تفصلنا أيام قليلة عن الذكرى السابعة لرحيل الإمام المجدد سيدي عبد السلام ياسين إلى دار البقاء، رحمه الله رحمة واسعة دائمة وجازاه الله عن جماعته وإخوانه وأبنائه وأمته أفضل وأوفى الجزاء.

يقول ربنا عز وجل:

من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا

كان الإمام المرشد رحمه الله من هؤلاء الرجال الصادقين في عهده مع الله تعالى، يقول في أبيات شعرية:

حفظت العهد ما خنت الأمانة                           فحفظ العهد أصل للديانة

نذرت دمي دفاعا عن حماها                             ورفضا للخنوع والاستكانة

فها أنذا بمعترك المنايا                                    عَليّ القدر مرتفع المكانة

كان الرجل “مربيا” استقى التربية من العارفين بالله والرجال الأكابر، ثم سقى من حوله من نفس المعين الفياض بحب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت النتيجة جيلا من الرجال والنساء ذوي تربية من طراز رفيع.

كان رحمه الله تعالى رجلا عالما تتلمذ عن الكتاب والسنة، وترجم ذلك العلم إلى مشروع آمن به وعاش له، وأدى ثمنه ومات عليه، مشروع متكامل يروم تخليص الإنسان خلاصا فرديا، وتخليص الأمة خلاصا جماعيا.

كان الرجل رحمه الله مفكرا، تجلى ذلك في كتاباته الغزيرة الغنية المتنوعة، كان فيها مجددا، بدءا بالمنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، والإحسان، والعدل، وكتبه الحوارية… كتب أفادت الجماعة وأفادت الأمة.

استفدنا من صحبته ومدرسته الخير الكثير، أذكر مرة أننا كنا في مجلس إيماني معه فبادرنا بالسؤال –كعادته – ماذا استفدتم من الجماعة؟ استمع رحمة الله عليه لأجوبة بعض الحاضرين فقال مختصرا الطريق: “أعظم ما يستفيد المرء في هذه الجماعة، الاشتغال بالله والاشتغال بالنفس، حتى تتخلى عن الركون إلى الدنيا وملذاتها، وتشتاق إلى الفوز برضى الله”.

طالع أيضا  بناء الفرد في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

نعم؛ الاشتغال بالله لتفوز به لكيلا يفوتك، إذ من فاته الله فاته كل شيء، يقول رحمه الله: “إنه عمرك، إنها قضيتك، إنه قبرك، إنه بعثك، إنها جنتك أو نارك إنه ربك”.

والاشتغال بالنفس لإصلاحها، يقول رحمه الله في كتاب الإحسان: “ما للسالك إلى الله عز وجل من راحة من أفعى نفسه، حتى يخرج من سلطانها ويكسر سوْرَتها بمطرقة الذكر على سندان المخالفة والمحاسبة، حتى تفيء إلى أمْر الله”

ومع هذا التهمم بالله عز وجل وبالآخرة وصلاح النفس، كان الرجل رحمه الله يؤرقه هم الأمة. يقول في كتاب العدل: “يجب أن نحمل مع هم آخرتنا هم آخرة العباد”.

كانت له –إذن – حاجة مع الله وقضية واضحة في مشروعه منذ أن كتب “الإسلام غدا”. يقول في خاتمة كتاب المنهاج النبوي: “وتأكد أن تحافظ أينما كنت لتكون الوجهة الله والموعد الله ولتبقى الوجهة الله والموعد الله لا إله إلا الله محمد رسول الله”.

استفدنا منه رحمه الله التوكل على الله عز وجل، واليقين التام الذي لا يساوره أدنى شك في موعود الله وموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعلمنا منه أن طلب وجه الله هي غير طلب ما عند الله، وأن نعيش الدنيا للآخرة، وأن نكون ذاكرين مجاهدين ومجاهدين ذاكرين.

كان رحمة الله عليه رجل الإحسان بامتياز – عبادة بإيقان ومعاملة بإحسان وعمل بإتقان – عاش الإحسان وكتب عن الإحسان، وهو القائل “وما خلقت إلا لأكتب عن الإحسان” وربى على الإحسان وحصر أمنيته في الإحسان، “وأنا أسعد الناس إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين”.

عشت سيدي كريما ومت كريما، عشت شامخا ومت شامخا.

نفعنا الله بصحبتك وبمحبتك وجمعنا بك في مستقر رحمته مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ورزقنا الوفاء لك قوة وأمانة واتباعا وثباتا وعطاء، آمين والحمد لله رب العالمين.

طالع أيضا  الحياة الطيبة