أبـــلغ إماما في ثنا القلب مسكنه** أنـا وإن كـنـا لا نــلقــاه نلقــاه

إن غــاب عــنا فالــروح مســــكنـه** من يسكن الروح كيف القلب ينساه.

(1)

إذا رحل الإمام المجدد عبد السلام ياسين، فقد أَرْحَلَ

1

، أي كثرت رواحله وصير بعده رواحل، ستسير بذكرها الركبان وسينتشر عبقها وأثرها عبر الأزمان.

والرائد لا يكذب أهله، ولا يخلف الله وعده.

وقد مر الرائد وهذا الأثر…

يؤصل الناس لدلالات الرحيل بعناوين شتى، ورحيل الأرواح الكبيرة حضور. اتصال وامتداد واستمداد، سلوك واتجاه ممتد عبر الزمان والمكان إلى آخر الزمان، حركة رحيمة رفيقة تصيح وتنادي من هنا الطريق من هنا البداية.

 ومتى صبت الأنهار في غير بحر الصحبة الزاخر المعطاء شرب الناس كدرا وطينا؟!

مدرسة قرآنية ربانية دعوية متنقلة عبر الأجيال، يسري حالها في من حولها محبة وتعليما وتجديدا واقتحاما وشهادة وصبرا وبذلا وسمتا واستقامة وتحررا وقياما.

يقظة إيمانية إحسانية، فيقظة إيمانية جهادية، ثم يقظة أمة. 

وراء هذه الروح العظيمة التي عاشت في كنف الإحسان جموع ملبية وقد فاضت نفوسهم إلى حياة النور، هدفها محبة الحق وخدمة الخلق، وقد تعلمت أن نسيان الحق يقود إلى عمى الخلق، في زمن يطارد فيه الأبرار، ويعتو فيه الشياطين على زمرة الأخيار.

كان الملتقى على بطحاء مكة، وبالصحبة امتد الانتساب.

كان رحيل الإمام المجدد ولا يزال وينبغي أن يكون استمرارا واستبشارا. تطور في الأداء، واستمرار في العطاء، نركب مطايا الجِد وإن طال السُّرَى، ونسافر على رواحل الصدق.

الرحيل تذكير بحركة وأخلاق سالك إلى مسلوك إليه.

سالك ومسلك وملاذ أجيال اعتمد المنهاج، علمنا كيف نبني الصف المسلم المومن المحسن إعدادا واستعدادا لفتح الدنيا وفتح الآخرة.

نصر وتمكين وفتح وقرب وطلب لوجه الله.

لكل الطالبين يفتح المنهاج الباب ليدلهم على غايتهم ومطلبهم لكي يسمو بهم إلى هدف سام غال وعزيز أراده رجل مبارك لهذه الأمة المباركة، باسطا الكتاب والسنة على ضوء المنهاج لينتقل به الأجيال من زمن الجبر إلى زمن الخلافة على منهاج النبوة.

تصبح هذه الجموع الملبية وعليها سما القرب، بعد أن هبت عليها رياح الأسحار، فسقت الأرواح، حاملة رسائل الحب، فابك يا عريان الغفلة !!

غص في نفسك لحظة كم هو عالم النفس مضطرب موار، وكم هو عالم الصحبة هادئ؛ سلوكا واتجاها.

هذه الحركة باتجاه الخالق سموا ورفعة، حياة ومعنى، ومتى كان الرحيل وصاحب الذكرى دالا ومذكرا بغير الله والدار الآخرة؟

طالع أيضا  الأخلاق السياسية عند الإمام ياسين

تتجدد ذكرى الرحيل، فهل تتجدد منا الإرادات؟ وهل تنبعث منا العزائم التي أسست وأفنت حياتها فيها هذه الروح الكبيرة المتسامية، هذا الطود الشامخ والجبل الأشم.

الذكرى غالية عالية: ذكرى نفي السوى والعكوف على كعبة المولى: نفي التعلق وإثبات التجرد وتحقيق العدل، قدر الدعوة يتحرك ليصنع التاريخ ويقترح المشروع المقابل: مشروع التجديد والاقتحام والقيام لله وبالله، فأي جهد بذلت؟

هل استقمت أنا حتى ألوم الناس على اعوجاج؟ هل تغيرت أنا وتحولت حتى أدعوَ الناس إلى التغيير؟

هل أمعنا النظر في معاني الرحيل ودلالات الذكرى؟

قزم أنا، ضرة صغيرة تزاحم: فيا أيها المولى أقل عثراتي….

ربِّ بالصالحين ألْحِقْ رِكابِي**واغفر اللهم مأْثَماً قد عَلِمْتَه 2

 (2)

الرحيل يذكرنا بسيرة رجل ومسيرة مشروع ومسير وعهد.

مسيرة انطلقت من فناء الكعبة والمسجد الحرام: مسيرة مسجدية تدلف من باب الاستقامة، تلجأ إلى حرم التضرع، فهي مسيرة الطلب، لا تبرح عن الطلب حتى تبلغ مجمع البحرين.

من المنابع تنطلق وإليها تعود.

مسيرة الطلب أنعم بها من مسيرة، فهي مسيرة طلب لوجه الله، ومسيرة طلب علم، ومسيرة طلب حق.

أول مشهد من مشاهد المسيرة: الافتقار إلى الله عز وجل، فالإحساس بالافتقار إلى الله عز وجل أول قدم في المسيرة.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهم أحييني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني مع المساكين”.

هكذا كان يعبر هذا المشهد الإحساني: مشهد الافتقار إلى الله عز وجل.

مسيرة همها عمارة الأرض بالدعوة لتستعيد حرمتها كما خلقها الله أول مرة بيضاء نقية، فيا رهط التقى هذه مشاعل القبول، جردوا سيوف العزائم، وادخلوا عليهم الباب.

لا هم أعظم من هم الدعوة إلى الله عز وجل.

مسيرة تخطو خطوات العزم والتصميم، تخرج إلى سعة وضياء وأفق رحيب، معها ضياء العلم وينابيع الحكمة والفهم والعزم، فهي تؤكد ذاتها المتميزة… مقترحة نفسها على التاريخ.

مسيرة رحمة وبركة ونعمة، تعيش مع الأمة الآلام، وتصافح الأقران، تخدم الخلق وتنزل على رسلها إلى ساحة القوم، تأخذ بأيد الناس إلى رحاب الله، تقول الحق ولو كان مرا، وتترنم بالقرآن، وتطل من نافذتها على نجوم الأسحار، وتتهجد إذ الناس نيام، فلما يتمخض الأمر تتساند إلى رواحل الاستغفار.

مسيرة متئدة صابرة مصابرة لا تستفزها الأحداث، راسخة القدم في الاستقامة والمنهاج، ماضية بعزم وثبات لفعل في التاريخ مدهش.

منا الأناة وبعض القوم يحسبنا *** أنا بطاء وفي إبطائنا سرع

طالع أيضا  أمكاسو يتحدث عن أخلاق الأستاذ ياسين في التعامل مع المخالف (فيديو)

مسيرة تخرج الأمة من دائرة الفتنة إلى الاستقامة مغالبة واقتحاما حتى النصر.

مسيرة دموعها باسمة، أهلها أصحاب سياسة وكياسة.

مسيرة أكبر حسناتها التعب الذي تعقبه الراحة الكبرى، وأنعم به من تعب، فهو المنزلة التي تعقب حمل الدعوة، وحمل الهم “لا راحة بعد اليوم يا خديجة”. ورحم الله سيد قطب حيث استطرد معلقا على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: “مضى عهد النوم، وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الشاق الطويل، لأن من يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا ولكنه يعيش صغيرا ويموت صغيرا، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير فما له والنوم؟ وما له والراحة؟ وماله والفراش الدافئ والعيش الهادئ والمتاع المريح؟ !”.

ويقول الشاعر:

بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها *** تنال إلا على جسر من التعب

(3)

من لم يتجدد يتبدد.

يعبر الإمام المجدد عن استقامة الروح الخالص في مقابل اعوجاج البيانات الثقافية وانحرافها، وانكسارها، وتيهها، وغفلتها، إننا نعثر في مكتوباته على إخلاص للحقيقة في وحدتها وتجليها، وعن شفافية الروح واستقامة السر، كل هذا يجعل مكتوباته القلبية العالمة التي تركها مصدرا للرؤية المتجددة في اكتشافها وكشفها عن الحقيقة القرآنية.

فالكبار لا يرحلون..

لا تجد مكتوبا من مكتوبات الإمام  إلا ويحمل فيما يحمله  من رسائل حقيقة مهمة وهما مقيما ملك على الإمام وجدانه وهو علاقة هذه الأمة بقرآنها في وقت تعددت فيه مصادر الأخذ على أمة مغلوبة على نفسها، وعلى مثقف بائس مسكين يرضع صباح مساء مما يحلبه من ثدي الثقافة السطحية المنسحبة الناطقة باسم منطق الساحة البئيس، الخالية من روح القرآن، وروحانية المسجد، الممتلئة مما تنقله الفضائيات المتلصصة من أعلى السطوح من خبر الناس، وضجيج صراعاتهم، وتهافت التحليلات المضيعة للمبنى والمعنى، فيما بقي الإمام في محراب القرآن المتجدد المتدفق، مشرفا من برج سعادته الدائمة المتتلمذة على الحقيقة القرآنية التي لا يأخذها كسوف ولا يسترها حجاب، على واقع الناس ناظرا إليه بإيزاء القرآن، ومن أعالي التاريخ لا من أسافله، فالجهاز العلمي إن ابتعد في مفاهيمه ومقاصده عن الحقيقة القرآنية تحول إلى ركام وصب في نهر داء الأمم كما يذكر ذلك الإمام المجدد.

فالإمام ياسين يكتب بعبارات مشحونة بالمعنى، فكلما ازداد الإنسان قربا من مصدر الوحي وشمسه ازداد من نفسه بعدا، وتحقق بربه قربا، والمنقطعون عن هذه الروح القرآنية المتسامية يتسافل بهم التفكير فتستفزهم الأحداث ويهرعون وراء كل صيحة يعتقدونها الخلاص، ولله در من قال: الباطل يستعير الألسنة ولا يوردها موردها، والحق لا يستعير لسانا من غيره.

طالع أيضا  هراجة: سؤال الأخلاق وبناء المفهوم والمرجعيات (فيديو)

مكتوبات الكبار وإن استجدت أمور، وتغيرت أحوال، باقية بقاء روح الفهم المنهاجي المتتلمذ على مائدة الوحي، حية متّقدة، فلا عجب فتلك هي سمات كتب المجددين المؤيدين المأمورين، تتغير الأحوال والظروف وتبقى آلة الفهم والدرك لأحوال الناس وحركاتهم، وتقلب مصائر الأمم، وإنما العلة علة فهم وتلق وجلوس في مدرسة الوحي، وافتراق صحبة عن جماعة، هذه القراءة الفاحصة تعيش مع الأحداث ولا تستفزها، وتراقب مجاري الساحة الواقعية، بقلب مطمئن ولكن بعين فاحصة، مستخلصة الدروس والعبر، راسمة خطة العمل ومشروع الخلاص الفردي والجماعي.

إن الفرق شاسع بين من يكتب مجددا للخلافة على منهاج النبوة، وبين من استهوته الأحداث واستفزته، ونظر في علاقات العباد وهو في غفلة عن رب العباد. ياحسرة على العباد!

اللهم ارزقنا الهمة والأدب والتصديق.

هبت عواصف الأقدار.

هذه الجادة فأين من يسلك؟

الطريق طويلة متعرجة: عقبة، فالزموا غرز الصحبة المبارك، وادعوا الله أن يمسك وحدة الصحبة والجماعة أن تزولا، وأحكموا الزمام، ورددوا مع شاعر الدعوة الإسلامية المبارك وليد الأعظمي رحمه الله:

كن رابط الجأش وارفع راية الأمل ***وسر إلى الله في جد بلا هــزل

وإن شعرت بنقص فيك تعرفــه ***فغذ روحك بالقرآن واكتمــــل

وحـارب النفس وامنعها غوايتهـا***فالنفس تهوى الذي يدعو إلى الزلل 3

ومن روائع ابن الجوزي رحمه الله:

لا تنظر إلى جولة الباطل وارتقب دولة الحق إذا رأيت منافقا قد اتبع فتذكر ‏”‏الدجال”‏ غدا و‏”‏السامري”‏ بالأمس 4.

وأنت تتأمل في دلالات ذكرى الرحيل تذكر: ذكرى الوداع وخطبة الوداع، فاذرف الدموع الغزار، واستقم وترجل واخرج من نفسك خطوات، وواصل المسيرة في جد بلا كسل.

 واركب مطايا الجد، ولا تنظر إلى طول الطريق وإنما تلمح المقصد.

فليكن زادنا للجهاد تقوى الله، وليكن هجيرنا لا إله إلا الله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وإخوانه من بعده.

وعلى الإمام المجدد وعلينا وعليكم السلام والرحمة. 


[1]

أرحل – إرحالا- أرحل: كثرت «رواحله»، اي جماله الصالحة للأسفار والأحمال.

– أرحلت الجمال: سمنت بعد هزال وضعف فأطاقت الرحلة.

–  أرحل الجمال: راضها حتى صارت رواحل.

– أرحله: أعطاه راحلة. معاجم اللغة.


[2] المنظومة الوعظية، ص41.
[3] ديوان الشعاع، ص. 162.
[4] اللطائف، ابن الجوزي رحمه الله.