لم يلتق الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله  بشخص إلا وترك فيه الأثر الإيجابي العظيم. استطاع أن يجمع إليه الناس في زمن يسير. فقد كان قدرا كريما ساقته الألطاف الإلهية لهذه الأمة في هذا العصر.

شاعت أفكاره في أدغال أفريقيا وأوربا وكندا وأمريكا، وأصبح لمدرسته تلامذة ومعجبون ومتعاطفون. وبعد رحيله رثاه أحبابه وإخوانه وأصحابه وحتى معارضوه ومخالفوه.

كان روحا كبيرة فسيحة وكانت مجالسته رحمة للقلوب، والحضور معه يعني أن تعيش مغمورا في بحر من السعادة والنور.

يتعامل مع جليسه كأنه وحده المقصود بكل عواطفه ومشاعره، ليس مجاملة أو ترضية، ولكنها عاطفة صادقة حقيقية عميقة رقيقة.

تحدث الناس عن لقاءاتهم معه، إما في بيته أو في السجن، فوصفوه بالقديس، وانبهروا بثقافته وإتقانه اللغات الأجنبية كالألمانية والإنجليزية والروسية، ومنهم من تعجب لبرنامجه اليومي الدقيق، ومنهم من هاله صموده وثباته، ومنهم من نعته بالرجل غير العادي..!

سخرت أقلام للهجوم عليه، وبذلت جهود لمنع كتبه وفكره ومحاصرة إشعاعه وتأثيره بسبب مواقفه السياسية. ومر على المغاربة زمن لا يستطيع الواحد منهم ذكر اسم “عبد السلام ياسين” .

ذات يوم، بينما هو في مجلسه يحدث أصحابه ويحدثونه، يتشربون كلماته وكأن على رؤوسهم الطير؛ يدخل فجأة شاب متحمس وملتهب، يكفره ويغلظ له الكلام فيتململ المجلس غيضا وحنقا لجرأة هذا الصغير، لكنه ينصت لهذا الشاب ويتلطف به ثم يردد أمام الجمع: “أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله” ويشهد جلساءه أنه أسلم على يدي ذلك الشاب.

كان هذا درسا بليغا وخالدا لقنه الإمام المجدد رحمه الله لأصحابه ولتلامذته. درس تشربته قلوبهم الغضة كما تشرب من سبقهم من مشكاة النبوة الرحمة المطلقة للعالمين.

سأل في كتابه الإسلام والحداثة: “ماذا تحصد إن أعدت زراعة الكراهية في أرض ترابها، وماؤها وهواؤها كراهية ؟… من أين تأتي بالأخوة والرفق والمحبة تحرثها في أرض الأمل”.

طالع أيضا  هَمُّ حفظ القرآن.. مع الإمام عبد السّلام ياسين

وأنشد رحمه الله في ديوانه “شذرات”

أُعَـــــاني غُــــربَـتَـيْنِ في البَـــرايـــــا.. فلي ضِعفُ الجَـزاء على مُصـابي

فغُــــربة ذاكـــــرٍ بالبَـــدْع يُـــرمَـــى.. وغُــــــربـةُ مسلـــــمٍ بــــين الـذِّئـــاب

فَطُـــوبى ثمَّ طُـــوبى ليس يحصَـى.. حَصــــادُ الصَّـــابرين مـن الثَّــــواب

كان من أشد خصوم الحسن الثاني شجاعة، لكن مع الحفاظ على الأدب. ولما جاءه من ينعى له الملك الراحل قال له: “كان الله لنا وله”، ثم ترحم عليه.

خاطب الشيوعيين واليساريين والغربيين والعلمانيين مباشرة وفي كتاباته بأحب الأسماء والألقاب، معترفا لكل ذي فضل بفضله، رغم اختلافه معه، “الفضلاء الديمقراطيون” و”الصديق الأمازيغي”.

سخر منه من سخر، وانتقده من انتقد، وتهجم عليه من تهجم، وكفره وبدعه من شاء… وما سخر من أحد، ولا تهجم على شخص، بل يدعو بالخير والهداية للجميع.

بلغه أن شخصا يدعى “سعيد” لا يأل جهدا في انتقاده، وقد يكون ممن تسخرهم السلطات المغربية لهذا الغرض، فقال ما معناه “صاحب اسم جميل، ولكل نصيب من اسمه، فعسى أن يكون من سعداء الدنيا والآخرة”.

وبلغه أن آخر قد كفره أو بدعه فقال “لا تغيروا مكانة الرجل في قلبي، فقد بلغني أنه بكاء في صلاته، وتلك صفة أهل الصلاح والفلاح”.

وكلما بلغه انتقاد شخص ما له، إلا ويبحث له عن مبرر، ويغتنم الفرصة للدعاء له بالخير والهداية وقد يقول في التبرير مثلا إنه أنصاري النسب ونحن أمرنا بمحبة الأنصار.

كان رحيما حتى بالشرطي الذي تكلفه الدولة بالتجسس عليه ومراقبة ضيوفه بباب البيت الذي يسكنه.

زارته يوما إعلامية أمريكية باحثة، وعندما انتهت المقابلة سألها الأستاذ عبد الله الشيباني عن لقائها بالإمام، فأجابت: “رأيت في عينيه رحمة وحنانا لم أره من قبل!!”.

تقول زوجته الكريمة للا خديجة رحمها الله متحدثة عنه: “كان سيدي عبد السلام إنسانا حنونا رحيما ودودا لطيف المعشر”.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين: معنى التّقوى (فيديو)

ويحدثنا صهره الأستاذ الشيباني حفظه الله “كان إذا وجد نملة على فراشه وضع لها إصبعه تدب عليه فيحملها برفق ويضعها على النافذة لتكمل سيرها”.

ويحكي أحد أصهاره أنه كان يحرص عند القيام بحصته الرياضية ألا يطأ نملة، بل كان ينهى أحفاده أن يفعلوا ذلك.

ويحكي صاحبه الأستاذ عبد الكريم العلمي عضو مجلس الارشاد قائلا: “كان دائم الدعاء لأصحابه ولآبائهم وأزواجهم وذرياتهم… وكان رحمه الله دائم النصح وبلطف وانشراح نادرين؛ ليُقبل المؤمن والمؤمنة على ما ينفعهما عند الله بالجوارح والقلوب، بالعمل والمعاملة، ولعل من بين عناوين هذا الحرص وصيته الدائمة بالوالدين والأزواج والأبناء، وصلة الرحم وحسن الخلق مع القريب والبعيد، والحرص على ألا يحمل القلب غلا لأحد بل ينبض بالحب للجميع”.

كان الإمام رحمه الله رجلا أهله الله للقيام بتجديد علاقة الناس بالوحي وبالنبوة وبمعاني العدل والإحسان لكل سالك إلى الله، باحث عن حاجته مع الله، ومجاهد في سبيل الله.

مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.