في هذا الحوار..

سفر ماتع مُشوّق، ينتقل بنا، زمانا ومكانا، لنتعرف على أخلاق الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله؛ في أوضاعه المختلفة ومراحل من عمره متنوعة.

نراه كيف يتصرف باعتباره ابنا وزوجا وأبا وجدّا، ونُطل عليه ما يفعل اتجاه المواقف المختلفة وهو قائد جماعة ورئيس تحرير وضيف على جريدة فرنسية ومحاور من قبل صحفي من طينة فرونسوا بورغا، ونعيد التعرف عليه وهو يتصرف التصرفات اليومية من معاملات مع الجيران والأصدقاء ورفقاء العمل والأهل والأقارب…

في هذا الحوار..

الذي أجراه موقع الجماعة نت مع أحد رجال الأسرة الصديقية الغمارية أبو بكر بن الصديق، الذي التحق بالإمام عبد السلام ياسين وصحبه ردحا طويلا من الزمن وعايشه عن قرب وعاين محطات متعددة من حياته وجهاده، نعيد التعرف على الإمام ياسين ونقف عند أخلاقه العَليّة وسيرته السَنِيّة.

فإلى نص الحوار:

 

من الله عليكم بصحبة الإمام عبد السلام رحمه الله وكان شديد الحرص على اتباع سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. فكيف وجدتم تأسيه في أخلاقه؟

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على النبي المصطفى الكريم وآله وصحبه.

قبل أن أجيبكم عن سؤالكم أرى من المفيد أن أشير إلى أمر قد يفيد القارئ في تقييم ما سيقرأ في هذا الاستجواب. وهو أن كثيرا بل أغلب من صحب الإمام رحمه الله سبق إلى علمهم، قبل لقائه والاجتماع به، الحديث عن مزاياه أو اطلعوا على غزارة علمه ورجاحة أفكاره وسيولة قلمه ونصاعة رؤيته، أما العبد المذنب محاوركم، فسبقت إليه المنة التي ذكرتها في سؤالك ليجتمع بالأستاذ ياسين وكل درايته به أنه كاتب مخلص، صوفي المشرب شجاع الموقف. وكان قرأ له صفحات معدودة من كتابه “الإسلام بين الدعوة والدولة”، وذلك قبل مقابلته ومجالسته الأولى بسبع سنوات ولم يعد إليها بعد قراءتها ألبتة. وبعد الجلسة الأولى حملته العناية الربانية من غير حول منه ولا قوة ليساق إلى زيارة الإمام ومجالسته يوميا مدة شهر بل أكثر، قضاه في ضيافة أحد مؤسسي هذه الجماعة، وهو رجل أعمال سخره الله خادما للجماعة وساهرا على طباعة ونشر لسانها، مجلة الجماعة، وأعني به الحاج إبراهيم الشرقاوي. فكان له رحمه الله موعدٌ ظهر كل يوم لزيارة الإمام وتسليمه رسائل الجماعة التي تصل صندوق بريدها وتسلم المقالات التي يكتبها الإمام أو التي يوافق على نشرها ليدفعها للمطبعة. ولهذا فإن تحدث عن الرجل ومناقبه وسيرته فحديث من اكتشف بنفسه هذه المزايا وهذه المواصفات، دون أن تؤثر على شهادته أخبار سبقت أو حكايات رويت.

تسألني أيها اللبيب الحبيب عن حرص الإمام رحمه الله على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.

إي والله! وأنا من نشأ بين أحضان علماء الأسرة الصديقية الغمارية المعروفة عالميا بخدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفاع عن سنته، شد انتباهي ولفت نظري الحرص “العبدلي العمري” للإمام على الاتباع الدقيق لسنة المصطفى عليه السلام -في كبير أمرها وصغيره، ليس في الأفعال فحسب، بل وكذلك في التطبع وميولات النفس واختياراتها- وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “لا يومن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به”، كما روى ذلك عبد اللَّه بن عَمْرِو بن الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو حَدِيث حَسَن صَحِيحٌ. رأيته يحب الألوان التي يحبها المصطفى صلى الله عليه وسلم ويكره تلك التي يكرهها، يحب ما بلغ إلى سمعه محبة النبي له من الأطعمة والأشربة والألبسة، وما إلى ذلك من الأعمال اليسيرة الميسرة، كحبه رحمه الله، وبنفس الدرجة، لما كان يفعله النبي ويأمر به من الأعمال الشاقة على النفوس الكريهة لديها. ومما أذكره في هذا الصدد وهو ليس خاف على أحد، استماتته في الجهاد في سبيل الله والمستضعفين، وإن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر(سنن الترمذي)، وسيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله (كما روى ذلك الحاكم وصححه)، فهي إذن رتبة علية في طلب الشهادة بل والسيادة على الشهداء، أنه مقام سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكيّه، والذي قال عنه ابن مسعود رضي الله عنه: “ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب”.

وأذكر هنا حادثتين غاية في البساطة لكنهما كافيتان للتدليل على ما أقول:

الأولى: يحكي عنه أهل بيته أنه يوم وقف على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي عن المستورد بن شداد: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ دلك أصابع رجله بخنصره” فرح فرحا ظهر جليا على محياه، فلما سألوه عن مدعى فرحه الظاهر وسروره، أجاب اليوم عندي عيد، فقد طبقت سنة اطلعت اليوم عليها لم أكن أعرفها، كنت أخلل أصابع رجلي بأي أصبع اتفق، حتى وقفت اليوم على حديث ابن شداد المذكور يخبر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل في ذلك خنصره الشريف. وما رؤي رحمه الله بعد ذلك يخلل أصابعه بغيره.

الثانية: من المعلوم عند الإخوة بالجماعة بله جميع فراد أسرته الصغيرة، أن الإمام رحمه الله لم يكن يشرب الشاي ولا القهوة. وبمناسبة عيد الأضحى وفي ثاني أيام التشريق زاره ثلة من الإخوة. وأثناء توزيع الشاي على الضيوف، تخطاه الأخ الموزع وناول كأس الشاي لمن على يمينه وفعل نفس الشيء لمن على يساره دون أن يناوله هو، فسأله: وأنا لم تخطيتني؟ فأجاب الأخ وقد أحس بالخجل: لكنك سيدي لا تشرب الشاي. فأجابه: صدقت، لكن ذلك في الأيام العادية، أما في أيام التشريق فقد أخبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى، فأنا لذلك أخصها بشرب ما لا أشربه في سواها (يشربه لا اشتهاء ولا رغبة فيه، وانما ليوافق قول النبي صلى الله عليه بتخصيص أيام التشريق بمزيد أكل وشرب وذكر لله تعالى).

هذان مثالان طفيفان، وإلا ففي أمره كله، ما كان ليترك سنة وصلته، بل ولما سئل عن كونه كان عاما يصوم شعبان كله وعاما لا يصوم إلا نصفه، أخبر بأن الأحاديث رويت بالأمرين معا، فهو يزاوج بينهما لعله يصادف الفعل النبوي فيتبعه ويقتدي به. وباختصار، ٌفإني أجيب -كلما سئلت عن هذا الأمر- انطلاقا مما عشته ورأيته في صحبتي له رحمه الله، أقول سئلت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: “إِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ القُرآنَ”. وأنا أقول عن الإمام رحمه الله وأشهد الله أني لا أقول هذا مبالغة ولا تزكية ولكنه الحقية التي رأتها عيناي، لقد كان رحمه الله شديد الاتباع لرسول الله، حتى إنه ليمكن القول “لقد كان خلق الإمام عبد السلام ياسين السنة” كان رحمه الله يفرح ويسعد ويبتهج باتباع رسول الله صلى الله عليه. ولقد عاينت وعايشت من الأمثلة ما لا يتسع المقام لذكره.

طالع أيضا  مقبول يقارب سؤال الأخلاق في معاملة الآخر عند الإمام ياسين

 

كان البعد الأخلاقي حاضرا بقوة في فكر الإمام ودعوته سواء ما سطره في كتبه أو ما كان يوصي به في مجالسه. هل كانت ممارسته صورة لدعوته؟

يقول المحققون من العلماء: العالم قدوة في قوله لا في فعله. ولذلك فالسادة العلماء، وبخلاف المصطفى صلى الله عليه وسلم والذي قوله وفعله وتقريراته كلها سنة يجب العمل بها، لا يحتج إلا بقولهم، أما أفعالهم وتقريراتهم فليست بحجة ولا يقتدى بها في غياب أدلة تسندها، وقد تكون لهم أعذار تخصهم جعلتهم يخالفون الأصوب والأفضل، فلا يقتدى بمن منعه مانع من خوف أو ضعف جسدي أو نفسي أو نسيان أو عجز بدني من القيام بهدي نبوي من أمر أو نهي نبويين. هذا في حق العلماء.

لكني أكاد أجزم جزما قاطعا، أن الإمام وفقه الله فغلبه على كل الأعذار الحائلة بينه وبين الائتساء الكامل برسول الله صلى الله عليه وسلم.

أذكر على سبيل المثال أني زرته وهو في عز مرضه مع أخ صالح من إحدى الدول المغاربية، وهو أستاذ مبرز في الطب وذو كفاءة مشهود له بها. وقبل الزيارة مكنته من الملف الطبي للإمام، درسه قبل الزيارة.

سأله الإمام عن تقييمه لحالته المرضية. فأجابه: إن أخشى ما يُخْشَى منه لمن هو في مثل وضعيته الصحية، هو الانفعال الشديد سواء حدث هذا الانفعال جراء غضب أو فرح. ذلك -إن وقع- قد تكون نتائجه جد وخيمة (كناية عن الموت). فأجابه الإمام بكامل الاطمئنان: “أما من هذه الناحية فاطمئن، نحن مُسَلِّمون كل التسليم أمرنا لله، إن فرحنا فلله، وإن غضبنا فله. ولا تنفعل نفوسنا بذلك”.

قوة الإمام رحمه الله، والتي لم أرها في غيره إطلاقا، هي أنه يعيش كل أوقاته وفي كل أحواله لله ومع الله. يراعيه ويستحضر ذكره في كل فعل أو قول في الشدة والرخاء في الأمن وفي الخوف، عند حمده ومدحه وعند سبه وانتقاده. وإني لأردد وأقول في مجامع الإخوان “طوبى لمن مدحه الإمام رحمه الله، فهو لا يعرف المجاملة إطلاقا، فلو لم يكن أهلا للمدح لم يمدحه.  وطوبى لمن نصحه الإمام فانتصح له فنصحه خالص مطهر من هواجس النفوس، إنه البلسم الشافي والدواء المعافي” ودائما أذكر في المجالس التي تجمعني بهم، إن أحلى الأوقات على الإطلاق التي عشتها مع الإمام، ليست تلك التي امتدحني فيها على كثرتها -ولله الحمد وأما بنعمة ربك فحدث- ولكن تلك التي كان يزجرني فيها ويؤدبني تأديبا. فوالله إن لنصحه وتأديبه لحلاوة ورقة تلذ بها النفس ويطيب الخاطر.

 

تحتاج القيادة إلى صرامة، فكيف كان تعامل المرشد مع قيادات وأعضاء جماعته؟

لأجيبك عن السؤال، أسرد واقعة تغني عن تسويد الصفحات في مناقب الإمام التدبيرية.

تعلمون ويعلم القراء أن الإمام رحمه الله أصدر صحيفتين سنة 1983 -إن لم تخني الذاكرة- الصبح والتي وئدت في عددها الأول والخطاب، وقد لاقت نفس المصير. وقد أدى ثمن إصدارهما سنتين سجنا نافذتين قضاهما في سجن العلو سيئ السمعة بقذارته ورطوبته وازدحامه بالنزلاء. وكنت ضمن ثلة من الإخوة آنذاك نشكل هيئة تحرير الصحيفتين، وكان اجتماعنا أسبوعيا عشية الثلاثاء ببيته العامر رحمه الله. وقد هيَّأْنا ستة أعداد من صحيفة الصبح قبل إصدار العدد الأول.

وكان مجلسه يغلب عليه التحاب والتياسر. يقترح علينا هو أو أحد الأعضاء موضوعا ويسألنا من يكتب فيه يترك لنا الاختيار، ونادرا ما كان يعين. ثم نأتي في القابل بالموضوعات محررة مكتوبة.

ومرة حضرنا للموعد، وكالمعتاد شرع يسأل الإخوة المتحلقين حوله واحدا واحدا عما أنجزه مما التزم به. وعلى غير المعتاد لم ينجز منا إلا واحد، وكل قدم عذره.

فما كان من الإمام -ولم نره في هذا الموقف قط- إلا أنه انبرى واقفا وخاطبنا بلسان عربي فصيح: “أيها الإخوة ألا فاعلموا أننا في هذه الجماعة لا نلعب. والسلام عليكم ورحمة الله”. وغادرنا وانصرف وتركنا في خجل كنا نتمنى أن لو ابتلعتنا الأرض وحالت دون وقوعنا فيه.

 

وماذا وقع بعد ذلك؟

في الأسبوع القابل حضرنا وكل قد أنجز مقاله. لقد كان درسا لا ينسى. عشر كلمات لا أكثر، ليس فيها تقريع ولا شتم ولا نهر. جعلت منا منفذين مثاليين.

يرحمه الله من مرب منعدم النظير، أو وحتى لا أحجر فضل الله، قليل النظير. والله أعلم.

 

عندما كنتم تختلفون معه في الرأي كيف كان يعاملكم؟

سيدي الكريم. الإمام رحمه الله، يتسنى لكل من اتبع سيرته واستقصى أخباره، حتى قبل يقظته الروحية واجتماعه وصحبته للشيخ سيدي الحاج العباس القادري بودشيش رحمه الله وأعلى مقامه، يتسنى له ملاحظة صدقه التام والذي يعبر عنه الناس اليوم بالجدية والمعقول. وأسرد لك، قبل أن أجيبك على سؤالك، مثالا على ذلك. لما حوصر الإمام، واعتقل مئات من الإخوة وحوكم العشرات منهم في دجنبر 1989 ويناير 1990، تم اعتقالي بدوري، أمام بيت الأستاذ فتح الله أرسلان، وقد كنت ذهبت إليه صحبة زوجتي وابنيّ لإخبار زوجته -وهي أخت زوجتي- بنبأ اعتقاله مع الإخوة الآخرين من مجلس الإرشاد. وبعد استنطاقي وأنا موقوف أنتظر دوري محاطا بضابطي شرطة، تكلم أحدهما فقال: أنا أعرف السي ياسين منذ مدة، وذلك أني كنت قبل التحاقي بالأمن الوطني معلما، وكان هو مفتشي. وشهادة حق أنه كان “دوغري” (جدي) وكان “معقول” (مستقيما) وأشار بيده -على عادة المغاربة- للإيماء إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه”.

ومن شأن من كان مستقيما صادقا في تعامله مع الخلق أن يكون كذلك وأكثر في التعامل مع الخالق، بل العكس هو الأصح، إذ الاستقامة مع الله تفضي إلى الاستقامة مع خلق الله.

وبهذا لما يطرح الإمام رحمه الله أمرا للتشاور فبكل صدق، يطرحه طلبا لرأيهم وابتغاء تنويرهم، لكونه يوقن بأهمية الشورى في تجلية غوامض الأمور وتبيان التفاضل بين مختلف الخيارات. ثم هي وحي من الوحي أنزلها الله في كتابه وبين رسوله صلى الله عليه وسلم فضلها حين أخبر “ولا ندم من استشار”.

طالع أيضا  المنهاج النبوي وبعض قضايا الساعة

لذلك نراه لما يطرح الأمر يصغي بإمعان للمتكلم ويتلمس مواطن الصواب ويذكُرُها بعد انتهائه من كلامه، ويُثني عليه ويسأل الله أن يجزيه خيراً، فتراه يعلق:” هذا مهم، أو هذا لم أنتبه إليه..” ثم عندما يدلي كل برأيه، يقدم خلاصات التشاور. وإذا لم يلمس إجماعا على الأمر المطروح، فإنه يقول: “نؤجل البت إلى لقاء قابل عسى الله أن يشرح صدور الجميع، ويجمعها على أمر جامع”.

ومع أن المنهاج النبوي -وهو دستور عملنا الداخلي- ينص أن للمرشد العام أن يعزم بعد التشاور في كبريات الأمور، عزمة تكون ملزمة للجميع، عملا بقوله تعالى: “وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله”، لم نره يفعل ذلك إلا بعد حصول توافق الجميع وارتياحهم للقرار المعزم تنفيذه. وملاحظة أخيرة هي أن علاقتنا في الجماعة بالإمام، سواء في القيادة أو في الصف، كانت علاقة يغلب عليها المحبة والتقدير/ مما لا يبقي لوساوس النفس ولا لإيحاءات إبليس ثغرة ينفذان منها. فلا غرو إذن ولا عجب، أن تكون مشاوراتنا مشاورة الصفاء والمودة ونكران الذات وابتغاء المصلحة دون حظوظ النفس بل ودون حضور النفس أصلا.

مجلس الإمام رحمه الله مجلس قلوب ذاكرة لله، وإن لله رجالا إذا رؤوا ذكر الله، وإذا ذكر الله هرب الشيطان وخسئ، وتزكت النفوس وأفلحت. رحم الله الإمام وأعلى مقامه.

 

لا شك أنكم عاينتم جزءا من حياته مع عائلته: أما وزوجا وأبناء أو حفدة أو أصهارا. كيف كان يعاملهم؟

في الحقيقة لا يمكنني الادعاء بأني أتيح لي العيش في بيت الإمام رحمه الله، كما أتيح لعديد من إخوتنا الذين مكنتهم مصاهرتهم للعائلة من هذا الأمر. فربما عندهم تجد فيما يتعلق بموضوع سؤالك ما يشفي الغليل ويبرئ العليل. لكن مع ذلك فقد تسنى لي معاينة العديد من المشاهد التي لها علاقة بالموضوع.

فهل أحدثك عن علاقة الإمام بالسيدة الفاضلة للا رقية والدته، وقد صليت مرة معه صلاة المغرب وصلت معنا، ثم بعد الانتهاء من الصلاة ودعني قائلا: “هذا وقت مجالستي الوالدة”. وطفق -وأنا ألبس حذائي للانصراف- يحدثها بالأمازيغية. لم أفهم ما كان موضوع حديثهما لكن لم يفتني أن ألمس فيه رقة النبرة ولطف برور الابن يقابله حنان الأم وعطفها ومحبتها.

أو هل أحدثك عن عبارات الإكبار والاحترام التي يستعملها للكلام عن زوجه للا خديجة. وكيف كان يوقع الشيك ويسلمه لمن يسحب له قيمته من المصرف، فإذا جاءه بالمبلغ في غلاف مقفول يسلم الغلاف فوراً دون فتحه “لمولاة الدار” كما نقول بالدارجة، تتصرف فيه في تدبير أمور البيت والمعاش وفق تقديرها واجتهادها لا يتدخل البتة في هذا الجانب.

وحُدِّثْتُ أنه كثيرا ما كان يقف بالباب لاستقبالها عند رجوعها من السفر ووجهه متهلل فرحا بقدومها.

أم أحدثك عندما كنت آتيه بغرفة مكتبه وأجده محاطاً بصغيرتيه والحفيدات، وهو في منتهى السرور، يوزع عليهن الفواكه الجافة أو قطع الشكلاتة ويقول لي في الفواكه الجافة عوض عن الحلوى وما تحويه من السكر، ويعرض عليهن على شاشة حاسوبه ما أعد لهن من المشاهد والطرائف من غرائب خلق الله في كونه، أو يسألهن عن صلاتهن ما فعلن فيها، أو يراجع معهن معلومات أفادهن بها في جلسة سابقة. فإذا استويت ومرافقِيّ جالسين، قال لهن، عندي ميعاد مع هؤلاء الإخوان، وأراكن غداً إن شاء الله، ويذكرهن في كلمات معدودة بما أفدن منه في جلستهن معه.

ولقد زرته مرة من غير موعد، استأذنت فأُذِنَ لي بالصعود لغرفة مكتبه، فإذا بي أسمع حفيداته الصغيرات يرفعن أصواتهن الرخيمة بالإنشاد، وطرقت عليه الباب وجلست معه، تصلني أصواتهم الشجية، دون أن يأمر -كعادة أحدنا إن استقبل ضيفا- بإسكاتهن بل تركهن على ما كن عليه من إنشاد ولعب واسترواح.

وصحبت يوما معي أبنائي لنبارك له العيد، فبدأ صغيرهم يشاغب قليلا فزجرته، فقال لي “خليه على خاطره”. اتركه وما يطيب به خاطره.

وما هذا، وكما ذكرت لك إلا غيض من فيض، وعند الأصهار كما أسلفت تجد ما يشفى الغليل.

 

وكيف كانت معاملته لكل من يخالطه في حياته العامة، مع الأصدقاء، أو في المعاملات التجارية مثلا وغيرها؟

أما معاملته مع الأصدقاء والزوار، فأحيلك على الكم الهائل من الشهادات المسجلة في موقع الإمام عبد السلام ياسين على شبكة الإنترنيت. فهناك إجماع كل من أدلى بشهادته في حق الإمام رحمه الله بكونه كان بساما لا تغيب ابتسامته عن محياه، لطيفا ظريفا محبوبا لين الجانب طيب المحادثة، من هذا الطيب أن يذكر الزائر بآخر زيارته وحديثه فيها كأن يقول له، زرتني صحبة فلان ويسأل عن أحواله وأفدتني جزاك الله خيراً معلومة لم أكن أعرفها وكنت ذكرتني بكذا وكذا وأخبرتني باشتكاء ولدك، فهل خف حاله؟ وكثيرا ما ترى علامات الإعجاب ليس فقط بقوة الذاكرة ولكن كذلك بجميل العناية بالزائر وإعطائه مكانة اعتبارية عنده، حيث استمع له بإمعان وأعطى لحديثه من الأهمية ما جعله يرسخ في ذهنه ولا ينساه. هذا في معاملته الضيوف والزوار.

أما جانب تعامله المادي، فلم أر أزهد منه في الدنيا وما ارتبط بها.

 

هل تحضرك أمثلة من ذلك؟

نعم سيدي، فمثلا مرة، كلف أحد أصهاره بأن يحضر له أوراق الملكية الأصلية لدارة كانت له بالبيضاء كان يهم ببيعها، وكنت جالسا معه عندما دخل الصهر الكريم فسأله: عن أوراق الملكية هل أحضرها؟ فقال له: ضاعت مني ولا أدري أين تركتها. فما زاد على قوله حسبنا الله ونعم الوكيل إنها الأوراق الأصلية يا سيد فلان (ذكر صهره). ثم عاد إلى حديثه معنا، وكأن شيئا لم يحدث.

وشاء الله أن عثر الصهر على أوراق الملكية، وكتب الإمام توكيلا للبيع لأحد الأشخاص، فباع الدارة واستلم ثمنها، قبل دخول الإمام السجن سنة 1984. وبعد قضائه عامين به خرج من السجن، وسأل الشخص عن ثمن بيع الدارة، فأجاب بأنه في ضائقة مالية. وما أظن أنه دفع له منه شيئا، لأنه غفر الله له مات غارقا في ديونه -كما يقال- ولم يتسن له الخروج من ضائقته.

ومع ذلك فلم أسمع أن الإمام رحمه الله ومنذ خروجه من السجن في بداية يناير 1986 إلى أن وافته المنية في دجنبر 2012، ذكر ولو مرة واحدة هذا الشخص بسوء أو ذكر حكايته في بيع داره بالبيضاء، بل على العكس كان يثني عليه ويذكر بأياديه البيضاء ويأمر بتفقده ومساعدته في ضائقته المالية.

طالع أيضا  لماذا موضوع الأخلاق في فكر الإمام.. حجوجي يجيب (فيديو)

هذا جانب معاملته في بيع الفيلا التي كان يملكها. فما بالك في المعاملات الصغيرة.

 

هل سبق أن أطلعكم أحد أصدقائه في المهنة عن أخلاقه ومعاملاته المهنية رحمه الله تعالى؟

الكلام عن أخلاق الرجل رحمه الله في ممارسته المهنية، يجده القارئ مستوفى في ترجمته المطبوعة. فلقد تتبع جامعها الأستاذ محمد العربي أبو حزم جزاه الله خيرا أخبارها عند زملاء الإمام وطلبته وضمنها كتابه القيم بجزئيه.

وأكتفي هنا بسرد بعض ما حكاه لي تلميذه وزميله بعد ذلك، رفيق دربه إلى أن فارق الحياة راضيا مرضيا، الأستاذ سيدي أحمد الملاخ رحمه الله، بعد أن طرحت عليه سؤالا قريبا من سؤالك: “حدثني عن سيدي عبد السلام مديراً لمعهد تكوين المعلمين الذي تخرجت منه؟”. فقال رحمه الله: كان الإمام مربيا قبل أن يكون أستاذاً أو مديراً إدارياً. لقد كان يفسح للمتدربين بالمعهد المجال ليستأنسوا بإدارة الأعمال، يدخلنا مكتبه ويقاسمنا مهامه المختلفة. ولاقتناعه رحمه الله آنذاك بأن للموسيقى الراقية دورا في تهذيب النفوس وإكسابها الذوق الرفيع، فقد اقتنى آلات وترية، وطفق يعلم الطلبة المتدربين الأحرف الموسيقية (الصلفيج) ومبادئ العزف كما كان يسمعهم سمفونيات بيتهوفن وباخ وموزارت ومن هم على شاكلتهم.

ومرة وأنا معه نرتب أوراق تعيين الفوج الذي سبقنا في الالتحاق بالمعهد، نرتب الخريجين حسب النتائج التي حصلوا عليها وبعد ذلك ننظر حسب استحقاقهم في رغباتهم في التعيين بالمدن التي طُلِبَ إلى كل منهم ذكر ثلاثة منها مرتبة حسب رغبته.

وربحا للوقت، كلما أنجزنا مجموعة من التعيينات سارعنا بإرسالها لتمكين المعنيين من القيام بالترتيبات الضرورية من إيجاد السكن وتجهيزه، استعدادا للدخول المدرسي.

وبينما نحن منشغلون في هذه المهمة رن جرس الهاتف بالمكتب، وكان المتصل أحد كبار مسؤولي الوزارة يسأل عن تعيين أحد المحظوظين لديه. فلما أخبره بمكان التعيين، رد عليه المتصل محتجا: “لكنكم لم تراعوا اختياره، فقد طلب التعيين بمدينة مراكش لا خارجها، كيف وهو أحد أبناء وجهائها. فما كان من الإمام رحمه الله إلا أن أجابه بكل قوة وحزم: “اسمع: “إن المعني عُيِّنَ حسب استحقاقه والرتبة التي حصل عليها، وكنت أنزهك عن مثل هذا التصرف الأرعن، أما وقد رضيته لنفسك، فاقصد غيري أما معي فايأس. وقطع المكالمة””.

هذا خلق الإنصاف وهذ نموذج من الاستقامة والتي يقول عنها أهل الله: “الاستقامة أعظم كرامة”.

 

منذ بدء دعوة الإمام رحمه الله كان هناك من يعاديه ويصفه بأوصاف قدحية قبيحة، ما كان رد فعله اتجاههم؟

ج: سبحان الله الذي مكن آحادا من عباده من تزكية نفوسهم وأقدرهم على التحكم فيها والتحرر من ربقتها، فانصاعت لهم يقودونها إلى ما يرضي الله ورسوله. ولقد شاهدت في موضوع سؤالك عند الإمام ما لم أجده عند غيره، سواء في مكتوباته أو تصريحاته -والمسجل منها بفضل الله كثير غزير- أو في تعامله المباشر مع من ذكرتهم في سؤالك من خصومه وأعدائه. وأقتصر في جوابي على بعض ما حضرني اللحظة:

1- كم مرة سمعته يعلق على من يخبره بوقوع الآخرين فيه وفي الجماعة: “إخواننا أخطأوا في حقنا سامحهم الله”؛

2- موقفه من المتشددين المتأثرين بالفقه الوهابي التبديعي، يقول في حقهم: “هؤلاء الشباب، ورغم مواقفهم غير السليمة وغير الحكيمة، إن كانوا صادقين في زعمهم الدفاعَ عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فسينفعهم عند الله غيرتُهم عليها، رغم خطئهم ومجانبتهم الصواب في أفعالهم وأقوالهم، ما لم يسفكوا دما ولم يقترفوا جرما”؛

3- حكى لي من هو مصدق عندي أن شابا في العشرين من عمرهما، جاء الإمام رحمه الله زائرا وقال له: إنك كافر ومشرك ومبتدع ومخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وجئت أدعوك للتوبة والدخول في الإسلام. فحاوره فلم يزده حواره إلا عناداً وإصراراً على تكفيره. فسأله: “كيف يفعل الكافر ليدخل في الإسلام؟ فأجابا يجب أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقال له: “أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فاشهد لي بها يوم القيامة”. وقبل توديعه بكامل اللطف، ذهب بنفسه وأحضر له نعليه.

 

أكيد أنه تعامل مع غير المسلمين، فكيف كانت أخلاقه معهم؟

تسنى لي ثلاث مرات أن أستقبل مع الإمام رحمه الله زائرين من غير المسلمين. أول مرة كانت في الثمانينيات بعد خروجه من السجن، وكنت زرته آنذاك صحبة مجموعة من الإخوة، فأخبرنا أن له موعدا مع صحفية فرنسية من مجلة Le point، وأن بإمكاننا أن نحضر المقابلة التي ستجريها معه، فمكثنا عنده إلى غاية مجيئها، وكانت امرأة في غاية العجرفة وغياب اللباقة، من ذلك أنها سألته سؤالا عن أتباعه في الجماعة فأحالها علينا، وقال هذه ثلة منهم أمامك، اسأليهم يخبرونك. فأجابت هؤلاء أتباع خانعون لإرادتك 1. فلم ينفعل الإمام رحمه الله واحتفظ بهدوئه وأجابها جوابا مقنعا.

ولما انتهى من كلامه، أجبتها بانفعال، فقلت لها: “ألهذا الحد تغيب عندك اللباقة فتشتميننا في حضورنا؟ !!. اسمعي أيتها “المدام” لو كنا نقبل بالخضوع والخنوع لكنا خداما للحكام مذعنين لإرادتهم ولما كنا انتصبنا لمعارضتهم مع ما يلحقنا منهم من المنع والأذى والمتابعة والسجون”.

ثاني مرة: استقبل صحفية شابة من الدول الإسكندنافية (نرويجية أو سويدية، لم أعد أذكر) وكانت معلوماتها عن الإسلام والجماعة والوضع العام بالمغرب ضئيلة ومعظمها مجانب للصواب. ومع ذلك كلمها بلطف وعرفها بمشروعنا الدعوي وأوضح لها موقفنا السياسي.

وثالث هذه الزيارات، وهي أهمها وأطولها وأعمقها، كانت مع المستشرق الباحث آنذاك في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا، الكاتب فرانسوا بوركا (François Burgat).

وقد دامت لقاءاته مع الإمام رحمه الله، ساعات طوالا، في يومين أو ثلاثة، ولم أحضر إلا الجلسة الأخيرة منها.

ولقد تسنى لي خلالها ملاحظة أن الزائر انبهر بسعة اطلاع الأستاذ ياسين رحمه الله وتمكنه من لغة موليير.

ويمكن الاطلاع على الكتاب الذي أصدره بعيد جلسته مع الإمام وهو بعنوان: “L’ISLAMISME AU MAGHREB : LA VOIX DU SUD”. فهو يثني فيه على الإمام رحمه الله ويصنفه بالأكثر تدينا (بالمعنى الأوروبي للدين religion) من بين زعماء الحركة الإسلامية بالمغرب العربي، والأعمق تنظيرا واستقلالا في الرأي وتميزا عن الفكر الإخواني والسلفي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] Ce sont vos disciples soumis à votre volonté, vous êtes pour eux le maître.