اعتبر الفاعل الحقوقي المغربي البارز محمد الزهاري أن المغرب يعيش “ردة حقوقية واضحة” في مجالات متعددة، معزيا ذلك إلى “ارتفاع منسوب الردع العام ورغبة مقصودة لاجتثات منابع الاحتجاج والتظاهر”.

وفي تصريح خص به موقع الجماعة نت، بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، أكد الزهاري أن الحركة الحقوقية المغربية ترصد أن الدولة تتعامل مع كامل الأسف في أغلب الحالات بـ”عقلية أمنية صرفة”، و”تستحضر لغة العصا على لغة الحوار”، وهو ما يؤدي إلى استمرارها في خرق مقتضيات الدستور خاصة الفصول 23، 24 و29، يضيف الناشط الحقوقي.

مظاهر خرق حقوق الإنسان المتعددة، والتي سيأتي إلى ذكر عدد منها، دفعت الزهاري إلى استخلاص أن هناك “توجها صريحا في المغرب نحو مزيدا من التسلط والاعتداء العلني والصريح على الحقوق والحريات  تحت يافطة “هبة الدولة”” .منوها إلى أن ما يحدث من وجهة نظره “اعتداء واضح على القانون بطريقة الاستقواء والتحكم”.

وبالعودة إلى تجليات الاختلالات الحقوقية التي يعرفها المغرب، ذكر الرئيس السابق للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان أولا بحرمان العديد من المواطنين من ممارسة حقهم في التنظيم بتأسيس جمعيات أو فروع لها وأحيانا خلال مرحلة التجديد بسبب مواقفهم المعارضة، حيث “تصر السلطات على رفض استلام ملفات جمعيات تحمل المسؤولية في أجهزتها المسيرة أعضاء من جماعة العدل والإحسان أو النهج الديمقراطي أو أشخاص ينتقدون السياسات العمومية بطريقة تزعج المسؤولين وتفضح خروقاتهم وتجاوزاتهم”.

وبرهنة على حكمه هذا ساق الزهاري عددا من الأمثلة الحية؛ فالعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان مثلا مازالت محرومة من الحصول على وصل الإيداع المؤقت رغم أن الملف تم إيداعه لأزيد من عشرة أيام لدى مصالح ولاية الرباط، في حين أن المادة الخامسة من القانون المنظم للجمعيات تلزم السلطة التسليم الفوري للوصل بعد الإيداع. وما زلنا في فرع المغرب للتحالف الدولي للدفاع عن الحقوق والحريات، يكشف، لم نتوصل بالوصل منذ ما يزيد على ثلاث سنوات دون أن يصدر تبرير من السلطة لهذا الرفض. ومازالت أزيد من 53 فرعا للجمعية المغربية لحقوق الإنسان محرومة من الوصل أو رفضت السلطة استلام ملفاتها القانونية.

طالع أيضا  فاعلون يحتجون أمام استئنافية مكناس تضامنا مع التلميذ أيوب محفوظ

ليطرح التساؤل الطبيعي “هل نحن في دولة تحكمها القوانين أم تسير بالتعليمات الإدارية المشمولة بالتحكم والاستبداد؟”، مشددا على أنه في المغرب “انتقلت السلطات من انتقاء للجمعيات على المقاس، والاعتراض على الجمعيات بالاسم إلى الاعتراض على الأشخاص غير المرغوب فيهم من طرف السلطات أو الذين يخالفون في آرائهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية والحقوقية السلطة السياسية القائمة”.

ثم انتقل الدكتور في القانون العام إلى لون آخر من ألوان تضييق السلطة المغربية على حقوق الإنسان؛ والمتمثل في المنع المستمر لسلطات وزارة الداخلية للعديد من اللقاءات والاجتماعات في الأماكن العمومية وحرمان جمعيات مؤسسة بالقانون من استعمال الفضاءات العمومية، وكثيرا ما تتدخل القوات العمومية بالاستعمال المفرط للقوة في فض التظاهرات والاحتجاجات السلمية في العديد من المناطق مما يشكل مسا بالسلامة البدنية، وآخرها ما وقع للأساتذة حملة الشهادات مؤخرا.

بعد ذلك عرض لاختلال آخر خطير وهو “توظيف القضاء بشكل واضح في تصفية الحسابات مع المعارضين من النشطاء السياسيين والحقوقيين النقابيين والمدنيين، والصحافيين”، مستدلا على ذلك بإصدار أحكام بالسجن لمدد طويلة في حق مواطنين مغاربة طالبوا بتحقيق مطالب اجتماعية واقتصادية بمنطقة الريف وجرادة وزاكورة واولاد الشيخ بقلعة السراغنة وغيرها… ومتابعة صحفيين بمقتضيات القانون الجنائي كما وقع للصحفيين الأربعة بسبب شكاية كيدية موجهة ضدهم من رئيس مجلس المستشارين، والصحفية هاجر الريسوني، واستبعاد قانون الصحافة والنشر. بل إن صحفيين موجودين اليوم في السجن بتهم ملفقة ويقضون عقوبات جائرة؛ ذاكرا منهم: حميد المهدوي والاصريحي وربيع الأبلق، وتوفيق بوعشرين الذي اعتبر فريق العمل الأممي المعني بالاعتقال التعسفي اعتقاله تعسفيا وطالب الدولة بضرورة إطلاق سراح فورا وتعويضه عن الأضرار التي لحقت به. 

ولم يفت الناشط الحقوقي الحديث عن “تشمع بيوت بطريقة مذلة ومهينة لكرامة مواطنين مغاربة ذنبهم الوحيد هو انتماؤهم لجماعة العدل والإحسان المعارضة مما يشكل اعتداء على الحق في الملكية والسكن” .

طالع أيضا  تشيكيطو: المدخل الحقيقي للمصالحة الحقوقية مع الشعب هو تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

إزاء هذا الواقع الحقوقي المنتكس، ألمح الزهاري إلى ظاهرة “الإفلات من العقاب والمساءلة في المغرب” الذي أصبح هو القاعدة، ذلك أن “كثيرة هي الجرائم المرتبطة بتبذير المال العام والسطو عليه، والتي لها علاقة بظاهرة الفساد ونهب الثروات، لكن تحريك الدعوى العمومية في حق المسؤولين عنها تخضع للمزاج السياسي، ورغبة صناع القرار في متابعة المتورط من عدمها”.

وختم تصريحه، في إشارة دالة، بالقول أن “السياسات العمومية المرتبطة بقضايا حقوق الإنسان تبقى بعيدة بشكل مقصود عن الإشراف الحكومي المباشر، لأن الأمر في الأول والأخير يعود إلى أجهزة تبدو من خلال المنظومة الدستورية والتشريعية والتنظيمية أنها تعمل تحت إشراف الحكومة لكنها في الواقع هي عكس ذلك”.