مقدمة:

سال مداد كثير حول جدلية الأخلاق والسياسة من قبيل: هل العمل السياسي مهما كانت منطلقاته ومرجعياته ينبغي أن يكون متساوقا مع الأخلاق الإنسانية التي هي بمثابة التربة الطبيعية والخصبة لنمو هذا العمل 1وتحقيق أهدافه التي ينبغي أن تكون بالضرورة مثلى وشريفة؟ أم أن السياسة مثل السوس الذي يصيب الطعام والصوف 2 فيتلفهما وبالتالي فلا مكان للأخلاق في نطاق عملها؟

عادة ما تعرف السياسة بأنها قيام على الشيء بما يصلحه، وهي مشتقة من فعل “ساس” أي رأس وقاد، وجاء في الحديث: “كَانَت بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ” 3 أي يقودونهم ويتولون أمورهم. والأنبياء أكمل الناس خلقا، قال تعالى وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ 4، فمهمة الأنبياء إصلاح آخرة الناس بتربيتهم على الأخلاق التي يرضاها رب العزة، ليكونوا من المحسنين الفائزين في جنات الفردوس، ولن تصلح آخرة الناس إلا إن كانت أمور دنياهم بيد محسنين متقين، يُذهبون عن الناس منغصات الحياة التي تشغلهم عن عبادة الله عز وجل.

وحتى في الفكر السياسي نجد تلازم الأخلاق والسياسية عند عدد من الفلاسفة، فأفلاطون في جمهوريته المتخيلة يقصر منصب الحاكم للفيسلوف الذي يتميز بالنفس العاقلة الفاضلة، ويستبعد عنه ذوي النفوس الغضبية والشهوانية، كما رسم الفارابي للحاكم صورة أخلاقية حيث يشترط فيه أن يكون محبا للعلم والعلماء والضعفاء، باغضا للظلم والكذب والجور…

وبعد انقضاء زمن حكم النبي يلتف الناس تلقائيا حول أصحابه وحوارييه ويكون معيار التفضيل أيهم أقرب من النبي خلقا ومكانة، فعند وفاة النبي الحاكم الكامل أخلاقا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه الله عز وجل: وإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ 5، اجتمع الصاحبة لاختيار الحاكم الذي سيخلف النبي صلى الله عليه وسلم في سياسة الدين والدينا، وبينما الاقتراحات تتقاطع، جاء التذكير الحاسم من سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مُروا أبا بكر يؤمَّ الناس، فأيُّكم تَطيب نفسُه أنْ يتقدَّم أبا بكر! فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر، فالتفت إلى أبي بكر وقال: رضيَك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا، أنت أحبُّنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بسط عمرُ يدَ أبي بكر وقال: بايِعوه، فبايع جميع مَن حضر مِن المهاجرين والأنصار” 6.

كان الموقف الأخلاقي حاسما في الاختيار، وظلت القاعدة الأخلاقية ركيزة العمل السياسي حتى ظهرت قاعدة السيف المسلط على رقاب الأمة، فحكم أبطش الناس بالناس عوض أكملهم خلقا، فانفصلت السياسة عن الأخلاق منذ وقت مبكر في مؤسسة الحكم الإسلامي، وانشق العلماء ما بين موال للحكم الفاسد حفاظا على “بيضة الإسلام”، وقائم بالحق في وجه المستبد، ومفضل للمعارضة السلمية غير المباشرة ينافح عن دين الله من طرف خفي.

طالع أيضا  أرضية ندوة "سؤال الأخلاق في فكر الإمام ياسين وسيرته"

وازدادت غربة الأخلاق عن السياسة استفحالا بعد أن جلب الغرب الأوروبي بخيله وفكره ونمط حكمه على ديار المسلمين، بعد أن حسم معركته الداخلية بين الأخلاق والسياسة لصاح الأخيرة، منذ نهضته من قرون السبات، وكسره لقيود الكنسية الفاسدة المتحالفة مع الاستبداد، فأعلنها منذ مكيافيلي أن السياسة  مجال للمكر والخديعة والغش والغدر،  ولا مجال للحديث فيها عن الأخلاق ما دامت غاية السياسة تبرر وسيلتها.

فأضحى كرسي الحكم مكانا للثعالب بعد أن كان منبرا للأنبياء والأولياء والمحسنين، وأصبحت السياسة هي مجال الممكن فقط وليست مجالا للمأمول، وأضحى شرط عدم توظيف الأخلاق والدين شرطا حاسما ليلقب المرء بأنه سياسي.

فهل أصبح طلاق السياسة بالأخلاق حتمية تاريخية لا رجعة فيها؟ وهل من سبيل لعودة السياسة لحضن الأخلاق حتى يكون السياسي أنبل الناس وأكرمهم خلقا؟ وحتى تكون المعايير الأخلاقية هي الحاسمة في اختيار الحاكم؟

قدم الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تجديدا نظريا وتطبيقا عمليا فريدا في الفكر الإسلامي والإنساني المعاصر لقضية السياسة والأخلاق متجاوزا “الحتمية الكونية” لمفهوم الحداثة السياسية الغربية المطلقة للدين الهاجرة للأخلاق، يقول في هذا الصدد: ”لقد سلكت أوربا العجوز طريقا طويلا لتجاوز عصرها الوسيط وتمر إلى عهد الحداثة، لكن لا حق لها في أن تنكر علينا سلوك سبيل آخر” 7.

فكيف تحضر الأخلاق في الفكر والممارسة السياسيين للإمام ياسين رحمه الله؟

الإمام ياسين رجل مجدد في مناح متعددة، لا أقلها في الفكر السياسي الذي خاض غمار تقليب نظرياته وتفكيك بديهياته وتجاوز الكثير من مسلماته، متأملا مجتهدا ومصالحا بين العلم والوحي، انطلاقا من قراءة متأنية ودقيقة لا تنفك في مطالعتها الواعية للواقع السياسي عن مرتكزات الوحي المعرفية التي ظلت تحكم فكر الإمام خلال مسيرته الإبداعية 8.

وهكذا خلّص السياسة من الشوائب الميكيافلية وربطها بأخلاق الوحي والنبوة، فكرا وممارسة، وسنحاول استجلاء بعض مظاهر هذا التجديد من خلال مجموعة من الأخلاق السياسية للإمام.

1-   النصيحة السياسية

كانت النصيحة الصادقة منهج الأنبياء والعلماء والصالحين مع أممهم وحكامهم، فقد ورد في كتاب الله على لسان عدد من أنبياء الله عليهم السلام منها: ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين 9، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم 10، وغيرها كثير في قصص الأنبياء عليهم السلام.

وعن الصحابي الجليل أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة” قالوا: لمن يا رسول اللّه؟ قال: “للّه وكتابه ورسوله وأئمة المؤمنين وعامتهم، أو أئمة المسلمين وعامتهم” 11.

يقول الإمام رحمه الله موضحا سياق نصيحته الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” لملك المغرب الحسن الثاني سنة 1974: ”كان حزني على ما يعيثه المفسدون في الأرض من فساد، كان هذا شيئا يسكن كياني منذ سنوات، (…) لكن لما استنار قلبي -ولله الحمد، أذكر نعمة الله علي- صرت أشعر بقوة تزداد على مر الأيام بأن من واجبي أن أقول كلمة حق عند سلطان جائر. لا أقول إنني فكرت في هذا سنوات، لكن شهورا، فاستقر أمري على كتابة هذه الرسالة” 12.

طالع أيضا  الكمال الخلقي.. بلغازي تستشف قبسات من جواب الإمام عن سؤال الأخلاق (فيديو)

لم تكن إذن مزايدة سياسية ولا رغبة في التشهير السياسي، إنما كانت نصيحة حبلى بأخلاق ذاكر متبتل تدعو الملك، بأدب جم وبخطاب صادق (يا حبيبي يا حفيد رسول الله) إلى التوبة والرجوع إلى الإسلام وشريعته مقترحة نموذجاً تاريخياً فذّاً هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الذي أعز الله به الإسلام وأهله، وموضحة مجموع الخطوات العملية التي يتعين على الحاكم أن يبرهن بها لله تعالى ولشعبه على صدق الذمة والقول.

كما خاطب الإمام  في نفس الرسالة العلماء بنفس التقدير ونفس الأدب مذكرا إياهم بمكانتهم في الإسلام وخطورة موقفهم وخاطبهم بأدب جمٍّ في عبارات مثل: ”معشر علمائنا الأمجاد” و”علماؤنا الأجلاء” و”سادتي العلماء، إنكم والله أحبّ الناس إليّ، وأعظمهم في عيني” و”إنكم لمظنة الخير” ، “مِلح هذه الأمة وذُخرها” و”الحلقة الضرورية في غد الإسلام الزاهر”… 13

2-   الحوار والتوافق السياسي

عني القرآن الكريم عناية بالغة بالحوار، وذلك أمر لا غرابة فيه أبداً، فالحوار هو الطريق الأمثل للإقناع، الذي ينبع من أعماق صاحبه، والاقتناع هو أساس الإيمان الذي لا يمكن أن يفرض وإنما ينبع من داخل الإنسان، وقدم لنا القرآن الكريم نماذج كثيرة من الحوار، منها ما دار بين الله عز وجل وأنبيائه، أو ما بين الأنبياء وأقوامه وغيرها. وقد دعا الله عز وجل حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى نهج فضيلة الحوار مع أهل الكتاب للوصول إلى توافق معهم في قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ 14، وفي قوله تعالى: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 15.

وقد تمثل الإمام ياسين رحمه الله أخلاق الحوار بأن جعلها ديدنه في مخاطبة المخالف والقريب والبعيد، حيث ناد به في كل ما كتب مع كل الفاعلين والمنصتين لنبض الشعب المقهور، بدءا بـ “الإسلام أو الطوفان” في أواسط السبعينيات، مرورا بحوار إسلامي مع النخب المغربة بالفرنسية (Pour un dialogue avec l’élite occidentalisée) في بداية الثمانينيات، وكذا الحوار مع ممثلي الحركة الإسلامية لتوحيد الصف الاسلامي، وانتهاء بسلسلة الكتب الحوارية خلال التسعينيات سنوات الحصار  (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، حوار الماضي والمستقبل، حوار مع صديق أمازيغي،…).

يقول الإمام ياسين رحمه الله: “لا يفيد أن نرفض الحوار مع من يطلب الحوار، ولا أن نستعلي بالإيمان على الجلوس إلى مناقشة، ولا أن نغتر بالحق الذي ندعو إليه إن عجزنا عن تبليغ كلمة الحق والبرهنة عليها، ومصابرة المجادل، ومطاولته، ومجاولته” 16.

طالع أيضا  سَبْعٌ مَضَتْ

هو إذن خلق صادق وليس مجرد تكتيكي سياسي، لأنه في نظر الإمام “لابد أن يتكلم الفضلاء الديمقراطيين مع الإسلاميين إن لم يكن بدافع حب الحقيقة والانصياع للكلمة السواء، فلا أقل من مد جسور التواصل والتفاهم لإحباط سياسة (فرق تسد) التي تحيد قوة سياسية بقوة لتبقى الأمة الإسلامية ممزقة الجهود حائرة متفرجة على ما يتجاذب ويتقارب وما يتباعد، ويتجاوب من اصطراع فرقي غامض” 17.

ويهدف هذا الحوار إلى مرامي نبيلة وغايات سامقة وليس مجرد أهداف سياسية ومكاسب جزئية بل من أجل  “صياغة ميثاق ومناقشة ميثاق وإشراك الشعب لتستنير الطريق وينكشف ويعرف الحق وتختار الأمة، وينفضح الدخيل، ويخزى المنافق” 18.

3-   غيض من فيض

إن توقف هذا المقال المتعجل عند هذه الأخلاق السياسية للإمام رحمه الله، فإنما للضرورة المنهجية، مخافة أن يخل الطول بالمضمون، وإلا فتحضرنا جملة من الأخلاق السياسية الأخرى من قبيل الوضوح في الخطاب والعمل، المقاومة العلنية عوض المساومة السرية، الرحمة بالمخالف، نبذ العنف والاستقواء بالخارج وغيرها سنحاول الرجوع لها في مقالات مقبلة بإذن الله.


[1] موفق نبيل: مكانة القيم الأخلاقية في ترشيد العمل السياسي، مجلة الفكر، العدد الثاني عشر، ص 2.
[2] كريمة حسان: الوجيز في علم السياسية، الطبعة الأولى، 2015، ص10.
[3] متفق عليه، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] سورة ص، الآية 47.
[5] سورة القلم الآية 4.
[6] رواه الحاكم (3/70)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في (موافقة الخبر الخبر) (1/151).
[7] عبد السلام ياسين: الإسلام والحداثة، دار الأفق، الطبعة الأولى، 1998، ص 63.
[8] إدريس مقبول: ما وراء السياسة، الموقف الأخلاقي في فكر الإمام عبد السلام ياسين، إفريقيا الشرق، المغرب، الطبعة الأولى، 2016، ص 20.
[9] سورة الأعراف، الآية 79.
[10] سورة الأعراف، الآية 62.
[11] أخرجه الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، والإمام النسائي في كتاب البيعة النصيحة، والإمام أبو داود في كتاب الأدب باب في النصيحة واللفظ له، ح 4944 وغيرهم.
[12] عبد الكريم العلمي ومنير الركراكي: حوار شامل مع الأستاذ المرشد، JSPublishing – New Britain, PA, USA، الطبعة الأولى 2014، ص23.
[13] أحمد الفراك: رسالة العلماء إلى الحكام من خلال كتاب “الإسلام أو الطوفان”، موقع الإمام ياسين: www.yassine.net/ar/2016/04/رسالة-العلماء-إلى-الحكام-من-خلال-كتاب-ا/.
[14] سورة آال عمران، الآية 64.
[15] سورة النحل، الآية 125.
[16] الإسلام والقومية العلمانية، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2007، ص 130.
[17] الشورى والديمقراطية، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1996، ص 339.
[18] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1994، ص 6.