مقدمة

تكتسي كلمة السلام قبولا واسعا لدى الناس، من آمن بها ومن لم يؤمن بها، وذلك لما تتركه من وقع طيب على الآذان، ومن شعور جميل في القلوب، ومن أثر حسن في الواقع. فهي أول كلمة نطق بها أول إنسان خلقه الله تعالى آدم عليه السلام في تواصله مع غيره من الملائكة. وهي تحية الإسلام والمسلمين، وتحية الملائكة وأهل الجنة في الآخرة. ومن أسماء الله تعالى السلام. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثلاثون حسنة لمن حيّى بها غيره. وإفشاء السلام مدعاة للمحبة ودعوة إلى الصلح ورمز أمن وأمان وسلام. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده، لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم” 1.

وفي زمننا الحاضر لمن يرفع شعارَ السلام ويدافع عنه من الشخصيات الفكرية والاجتماعية والسياسية على مستوى العالم، تمنح إحدى أفضل الجوائز الخمسة التي أوصى بها “ألفرد نوبل”، وهي جائزة “نوبل للسلام” تنويها بالمجهود المبذول من أجل الحفاظ على السلام وتعزيزه، من خلال المساهمة في الإصلاح الاجتماعي، أو إنهاء حرب اندلعت، أو توسطٍ لإيجاد حلٍّ لصراع قائمٍ، أو مساهمة في مكافحة الفساد ضد المجاعة والفقر، خاصة في صفوف اللاجئين والدول الفقيرة.

وتمنح هذه الجائزة سنويا في العاصمة النرويجية أوسلو في 10 من ديسمبر من قبل اللجنة النرويجية لجائزة نوبل. وكما تمنح جائزة نوبل للسلام للأفراد تمنح كذلك للمنظمات. إلى حدود 2018 تم منح هذه الجائزة لــ106 من الأفراد و24 منظمة.

قدرا يصادف هذا اليوم تقريبا يوم وفاة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. وقد دفعتني هذه المصادفة القدرية وألهمتني أن أكتب هذه المرة عن الإمام رحمه الله تعالى في ذكراه السابعة باعتباره رجلا للسلام بكل ما تحمل الكلمة من معنى. فقد كان اسمه عبد السلام ويسكن حي السلام وعاش حياته رمزا للسلام. وبالرغم من أن كل مسلم يدين بالإسلام يُعتبر رجلا للسلام، غير أن الفارق الذي يبعث على التفاوت هو مدى حضور هذا السلام في حياة كل فرد مسلم إيمانا وفكرا وشعورا وسلوكا وممارسة.

السّلام مبدأ

يمثل السلام في حياة الإمام رحمه الله المبدأ الذي آمن به، عقيدة راسخة يتقرب بها إلى مولاه، وفكرا عميقا يدعو إليه الناس في كتاباته وغير كتاباته، وسلوكا نموذجيا يخوض به معارك التدافع السياسي ضد الخصوم والأعداء. ولذلك قبل أن يبدأ مسيرته الدعوية خطّ بيده الشريفة في كتاباته أنه مع السّلم والسلام وضد العنف والفتنة. وجعل مبدأ السّلم والسلام سلوكه كما فكره، يمارسه فرديا في حياته اليومية مع خصومه، فلا يغضب لنفسه إن آذوه، ولا يتهجم إن خالفوه، ولا يدعو على الظالمين إنْ ظلموه، بل يدعو لهم بالصلاح والهداية. وجماعيا في جماعته المنظمة التي ما تحركت في مسيرات، ودعت إلى خير، واجتمعت على أمر رشد، ونصحت لولي أمر، إلا بسلام. وبقي رحمه الله تعالى متشبثا بهذا المبدأ بالرغم مما تعرض له من حصار وسجن وقمع وتضييق له ولجماعته. فلم يثبُت عنه يوما أن قام بشيء يُسيء إلى هذا المبدأ أو يقدح فيه. بل ما ثبت عنه عكس ذلك، أنه كان الوجهَ الباشّ المسامح الرحيم والرفيق مع الجميع. يقول رحمه الله تعالى: “ليست الجغرافية في عالم أصبح بوسائل التواصل قريةً، ولا التاريخ في عالم تهبّ عليه رياح التغيير عاصفةً، هما الداعيين للتعايش السلمي والحوار. بل الداعي دينُ الله ونحن حملتُه، وسنة الرفق وإن كانت من حولنا الغربان تعقْعِق، وجهادٌ نُعدّ له القوة من كل أنواعها لا نَعنفُ” 2.

طالع أيضا  ذ. شيخي: كتاب "شعب الإيمان" من الاجتهادات التي تفرد بها الشيخ عبد السلام ياسين

ومن كثرة تمسكه بقضية السلام اعتبرها المعركة الكونية الفاصلة والحاسمة حاضرا ومستقبلا بين الإسلام رمز الأمن والسلام، وبين الجاهلية رمز الكراهية والعنف. فقال رحمه الله: “إنها مواجهة كونية هائلة بين حق الوحي و”ظن الجاهلية”، بين أخلاق الإسلام و”تبرج الجاهلية”، بين أخوة الناس جميعا والتسامح والرحمة وبين “حمية الجاهلية”، بين عدل الإسلام وشورى الإسلام وبين “حكم الجاهلية”” 3.

السلام فكر وممارسة

إذا تأملنا فكر الإمام رحمه الله واستنطقنا كل ما كتبته يده وخطه قلمه، فلا نجد إلا معاني السّلام، مستعملا في التعبير عنها مفردات ومصطلحات مختلفة، لكنها تفتل في نفس المعنى وهو إحلال السلام الكامل وتعزيزه. فتارة يستعمل كلمة الرفق، وتارة كلمة الرحمة، وتارة أخرى كلمات المحبة والتقارب والحوار، والتواصل والاستقرار وحسن الجوار. أو يستعمل أضدادها من جهة النفي والتنبيه إلى ما تشكله على قضية السلام ومعانيه من خطورة. فيستعمل لا للعنف تارة، ولا للتخريب تارة، ولا للفتنة والكراهية والظلم وردود الفعل والفوضى تارات أخرى. يقول رحمه الله تعالى: “العالم يتلهف وينتظر دعوة الإسلام. دعوة السلام والأخوة والمحبة والانعتاق من ربقة الكفر والعدوان والطبقية والأثَرَة والاستكبار والظلم والعنف” 4.

أما في مجال الممارسة فمسيرته الدعوية خير دليل على ذلك. يشهد له بهذا الخلق الرفيعِ القريبُ والبعيد، الصديق والخصم العنيد، يشهد له به كلُّ من عرفه أو صحبه أو قرأ له أو سمع به. وأنا أشهد له بذلك. يكفي أن أشير إلى عمل لم نر أحدا يفعله ولا سمعنا به إلا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه عندما يدخل مجلسا يسلم على الحاضرين فيه من جهة اليمين، ثم يسلم عليهم من جهة الأمام، ثم يسلم عليهم من جهة اليسار. فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما طريقة رفع يده للتحية فعلامة كبيرة على رمزية السلام.

طالع أيضا  بدا لي السناء

ومن أجل إحلال السلام الكامل ما فتئ ينادي بالعدل والكرامة والحرية، ويعمل ويجاهد وينصح ويكتب لتحقيقها. وذلك بتقسيم الأرزاق بين الناس بعدالة، وتوزيع ثروات البلاد وخيراتها بالسوية، ومنْح الناس حقوقهم كاملة في التعليم والشغل والصحة والسكن. فهي الأسس التي تبنى عليها عملية السلام لتستقر البلاد ويطمئن العباد، فيعيشون بسلام وفي سلام كما أراد ربهم وخالقهم. ولتحقيق هذه الأسس أكد على الحلّ السلمي لكل القضايا التي تقف عقبات في طريق التغيير، وبالتعاقب السلمي في الحكم ضمانا لتعددية الرأي وتسوية للخلافات، وبالتعايش السلمي إيمانا بالأخوة الإنسانية ووحدتها.

السلام الشامل

لم تقتصر دعوة الإمام رحمه الله إلى السلام على مستوى معين، بل أراده على جميع المستويات. فمن أحيى هنا في الدنيا السلام وعاش من أجل السلام راجيا من الله تعالى دخول جنة السلام بسلام، دعا إلى السلام على مستوى الفرد، وذلك بتحقيق السلام الداخلي سلام القلب والضمير الذي يكون بالإيمان والعمل الصالح. ودعا إلى السلام على مستوى الأسرة سلام البيت والحياة الزوجية بتحقيق الاستقرار الذي يكون بالمودة والرحمة، ودعا إلى السلام على مستوى المجتمع، سلام الحياة الاجتماعية والعلاقات التواصلية بتحقيق العدل والكرامة والحرية، الذي يتمّ بالحكم الرشيد، ودعا إلى السلام على مستوى العالم، سلام الشعوب في تقرير مصيرها وسلام الإنسان في فطرته، والذي يكون بالتعاون والحوار وحسن الجوار. يقول رحمه الله تعالى مبينا بعد نظره للأمور ومستحضرا الحكمة في تدبيرها: “إن دخول دولة القرآن في الساحة لا نريده أن يكون عامل مزيد في الفوضى والقرصنة في العلاقات الدُّولية. فليس من صالح الدعوة الإسلامية، -وهي الوظيفة العليا لدولة القرآن- أن يزداد العنفُ، وغمطُ الحقوق، وظلمُ العباد. بل يُصْلِحُها أن يسودَ الاستقرارُ والسّلمُ ورعايةُ المصالح المشروعة لكل الدول، بإدخال الدولِ الكبرى التي يجب أن نساهم في الضغط عليها بكل وُسعنا، والثورةِ عليها إن اقتضى الحال، لينشأ جوُّ الصداقة والإنصاف بين بني الإنسان، ذلك الجو الضروري لازدهار الدعوة”. 5.

ويوم يمتلك المؤمنون ناصية الحكم ويكون بين أيديهم وسائل القوة من أسلحة وتكنولوجيا، يؤكد الإمام رحمه الله تعالى على أنه لا مجال للخوف من قوة الإسلام، فهي ما وُجدت إلا لبسط السلام العالمي ودعم الاستقرار في الأرض، مادامت أن هذه الوسائل ترتبط بغاية الإيمان والإحسان. وذلك عن طريق أنسنة التكنولوجيا وانتاج منها ما يكفي للاستهلاك المفيد للإنسانية ويحفظ كرامتها. يقول رحمه الله تعالى: “ولا بد لنا من صبر طويل لكي نتعلمها، ونوطنها في أرضنا، ونستقل بالبحث العلمي، ونوجه هذا البحث وجهة إسلامية لخدمة أهداف الإسلام وغاية السلام في الأرض والإحسان إلى الإنسانية جميعا نحمل إليها رسالة النبوءة ومعها عطاء كريم” 6.

طالع أيضا  الخميس.. ترقبوا حوارا شيّقا مع المهندس بن الصديق حول أخلاق الإمام ياسين

وفي معرض حديثه عن دعوته للسلام أكد كثيرا على نبذ العنف بكل صوره، مُستنكرا على من يمارسه أو يدعو إليه فردا كان أو جماعة، فكرا كان أو ممارسة. وقد استنكر على كل الذين مارسوا العنف عبر التاريخ، واتخذوه شعارا وتصورا للتغيير. لأن هؤلاء ما أرادوا السلام لأنفسهم ولا لغيرهم من الناس. ومن أشكال العنف التي استنكرها وقد تركت سوادا على صفحات التاريخ: العنف الثوري الشيوعي، والعنف اليهودي، والعنف المذهبي، والعنف الوحشي، والعنف الجاهلي المتجبر في أرض الله.

خاتمة

عاش الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله رجلا للسلام حقا بشهادة الجميع. لكن أمثال هؤلاء الرجال الذين عاشوا للسلام ومن أجل السلام، عوض أن يُكافئوا تقديرا لمجهوداتهم الداعية إلى السلام، والداعمة له في تحقيق الاستقرار والأمن في البلاد وخارجها، يتمّ محاصرتهم وقمعهم. لكن تاريخهم المضيء الذي يصدح بالسّلام في كلمات كتاباتهم، وفي قلوب الأجيال التي عاشت معهم أو التحقت من بعدهم، لا يمكن قبره مهما كانت المحاولات. فلا بد أن يأتي ذلك اليوم الذي تُرفع فيه راية السلام التي نسجوها بأيديهم لترفرف على العالم الذي هو في أشدّ الانتظار لها. عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام” 7. فهذا هو النداء بالسلام وهذه هي الدعوة إلى السلام، السلام الشامل بين الناس عن طريق سلام اللسان قولا وتحية، وسلام القلب ايمانا ومحبة، وسلام اليد عطاء وبذلا.


[1] رواه مسلم في كتاب الإيمان.
[2] ياسين عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص:430.
[3] ياسين عبد السلام، سنة الله، ص:119.
[4] ياسين عبد السلام، سنة الله، ص:317.
[5] ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، ص:274.
[6] ياسين عبد السلام، سنة الله، ص:286-287.
[7] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.