قارب الدكتور إدريس مقبول سؤال الأخلاق عند الإمام عبد السلام ياسين من زاوية جوهر رسالة مشروع العدل والإحسان القائمة على خدمة الإنسانية وحماية الإنسان على هذه الأرض.

مقبول الذي كان يتحدث في ندوة اليوم 15 دجنبر 2019، في موضوع “سؤال الأخلاق في فكر الإمام عبد السلام ياسين وسلوكه”، تخليدا للذكرى السابعة لرحيل الأستاذ عبد السلام ياسين، أكد أن نقاش الأخلاق عند الإمام رحمه الله ليس موضوع نظر محض، وإنما هو سلوك وعمل اليوم والليلة.

وذهب مقبول في مداخلته إلى أنه من شأن عوامل الزمن وطول العهد بالفكرة أن تنسي الناس في أصل هذه الفكرة فيتعلقون بالقشور والعوارض فتلهيهم عن الجوهر، والنبي صلى الله عليه وسلم اختار أن يحدثنا في جوهر رسالته عن الأخلاق عندما قال: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وجاءت بعثته استئنافا لرسالة من سبقه من الأنبياء في بناء منظومة الأخلاق.

وشأن التجديد، يقول مقبول؛ أن يكون من هذه الطينة ومن هذا الجوهر، ولا نمل التأكيد على هذا الجوهر إن غاب غاب المضمون وتلاشى الجوهر.

ولا شك أن الإمام ذاع صيته في المغرب وخارجه في المناداة بالحوار العابر للحدود وكتب في ذلك مقالات وألف كتبا وأجرى حوارات، وسعى إلى الإسهام في التقريب بين وجهات النظر ومقاربة الآراء بحثا عن مصلحة الإنسان، وأوضح مقبول في هذا الصدد أن الإمام في المنهاج يذهب أكثر في معالجة الأخلاق عندما نادى بمحاورة الآخر، أو ما سماه بـ”الأخلاق الكوكبية أو العالمية”، وقد نودي بها من القرن الثامن عشر والتاسع عشر حين تم القول بحاجة العالم إلى أخلاق عالمية لاستتباب الأمن والحد من الصراعات والحروب.

وقد اهتم الإمام بشكل كبير بحاضر العلاقات وضوابطها الأخلاقية، خدمة لمستقبل الإنسانية جمعاء، وعلى هذا الأساس اعتبر مقبول أن يقين الإمام في أن هذا العالم لا يمكن حل إشكالاته إلا بالاستناد على القرآن الكريم، باعتبار فكرة الخاتمية، وفكرة الشمول، فرسالة السماء إلى الإنسان تتضمن داخلها المتطلبات التي تسمح بالتقارب بين الإنسان وأخيه الإنسان وتقاسم خيرات الأرض.

طالع أيضا  بنور الله نبصر.. في ذكرى رحيل الإمام

فالمشروع يضيف مقبول لا يرتبط بمكان أو إقليم، بل هو مشروع عالمي يقدم للإنسانية حل الكثير من الإشكالات الإنسانية والجيوستراتيجية اليوم التي لا يمكن تجاهل ما أنتجته شراهة الإنسان فيها على أخيه الإنسان من معضلات.

وأوضح مقبول أن العدل الإحسان مدرسة أخلاقية اختارت البعد الأخلاقي مدخلا للتجديد، لافتا إلى أنه في مطالعتنا لما كتب يصعب الإحاطة بكل ما أتى به الإمام في كل تفاصيل الموضوع رحمه الله.

وأشار مقبول إلى أن الإمام كان حريصا على تفكيك كافة المواضيع التي عالجها في مشروعه التجديدي انطلاقا من هذا التوجيه، وأعاد تركيبها على قاعدة البعد الأخلاقي.

وأضاف مقبول أن الإمام أعاد النظر في وظيفة الدين في عالمنا المعاصر على أساس الفائدة، وانتهى إلى أن هذه العودة يجب أن تنتج أمرين أساسيين، الأمر الأول هو أن الدين ينبغي أن ينتج الأخلاق، وما لم ينتجها فهو يبقى في الدائرة الطقوسية فارغة من أي محتوى روحي. لأن الأمة يقول مقبول، بقيت لمدة من الزمن متعلقة بأشكال من التدين هي التي أنتجت الفراغ دون المعالم التي نادى بها القرآن.

ولفت إلى أن المنهاج نبه على خطورة التعلق بكافة أشكال الدين السطحية الخالية من أي تخلق وتدين، لأنه لابد للدين من أن ينتج الأخلاق. ومن هذا المنطلق فنظرية الإمام في هذا الجانب تربط بين الأخلاق وأصلها الديني خلافا للنظريات العلمانية التي تفصل الأخلاق عن أصولها الدينية.

وأضاف “أما الأمر الثاني هو أن الدين ينبغي أن ينتج الثورة بمعناها الأخلاقي، لأن الأخلاق هي ثورة على العادة والأنانيات والمصالح الضيقة، وثورة على استغراق الإنسان في حياة المادة وإعادته إلى أصل الفطرة”.

وتابه مقبول موضحا أن الثورة في حد ذاتها هي سعي لتغيير الواقع الفاسد في الحياة، والدين هو دعوة للتحرر من الاستبداد ودعوة لإسقاط الأصنام البشرية والفكرية التي من شأنها أن تستعبد وتحد من تطلع الإنسان للخير والحرية. لهذا فالعدل والإحسان يضيف المتحدث “ليسا فقط محور الحياة الخلقية عند الإمام، بل هما أبعد من ذلك، وهما قيمتان تعالجان كل مظاهر التحلل والفساد الذي يعتري الوجود الداخلي النفسي والخارجي في الواقع”.

طالع أيضا  التربية الإحسانية بين التزكية والتصوف.. تجديد فقه السلوك عند الأستاذ عبد السلام ياسين

وأوضح مقبول أن مشروع العدل والإحسان نجح في تقديم تصور واضح على مستوى بناء الدولة والاهتمام بالروح على حد السواء.

الإمام يوجه نظرنا، يقول المتحدث، إلى القرآن مرة أخرى نحو قوله تعالى “لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى” معتبرا أن هذا التوجيه ضرب من إعادة البناء مع عالمه؛ لا انطلاقا من التحيزات الطائفية والمذهبية والمصلحية، فأوضح أن قيمة العدل قيمة في ذاتها يتم الانحياز من خلالها للإنسان في ذاته وكرامته، وليس إلى بشرته أو لغته أو عرقه.

وقال إن جوهر العدل والإحسان هو النزوع الجهادي والتربوي والنضالي إلى جانب الإنسان المستضعف في هذا العالم وليس بالضرورة مع الإنسان المسلم. مردفا أن “رسالة العدل والإحسان هي حماية الإنسانية على هذه الأرض”.

ويرى مقبول أن الإمام في المنهاج يتحدث عن وزنين، الوزن السياسي والأخلاقي للأمة، نظرا للرسالة التي حملناها في هذه الأرض، دفاعا عن قيم العدل والحرية والكرامة للإنسانية.

وأشار مقبول إلى أن الإمام في حديثه عن العدل والإحسان يقارن بين منطقين، ويعتبر أن قيمة العدل تتأسس على ما يسميه بـ “التذكر”، انطلاقا من قوله تعالى “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى”، انطلاقا من الغفلة عن المصير التي أنتجت شورى غير سوية تتهدد الإنسان في مصيره الجماعي.

وبالتالي يقول مقبول ففكرة سعي الإنسان من أجل ترسيخ هاتين القيمتين تتأسس بالدرجة الأولى من الميثاق الأول للحفاظ على هاتين القيمتين حفاظا على التوازن في ضربين من العلاقة، العلاقة الإنسانية الأفقية مع الإنسان، والعلاقة العمودية مع الله تعالى خالق الإنسان.

وأكد مقبول أن رسالة العدل والإحسان هي رسالة تذكير للإنسان بالعهد الأول، العهد الفطري، أي أن له مسؤولية في الحياة تجاه ما يجري في الواقع، وأن يخرج من انزوائيته تجاه آلام الإنسانية، وتذكيره بأن ثمة موعدا ومصيرا وأن إلى ربك الرجعى.

طالع أيضا  مقبول يطرق سؤال الأخلاق في معاملة الآخر عند الإمام ياسين (فيديو)

وأضاف “رسالة العدل والإحسان هي رسالة تستهدف معالجة آفتي الفقر والكفر”، ملفتا إلى أن الفقر مقرون بالكفر، ويقول الإمام بأن الفقر ليس قدرا بل هو صناعة الاستبداد، لهذا فمعالجة الآفتين تكون من منطلق العدل والإحسان.