لا تزال انتهاكات حقوق الإنسان أحد طرق تعريف الحياة بالمغرب، فوقائع القمع والتعذيب والاختطاف والشطط في استخدام السلطة، المتكررة بشكل ممنهج ومتواتر، والتي تقوم بها أجهزة الدولة مع تمتع الجلادين بالإفلات الدائم من العقاب دلائل دامغة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هذا البلد لم يقطع مع ماضي الانتهاكات الجسيمة، بل إنها مازالت مستمرة مشكلةً مسّا خطيرا بحقوق الأفراد وحرياتهم.

تحل ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من دجنبر، وهي مناسبة لاسترعاء اهتمام المغاربة إلى مدى التزام بلدهم بحقوق الإنسان باعتبارها معياراً لتقدم الشعوب ونهضتها، ومع اقتراب سنة 2019 من الانتهاء مع حلول هذه الذكرى، نلقي قليلاً من الضوء على أبرز الانتهاكات الحقوقية التي طبعت هذه السنة أو تلك التي ما زالت مستمرة منذ سنوات خلت، لنعيد التذكير فقط أننا كنا في سنة قاتمة أخرى شهدت انتهاكات حقوقية بامتياز.

–       حراك الريف: انتقام متواصل

كان ملف معتقلي الريف الأشد حضورا على ساحة هذه السنة، وذلك بعد تأييد الحكم الاستئنافي بنفس الأحكام الابتدائية القاسية والجائرة بداية أبريل المنصرم، إذ عمدت السلطة إلى الانتقام مجدداً من معتقلي الريف، وفي بلاغ واضح ومعمّم للمندوبية العامة لإدارة السجون، حيث فرقتهم على مؤسسات سجنية متعددة، بالإضافة إلى وضعهم في زنازين التأديب الانفرادية “الكاشو”، ومنعهم من الزيارة العائلية ومن التواصل عبر الهاتف لمدة 45 يوما.

وجاء كل هذا في رد فعل عنيف على تسريب تسجيل صوتي لناصر الزفزافي يؤكد فيه تعرضه للسب والضرب والركل والرفس… أثناء مداهمة البيت الذي أوقف فيه شهر ماي 2017، وبعد الاعتقال، بالإضافة إلى أشكال أخرى من التعذيب الجسدي والنفسي التي تخالف أبسط القوانين والحقوق وتهين آدمية الإنسان وكرامته، وكان هذا أول تسجيل ينشر لناصر منذ اعتقاله قبل حوالي ثلاث سنوات.

ورغم أن المؤسسات الرسمية تنفي وجود التعذيب، والمغرب صادق على البروتوكولات والاتفاقيات الخاصة بالتعذيب، بما في ذلك قانون المسطرة الجنائية الذي اعتبر التعذيب مبطلا للاعترافات، لكن في الواقع فإن القضاء لا يتفاعل مع وقف التعذيب، والنموذج الحي هو وجود 22 شخصا من ضحايا حراك الريف ادعوا التعذيب منذ أول جلسة، وأنجزت المحكمة محضرا لأحدهم وعاينت آثارا ومع ذلك لم يقع التحقيق وفق المعايير المحددة وفق البروتوكولات والعهود.

طالع أيضا  الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب ترصد "الاختلالات البنيوية" للوضع الحقوقي

إلى جانب هذا التقرير الطبي الذي سرب ولم يتم إنكاره من طرف لجنة طبية مفوضة من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والذي يؤكد أنه في 19 حالة هناك ما يؤكد مزاعم التعذيب ولم يتحدث عنها القضاء نهائيا مع أن الوكيل العام أحالها للملف ومع ذلك تم استبعادها، والفيديو المشهور الذي يظهر ناصر الزفزافي في ضيافة الفرقة الوطنية وهو عارٍ لم يفتح فيه أي تحقيق.

–       الصحفيون والناشطون “الافتراضيون”: ضغوطات وتضييقات

ارتفعت خلال هذه السنة وتيرة التضييق على النشطاء الذين حملتهم مواقع التواصل الاجتماعي إلى واجهة الأحداث، فبعد أن قادت في السنوات الأخيرة حملة على “أدمينات” الصفحات الفايسبوكية الأكثر جرأة في الإدلاء بمواقفهم المعارضة، ظهر نوع جديد من المؤثرين على اليوتيب، منتقدين ممارسات الدولة بشكل قوي أو مركزين على سلطات عليا بالبلد أو مكتفين بفضح وجه من أوجه الفساد المستشري، فلم تطق أجهزة الدولة صبراً بل ضاقت ذرعاً بهم، فمارست ضغوطاً على البعض منهم؛ سواء عبر الاعتقال والمحاكمة من خلال فبركة ملفات قضائية أو عبر الردع الخفي والتشويه باستعمال التشهير وتسخير الأقلام الصفراء.

استمرار سياسة متابعة الأقلام الصحفية استمرت هذه السنة، مع ما يعيشه مجموعة من الصحفيين في السجون، سواء أولئك الذين اعتقلوا على خلفية حراك الريف والأحكام القاسية التي صدرت في حقهم، أو محاكمة سبعة نشطاء من بينهم صحفيين، أو حالات صحافيين آخرين مثل توفيق بوعشرين وحميد المهداوي وغيره، بل يتعدى الأمر إلى استدعاء يومي لناشطين ومواطنين بسبب تدويناتهم، وهو ما يظهر بشكل واضح محنة حرية الصحافة والرأي والتعبير في بلادنا.

ناهيك عن المؤشرات الدولية التي تظهر تراجع حرية الصحافة المغربية، متمثلة في المراتب المتأخرة التي يحتلها المغرب في التصنيف العالمي (صحافيون بلا حدود للسنة الثانية على التوالي يصنف المغرب في المرتبة 135، فريدوم هاموس تصنف المغرب كدولة غير حرة في المرتبة 147).

–       معارضون ومدافعون عن حقوق الإنسان: تنصت واستهداف للحياة الشخصية

انكشف هذه السنة ما كان لمدة طويلة أحد الاعتقادات الراسخة بخصوص الأجهزة الأمنية من تجسس وملاحقة في حق المعارضين. الجديد كان هو أن منظمة دولية هي من أعلنت الحدث والتجسس كان بالاستعانة بالكيان الصهيوني! حيث فجرت منظمة العفو الدولية في العاشر من أكتوبر الماضي “الفضيحة المدوية” باستهداف مدافعين عن حقوق الإنسان، وذلك باستخدام برنامج التجسس بيغاسوس Pegasus التابع لمجموعة “إن إس أو” NSO الصهيونية، وقد تم ذلك من من خلال رسائل نصية قصيرة SMS تحمل روابط خبيثة.

طالع أيضا  بنشمسي: النظام المغربي "خرج ليها نيشان" مع حرية التعبير

وقام برنامج الواتساب بمراسلة مجموعة من النشطاء والحقوقين لإعلامهم بإختراق هواتفهم ببرامج تجسس خبيثة، مما دفع سبعة منهم إلى إصدار بيان مشترك يدعو السلطات إلى فتح تحقيق في هذه النازلة دون أي استجابة.

–       ملف العدل والإحسان: الأثقل حقوقيا 

أطلقت الدولة هذه السنة حملة من الانتهاكات في حق جماعة العدل والإحسان، كان أبرزها حملة تشميع وإغلاق بيوت أعضاء وقيادات الجماعة، التي بلغت أكثر من 14 بيت بمختلف المدن المغربية خارج إطار الأحكام القضائية، رغم أن المواثيق الدولية والقوانين الوطنية تنص على عدم انتهاك حرمة المنازل، ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون، لكن ذلك لم يمنع أصحاب القرار من تنفيذ تعليماتهم الجائرة في حق بيوت أبناء الجماعة.

وبالإضافة إلى هذا، دشنت السلطة حملة ثانية من الإعفاءات بشتنبر الماضي في حق المنتمين للجماعة من أطر إدارية وتربوية، ليصل عدد المعفين إلى 159 إطار، ناهيك عن استمرار ترسيب عدد من أعضاء الجماعة الذين شاركوا في احتجاجات فئوية سنة 2017.

–       التضييق على المجتمع المدني والحركة الحقوقية

بدورها تعرضت الحركات والجمعيات المعارضة المنتمية للحركة الحقوقية لشتى أنواع المضايقات، حيث تتمتع السلطات الإدارية بسلطات تقديرية واسعة، تجعلها تتمنع عن تسليم الملف القانوني لبعض الجمعيات غير المرغوب فيها، مستغلة الغموض والالتباس الحاصل في بعض المصطلحات بالقانون.

بالإضافة إلى مجموعة من الممارسات التي تقوم بها السلطات للتضييق على المواطنين والجمعيات غير المرغوب فيها، عبر مطالبتها بوثائق أكثر مما ينص عليه القانون، أو رفض تسليم الوصل المؤقت أو رفض تسلم الملف ككل، ناهيك عن الامتناع عن تسليم الوصل النهائي في العديد من الحالات، وكذا التضييق على الجموع العامة، وعدم إعطاء القاعات، والتضييق على الأنشطة، والتضييق المادي على هذه الجمعيات… دون أن تتعرض السلطات الإدارية إلى أي مساءلة تجاه خرقها للقانون أو التعسف في تأويله، مما يدل على أن “الحق في التجمع والحق في التنظيم في وضع خطير جدا”.

طالع أيضا  هل تتحمل الدولة مسؤوليتها اتجاه وفاة عبد الله حجيلي؟

من ذلك الشطط المسلط على الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي تعاني من أجل عقد مؤتمراتها وتجمعاتها، فأزيد من 53 فرعا للجمعية رفضت السلطة تسليمهم وصول التجديد والتأسيس، و7 فروع للعصبة المغربية لحقوق الإنسان امتنع أيضاً عن تسليمها وصول الإيداع لأسباب سياسية وليست قانونية.

–       فض المظاهرات والتجمعات

لا يزال فض المظاهرات والتجمعات السلمية أحد معضلات التعبير عن الرأي بالمغرب، فالتجمع والتظاهر والاحتجاج السلمي دائما ما يتعرض لتدخلات قمعية شرسة دون أدنى احترام للمقتضيات القانونية، إلى جانب عدم مساءلة القوة العمومية إن لم تطبق المقتضيات القانونية بخصوص فض المظاهرات أو التجمهرات وكذا استعمالها للعنف المفرط غير المتناسب مع شكل أو قوة الاحتجاج.

استعمال العنف أثناء فض المظاهرات يتكرر بشكل مستمر، والذي يؤدي أحيانا إلى القتل، كان آخرها وفاة السيد عبد الله حاجيلي، المصاب على إثر فض مبيت للأساتذة المتعاقدين يوم 25 أبريل الماضي، بعد مكوثه لمدة تجاوزت الشهر في مستعجلات مستشفى السويسي بالرباط.

ومع عدم فتح أي تحقيق في هذه الحالات، أو فتحه دون ظهور النتائج أو انتهاج سياسة “التضحية بأكباش الفداء”، مع إخفاء الوقائع وعدم تمكين الناس من الحقيقة، وعدم متابعة الفاعلين والآمرين يجعل الأمر لا يتعلق بحالات فردية معزولة، بل يؤكد أنه بتعلق باستعمال ممنهج للعنف.

–       خاتمة

هذه المصادرة العامة لحقوق الإنسان، وعلى تطاولها في الزمان وعلى امتداد التراب الوطني، لا يمكن أن يشكل إلا انتهاكا جسيماً لحقوق الإنسان. فالتراجع الخطير في مجال الحقوق والحريات بالتوازي مع نهج المقاربة الأمنية في معالجة مختلف القضايا، يحتم على مختلف المروءات والفعاليات الحقوقية والسياسية والمجتمعية، وكما ينادي بذلك أكثر من طرف، التكتل ضد هذه الانتهاكات الجسيمة والتصدي لها بكل الأشكال الحضارية الرامية إلى تحقيق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وتحميل الجهات السياسية والأمنية المسؤولية الكاملة عن هذا الوضع الحقوقي الكارثي المؤدي إلى ارتفاع درجات الاحتقان بشكل غير مسبوق.