حيث قالت: “كان خُلُقَه القرآنُ”، فهي التي عاشت الجانب الخلقي في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم عن قرب وعن كثب فكان تعبيرها عنه جامعا رائعا. يوجه الإمام رحمه الله تعالى المؤمنات والمؤمنين، في هذا الصدد، بعد أن أورد شهادة عائشة رضي الله عنها قائلا في سياق خطابه للمرأة المؤمنة: “رأس الخُلق الكامل امتلاك النفس، وقمعها تحت طائلة التقوى. كان  صلى الله عليه وسلم لا يغضبُ إلا إذا انتهكت حُرُمات الله… امتلاكُ النفس وحملُها على الحق منزجرةً أبدا محكومةً. هذا يعني القدرة على سياسة القوة الشهوانية، وكبح جماح القوة الغضبية بالشرع لتكوني أنت المتصرفة لا الهوى والنزوات ومِزاج الساعة…. وامتلاكُ النفس وحملُها على مكاره الشهوة والهوى، ومحاب الله ورسوله، رأسُ الأخلاق. وكمالُ الأخلاق كمالٌ في الدين”[1].

كما تجلّى كمال أخلاق الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم بوضوح في تحمّله لأمانة  الدعوة وحيدا فريدا، متوكلا على الله تعالى، مربيا للجيل الخالد بهذا الخلق القرآني العظيم. ومن خلال حمَلة الأخلاق القرآنية النبوية سرى بالتربية والصحبة الرفيقة الخلق القرآني في الأمة الإسلامية، وشعّ نوره في باقي الأمم.

طالع أيضا  الإمام المجدد.. روحا فسيحة ورحمةً لا ممسك لها

لقد كان الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، على وعي تام بما تمثله المسألة الخلقية في التأسيس النظري العلمي، وما تتطلبه من حيث تدبير علاقات المحيط القريب المتمثل في العائلة وذوي الرحم.  كما اعتمد منهجا واضحا في بناء الجماعة ورعاية أبنائها وبناتها باعتبارهم حملة للمشروع للأمة الإسلامية وللناس جميعا، يقول موجها العاملين في الدعوة:” إن بناء الدولة الإسلامية الراشدية الثانية يريد رجالا من تلك الطينة الإحسانية القوية، وما عطاء الله لعباده شَحَّ لفراغ خزائِنِه وهو الغني الوهاب. نسأله رجالا وقَّافين عند كتابه بالإرادة الواعية والقصد القاصد الـمُدَبِّر. لا تغلبهم القوة الغضبية، ولا تقصر بهم الهمة عن جمع مكارم الأخلاق. قال الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: “ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من قول الله عز وجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: ووجَّهوا قول جعفر بأن الأخلاق ثلاثة بِحَسَبِ القُوَى الإنسانية: عقلية، وشهوية، وغضبية. فالعقلية الحكمة ومنها الأمر بالمعروف، والشهوية العفة ومنها أخذ العفو، والغضبية الشجاعةُ ومنها الإعراض عن الجاهلين” [2]

وفي مخاطبة الآخر ومحاورته إياه سواء من حيث أخلاق الحوار والخطاب، أم من حيث موضوع المسألة الخلقية في مستقبل الإنسانية، فإن للإمام رحمه الله تعالى مقترحات هامة في الموضوع من قبيل استثمار ما عند غير المسلمين من مروءات، تجميعها والتركيز عليها من شأنه حلُّ كثير من إشكالات مستقبل علاقات الإنسان بأخيه:” فالداعي إلى الله عز وجل يراقب علامات المنْجَم الأخلاقي علّها تدله على استعداد للإيمان وعلى مروءة وكفاءة يغنَمُ رِفدَهُما لخدمة الإسلام والمسلمين…الدين والمروءة خِلاَّنِ، وقد يفترقان في «الفاجرِ الجَلْدِ» له كفاءة ولا دين له، وفي «العاجز الثقة» له دين ولا كفاءة له. روى الإمام أحمد والحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كرمُ المرء دينُه، ومروءتُه عقلُه، وحسَبُه خلُقه». أشار السيوطي رحمه الله لصحته، وضعفه المحدثون.”[3]

طالع أيضا  باحثة جزائرية: منهج التغيير عند الإمام ياسين يقوم على الشورى والعدل والإحسان

ومن ثمّةَ فإن المسألة الأخلاقية تحتل  موقعا مركزيا في فكر الإمام رحمه الله، حيث نجد البعد الأخلاقي حاضرا وبقوة سواء في تناوله النظريّ لقضايا التربية أو السياسة أو الاقتصاد أو غيرها من القضايا، أو على المستوى العملي ابتداء من بناء الذّات والأسرة، ومرورا ببناء الدعوة والجماعة، وانتهاء ببناء الأمة واستثمار الأخلاق على بساط المشترك الانساني.

وإذا كانت الإنسانية تعيش مرحلة تاريخية سماها جيـل ليبوفتسكـي مرحلة “ما بعد الأخلاق”تقطع وتصل في نفس الوقت صيرورة العلمنة المنطلقة من القرنين السابع عشر والثامن عشر. ونعني بمجتمع ما بعد الأخلاق المجتمع الذي يدغدغ أكثر من سابقيه الرغبات والأنا والسعادة والرفاهية الفردية أكثر مما يقوي فضيلة التضحية وإنكار الذات[4]، فإن مسؤولية علماء المسلمين في إنقاذ البشرية وردها إلى دين الخلق القرآني النبوي مسؤولية جسيمة تحتل مرتبة هامة في سلم الأولويات.

وبمناسبة الذكرى السابعة لرحيل الإمام عبد السلام رحمه الله تعالى، وما يمكن أن تقدمه الأمة الإسلامية من قيمة إضافية للبشرية جمعاء خاصة فيما تعيشه من  تغاض عن المسألة الأخلاقية، بل من تهميش لها.

 واستشرافا لمستقبل تتربى فيه أجيال من شباب الأمة على حياة خلقية طاهرة على منهاج النبوة،  تتناول جماعة العدل والإحسان موضوع:” سؤال الأخلاق في فكر الإمام رحمه الله تعالى وسيرته ” بالبحث والتداول، والدرس والمناقشة في شكل ندوة علمية، بمشاركة نخبة من الباحثين وذوي الخبرة والتخصص، من أجل مقاربة الإجابة على الأسئلة التالية:

1.   ما مفهوم “المسألة الأخلاقية في فكر الإمام”، وما مرجعياتها العلمية؟

2.   كيف دبر الإمام رحمه الله تعالى المسألة الخلقية في المحيط العائلي ومع ذوي الرحم؟

3.   ما هي المعالم الخلقية التي اعتمدها الإمام رحمه الله تعالى  في بناء الجماعة ورعاية أعضائها؟

4.   كيف استند الإمام رحمه الله تعالى للمسألة الأخلاقية في معاملته للآخر في الخطاب والحوار؟

نقترح لمقاربة الإجابة عن كل هذه الإشكالات اعتماد المحاور التالية:

۞ المحور الأول: سؤال الأخلاق وبناء المفهوم والمرجعيات.

۞ المحور الثاني: سؤال الأخلاق في العلاقات الأسرية.

۞ المحور الثالث: سؤال الأخلاق في بناء الجماعة ورعايتها.

۞   المحور الرابع: سؤال الأخلاق في معاملة الآخر (الخطاب والحوار).