انطلق الدكتور رشيد عموري في تناوله لموضوع الأخلاق في حصة التفسير، في مجلس النصيحة ليلة الأحد 18 ربيع الآخر 1441هـ الموافق 15 دجنبر 2019، تخليدا للذكرى السابعة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين، من الآية 159 من سورة آل عمران التي يقول فيها الله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.

ولفت عموري في البداية إلى أن هذه الآيات جاءت في سياق غزوة أحد وما وقع فيها، والابتلاء الذي وقع فيه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونجاهم الله وغفر لهم ورفع مكانتهم.

ووقف مع الآية الكريمة بما فيها من العبر، مستجليا أوامر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بما يوافق أخلاقه عليه الصلاة والسلام.

اعتبر عموري أن حرف “ما” في قوله تعالى فبما رحمة هي للصلة وتحمل معنى التأكيد، كقوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم ومعناها فبنقضهم ميثاقهم، ومتعلق الخطاب هنا يقول عموري هم الصحابة وأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، أي لرحمة الله بنا وبالأمة أن أرسل رسولا رحيما عطوفا علينا، وقيل أيضا متعلق الرحمة هنا هو رسول الله صل الله عليه وسم.

الإمام الحسن البصري رحمه الله عندما قرأ هذه الآية فبما رحمة من الله لنت لهم قال، كما أورد عموري،: “هذا خلق رسول الله”. والإمام الرازي قال: “فاعلم لينه ورحمته صلى الله عليه وسلم بالقوم هي علامة وأمارة على حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، والله تعالى قال واخفض جناحك لمن اتبعك من المومنين، وقال له أيضا خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين“.

وفي حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفق، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه”، وعلق الإمام الرازي رحمه الله على هذا الحديث وهذه الآيات وقال “إذا كان رسول الله هو الإمام الأعظم فوجب أن يكون أكثرهم حلما وأحسنهم خلقا”، وقد وصفه الله بذلك وأعظم بها من شهادة وإنك لعلى خلق عظيم.

وفي قوله تعالى: ولو كنت فضا غليظ القلب يقول عموري إن الفضاضة هي الجفاء، وقد اشتهر بها الأعراب، وشدد على أنها لا تنبغي أن تكون في جند الله، والغليظ قيل هو القاسي القلب، وهو الذي لا رأفة ولا رحمة في قلبه، وهو الذي لا يتأثر بشيء وهذه علامة الخسران أن يكون قلب المرء هكذا.

وأوضح أن المقصود الأعظم كما قال سادتنا من بعثته صلى الله عليه وسلم أن يبلغ تكاليف الله، وأن يهدي الناس بهداية الله تعالى إلى الحق والخير، ولا يكون هذا إلا إذا مالت قلوبهم ومالت نفوسهم له، وليكون ذلك وجب أن يكون لينا صلى الله عليه وسلم ورحيما وعطوفا ويتجاوز أخطاء الصحابة وأمته إلى يوم القيامة.

ووقف المتخصص في علم الحديث على أن الليونة والرحمة لا يلتقيان مع الفضاضة، ولا يمكن أن يكون صلى الله عليه وسلم فضا ولا غليظا لذلك الله تعالى نهاه وبرأه من هذه الصفة لأنها علامة على سوء السلوك.

وأورد من التوراة كلاما في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال أحد الصحابة “ليس بفض ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح”.

أمر الله تعالى نبيه فقال فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فأحصى الدكتور عموري ثلاثة أوامر، بالعفو عن الصحابة كما يقول البعض بما بذر منهم يوم خالف الرماة إشارته صلى الله عليه وسلم، وإن كان الأمر عامّا يوم أحد أو غيره للصحابة وسائر الأمة فيما يتعلق في علاقتهم برسول الله صل الله عليه وسلم، كما أمره بالاستغفار لهم فيما وقع بينهم وبين ربهم واستحقوا فيه العقوبة. ثم أمره بالمشاورة معهم من أجل التأليف بينهم، وقد يشق الأمر عليهم بدون المشاورة، فسن لنا بذلك سنة وكان يتألفهم بهذه الشورى وإن كان غنيا عنهم صلى الله عليه وسلم.

ثم وقف على الحكمة من تأخير الشورى عن العفو والاستغفار، فقال لفضيلتها وهو صلى الله عليه وسلم من قال: “ما شقي عبد بمشورة قط، ولا سعد عبد باستغناء رأي”.

الحسن البصري رحمه الله قال “ما تشاور قوم في أمر قط إلا هدوا لأرشد أمورهم”، فتساءل عموري بعد ذلك؛ من هم أهل المشورة الذي يتشاور معهم رسول الله صل الله عليه وسلم أو وارثه أو الإمام بصفة عامة؟ فأشار إلى قول سفيان الثوري رحمه الذي يلخص الجواب عل هذا السؤال الذي يقول فيه “ليكن أهل مشورته هم أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله تعالى”.

وأشار إلى الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في تكرار ضمير “هم” في هذه الآية، حيث بحث فيها ووقف عليها كثيرا فيما كتب وبالخصوص عندما يتحدث عن موضوع الشورى، فذهب إلى أنها تشير إلى الجماعة التي تستحق المشاورة وهي التي وصفها الله تعالى بعشر خصال في سورة الشورى، وهي معالم سلوكية عقدية أخلاقية إذا ما اجتمعت في جماعة تكون مؤهلة للشورى.

وتساءل عن الحكمة من الأمر بالعفو في قوله تعالى فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر، وفي تأجيل المشاورة إسقاط لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا سقط حقه فهو دليل على رضاه عنهم، وإذا حصل رضاه على الصحابة فيكمل الأمر برضا الله تعالى عنهم ولا يكون هذا إلا إذا استغفر لهم عليه الصلاة والسلام، فتحصل الدرجتان العظيمتان رضا الله ورضى رسوله فيتزينوا بمرتبة فشاورهم في الامر ويستحقونها.

وفي قوله تعالى فإذا عزمت فتوكل على الله، أورد عموري تعريف سيدنا علي كرم الله وجهه في هذا المقام فقال: “العزم هو مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم”، فإذا حصل الأمر المنقح بعد المشور حصل التوكل، فلا يتم الاعتماد على المشورة بقدر الاعتماد على التوكل على الله وتوفيقه وإعانته والصواب الذي يلهمنا الله تعالى إياه.

وانتهى في قوله تعالى إن الله يحب المتوكلين إلى أن المتوكلين هم الراضون بقضاء الله تعالى، هم المستسلمون لحكمه تعالى، سواء وافق ذلك هوى أنفسهم أو خالفه، وقد مدح الله تعالى المتوكلين في أحاديث كثيرة.

وأورد حديثا لرسول الله صلى الله عليه يقول فيه: “يدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير حساب” قالوا منهم يا رسول الله؟ قال: “الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون”.

ثم وقف على كلام ابن عجيبة رحمه الله حول هذه الآيات فقال: “ما اتصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرحمة واللين والرفق؛ اتصفت به ورثته من العارفين والعلماء الراسخين، لتتهيأ لهم الدعوة على الله سبحانه وتعالى”.

وختم كلمته بكلام للإمام المجدد يقول فيها: “كلا والله ما أنزل الله تعال آيات الرأفة والرحمة واللين وما قبح لنا الفضاضة وغلظ القلب إلا لنتخلق بالجميل ونتحلى، ولنتطهر من القبيح ونتخلى، والأمر بذلك والترغيب فيه مؤكد في السنة المطهرة”.