اعتبر الباحث في الفلسفة السياسية فؤاد هراجة أن سؤال الأخلاق في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، له راهنية وأهمية في مشروع الإمام، معتبراً إياه “روح مشروع الإمام وغايته القصوى” سؤالاً محورياً في نظرية المنهاج النبوي، وذلك في الندوة الفكرية التي نظمتها جماعة العدل والإحسان تحت عنوان: “سؤال الأخلاق في فكر الإمام وسيرته”، تخليدا للذكرى السابعة لرحيل مؤسسها صبيحة الأحد 18 ربيع الآخر 1441هـ الموافق 15 دجنبر 2019.

ولفت المتحدث، ضمن نفس الندوة التي أدارها الأستاذ عبد الحكيم الحجوجي، إلى أن تلمس معالم منظومة أخلاقية أو نسق أخلاقي عند الإمام تقف أمامه ثلاث عقبات، أولاها تتجلى في أن الأخلاق مبثوثة في كل مشروع الإمام ومكتوباته، تعتبر خلفية قيمية لكل المواضيع والقضايا والإشكاليات التي عالجها الإمام في نظريته المنهاجية ما يفرض المزاوجة بين المنهجين الاستقرائي والاستنباطي، حتى يتمكن الباحث من رصد معالم المسألة الأخلاقية من داخل النظرية المنهاجية.

أما العقبة الثانية حسب هراجة فتتمثل في أن الإمام لم يخصص دراسة أخلاقية خالصة ومستقلة كما فعل الأخلاقيون في مذاهبهم وفلسفاتهم، بل نجد الخلفية الأخلاقية مؤطرة لكل المنظومة الفكرية متداخلة مع ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي ونفسي وغيره، أي مع الماضي والحاضر والمستقبل، ومع الفردي والجماعي، ومع التقليد من داخل الإرث الفكري الإسلامي، ومع الحداثة من خارج هذا الإرث، ما يعني أن رصد النظرية يحتاج تجميع أجزائها بعد تزييلها عن باقي العناصر الفكرية الأخرى للضرورة المنهجية، قصد إعادة بنائها في نسق واضح المعالم.

وتكمن العقبة الثالثة في أن الفكر المنهاجي لا يخضع في بنائه إلى المعايير الأكاديمية النمطية الصرفة، مما يدفع إلى تتبع المسألة الأخلاقية عند الإمام ومقارنتها بباقي الفلسفات الأخلاقية الأخرى بحذر منهجي شديد لعلنا نستنتج ماذا رشح عن هذا الحوار والتماس الفكري من حدود النقد أو الاقتباس أو التجاوز.

ولرسم المعالم الكبرى للنظرية ولتذليل العقبات المذكورة، اختار هراجة أن يعالج في مداخلته ثلاثة محاور، الأول تقديم نظرة شاملة ومقتضبة عن الإرث الفلسفي الأخلاقي، وبإزائها تفاعلُ الإمام معها مستحضراً ومستوعباً أو متجاوزاً، وفي المحور الثاني تناول السؤال الأخلاقي في فكر الإمام والأسئلة المتفرعة عنه، وأخيراً المسألة الأخلاقية في الفكر المنهاجي وسمة التعدد الأخلاقي من داخل النسق.

طالع أيضا  مقبول يطرق سؤال الأخلاق في معاملة الآخر عند الإمام ياسين (فيديو)

الباحث في سلك الدكتوراه بجامعة ابن طفيل القنيطرة اعتبر أنه يمكن اختزال الفكر الأخلاقي الفلسفي في مدرستين كبريين وهما المدرسة الأخلاقية الأفلاطونية والمدرسة الأخلاقية السفسطائية، حيث تؤسس الأولى لأخلاق تنازلية متعالية تعتمد التربية وتروم الفضيلة والسعادة، فيما تقوم الثانية على أخلاق مستوحاة من الطبيعة حيث لا خير ولا شر، وحيث الصراع والبحث عن الذات والمنفعة لا غير، وإلى هذه الأخيرة ترجع كل الفلسفات الأخلاقية النفعية البرغماتية المعاصرة وتتأسس عليها حسب هراجة.

وفصّل الأستاذ في مسارات المدارس الأخلاقية، مضيفاً أن الغرب قد تنكر للمدرسة الأفلاطونية بعد سقوط هيمنة الكنيسة، وانتصر للفلسفة الأخلاقية السفسطائية التي لا تؤمن إلا بالعقل والطبيعة، ولا تعترف بوجود أخلاق ثابتة، وعلى هذا الأساس تستحيل الدولة في نظر هذه المدارس إلى راعية لأخلاق تدبر الصراع والمنفعة.

عن سؤال هل يمكن تأسيس علم للأخلاق؛ قال بأن الإمام عبد السلام ياسين يجعل العلم إماماً للعمل، وأن ما يلزمنا هو علم خطوة لا علم خطبة، وأن المفاهيم والتصورات تكون دائما هي المحدد الحاسم ولها أثر بليغ على السلوك، موضحا أن الإمام شدّد أيما شدة عن جناية المصطلحات، رابطاً بين خطورة التصورات القبلية والمفاهيم المنحرفة وبين ما يمكن أن تصنعه من سلوكات متطرفة. ودعا إلى ضرورة التدقيق في المفاهيم وحسن توظيفها لأنها ستنعكس على الفعل والسلوك.

فوصف الإمام المجتمعات المسلمة مثلا بالفتنة عوض وصفها بالجاهلية تجنبا لأخلاق العنف والتطرف والتكفير، وقس على ذلك مصطلحات من قبيل أمة الاستجابة وأمة الدعوة عوض دار الإسلام ودار الحرب، فالأولى تؤسس لأخلاق التواصل والثانية تؤسس لأخلاق الصراع.

أما عن سؤال التأسيس والبحث في أصل الأخلاق ومنشئها، فإن الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله حاسم وصارم في كون مصدر الأخلاق هو القرآن الكريم وأن صورها العملية الإجرائية تتمثل في السنة النبوية والنموذج النبوي. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن، وبُعث ليتمم مكارم الأخلاق، إلا أن الإمام لم ينكر تأثير العناصر الوضعية التي تعتمدها الأخلاق العقلانية مرجعيات لها في بناء الأخلاق. لكنه يدعو إلى ضرورة تجاوز هذه العناصر الوضعية بالعودة إلى القرآن والسنة قصد السيطرة عليها والتحكم فيها. فالعنصر الاجتماعي في نظر الإمام ينتج أخلاق العادات الجارفة، والاستبداد السياسي ينتج أخلاق الذهنية الرعوية وأخلاق القطيع، في حين أن العنصر النفسي المتسيب وغير المنضبط، ينتج الأنانيات المستعلية وحب الرئاسة والقيادات الجبارة. ووظيفة المنظومة الأخلاقية تكمن في تغيير هذا الواقع نحو أخلاق بديلة.

طالع أيضا  قبل سبع سنوات.. رحل الإمام وبقي ذكره (فيديو)

وتابع في طرحه تقديم سؤال الفعل الأخلاقي وتمييزه عن غيره من الأفعال القانونية أو الدينية، فالفكر الغربي يحاول الفصل بين الأخلاق والدين والقانون، إذ حسب التصورات الغربية فإن الفعل الأخلاقي هو فعل حر مستقل الإرادة لا يكون أخلاقيا إلا إذا كان بعيدا عن أي سلطة تمارس عليه الإكراه الخارجي، في لمز واضح للدين، باعتبار الفعل من داخل الدين لا يمكن عدّه فعلاً أخلاقياً، والأستاذ عبد السلام ياسين يؤكد من جانبه أن الأخلاق أو المسألة الأخلاقية لا يمكن أن تتأسس خارج شرط الحرية لكنه يقيد المصطلح تحت عنوان “حرية مسؤولة” هكذا تركها بدون -ال- التعريف حفاظا على حريتها من التقييد. ويحصر هذه المسؤولية بين البواعث الأخلاقية الحافظة لمقاصد الشريعة من جانب الوجود، والروادع الأخلاقية الحافظة للشريعة من جانب العدم؛ وهنا تطرح أخلاق الدولة وأخلاق الدعوة/ سلوك الدولة وسلوك الدعوة، أي أخلاق العدل وأخلاق الإحسان. حيث تتشابك حرية الفرد مع بواعث الشريعة من حيث مقاصدها ومطالبها (أخلاق الإحسان/ الدعوة) وروادع الشريعة التي ترسم حدود الحريات الفردية في الفضاء العام للدولة (أخلاق العدل/ الدولة)، من هنا يتم التأسيس لأخلاق الدولة القائمة على أساس قيمة العدل وأخلاق الدعوة القائمة على أساس قيمة الإحسان؛ أخلاق بوظائف مختلفة لكنها متكاملة. فكل واحدة تمثل نصف الدائرة، لترسمان الدائرة الكاملة للأخلاق في النسق الأخلاقي المنهاجي في فكر الإمام.

ثم أضاف سؤال وظيفة الأخلاق التي تكمن في تحديد ما يجب أن نفعل أو هكذا يجب علينا أن نفعل، وإذا كان علم الأخلاق في الفلسفات الأخرى يعنى بوضع المبادئ والقواعد الموجهة للسلوك والمساعدة على اختيار الموقف الصواب من بين المتعارضات الحاصلة دائما أمام الإنسان، فإن وظيفة الأخلاق عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله هي صناعة وحرفة ومهنة يمتهنها ويحترفها المربي صاحب التجربة الأخلاقية النوعية، صناعة تروم تغيير الإنسان في كل أبعاده، ومن تم تغيير الواقع، هي أخلاق غائية تحكمها غايات واضحة ومحددة تُحدث انتقالات انقلابية على مستوى الروح والنفس والعقل ثم السلوك والواقع. وقد حدد الإمام مجال الوظيفة التغييرية للأخلاق في مجالين كبيرين هما الآفاق الأنفسية والآفاق الاستخلافية.

طالع أيضا  مجلس النصيحة يتناول موضوع الأخلاق (روبورتاج)

أما عن سؤال اختيار نمط الأخلاق، والتي ينبغي أن تسود المجتمع، حيث تشتت الفكر البشري الغربي بين عدة اختيارات بل قد نصادف مذهبا أخلاقيا يقوم على قاعدة أخلاقية واحدة، أما الإمام ياسين فلم ينح هذا المنحنى، بل جعل من منظومته الأخلاقية نسقا مفتوحا يقوم على التعدد من داخل النظرية الواحدة؛ إذ نجد تنوعا واضحا لأنماط متعددة من الأخلاق. الأمر الذي يجعلنا أمام مستويات متنوعة في الخطاب الأخلاقي الذي اعتمده الإمام لمنظومته الأخلاقية، ذكر منها هراجة مثلا: أخلاق المعية لا أخلاق الوصاية، وأخلاق التوبة الشاملة أو التوبة الانقلابية، وأخلاق المجاهدة والاقتحام الدائم الصاعد، وأخلاق الترقي والمجموع لا أخلاق المثالية، وأخلاق القوة والإرادة لا أخلاق الاستكانة والتدجين، وأخلاق المسؤولية الإيمانية لا أخلاق القعود والاستقالة…

وفي ختام مداخلته أكد الباحث أن المسألة الأخلاقية عند الإمام عبد السلام ياسين تستحضر واجب الوقت، وشروط الذات، وحجم التحديات، والموروث التاريخي، والآليات والوسائل، والآفاق المرجوة. مستحضراً الإنسان في كل أبعاده، والواقع بكل تجلياته. معتبراً أننا إزاء نسق أخلاقي يتصف بالصيرورة والتغيير والديناميكية المستمرة القابلة للاجتهاد والتعديل والتنقيح، بعيداً عن النمطية والنسج على منوال، وهو ما يجعل من هذه المنظومة نسقا مفتوحا له ثوابته المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية، لكنها تعتمد أثناء الممارسة والتنزيل الانفتاح على كل الأدوات والآليات والتجارب الإنسانية التي من شأنها أن تحقق الهدف والغاية المتوخاة من التغيير الأخلاقي المنشود، والذي لخصه شعار الجماعة في أخلاق العدل دولة، وأخلاق الإحسان دعوة وتربية، فكمال الدين كما يرى الإمام لا يكون إلا بكمال الأخلاق.