كان ممن يسرهم الله تعالى لي في درب الحياة، وساقتني القدرة الإلهية للتعلم بين أيديهم والاغتراف من أدبهم وعلمهم، الأستاذ الجليل ذو القدر الرفيع، والنسب الشريف، والخلق الجميل، والمعشر اللطيف، والسيرة العطرة، سيدي محمد العلوي السليماني (1931-2008)، والذي حلت ذكرى وفاته الحادية عشرة في الثاني من دجنبر رحمه الله، وهي مناسبة للبوح والاعتراف بفضل الله علينا بأن تربينا على أمثاله من الرجال الأفذاذ، وكما كان يكرر دائما. إن الله يسأل عن صحبة ساعة.

فقد كان يحملنا الشوق أيام الجامعة لزيارته وصحبته لسويعات ببيته بحي المسيرة بمراكش، وكان موعد الزيارة في الغالب بعد صلاة العصر بمسجد قريب من بيته، أو بلقاءات مطولة حيثما تيسرت، وكنت أحس بروحانية كبيرة عند اللقاء به، كان رجلا ربانيا تسبقه الدمعة عند ذكر الله، وتفيض من قلبه الكريم الرحمة يستشعرها جليسه، ومن لسانه تصدر الوصايا الربانية. كان يخاطبنا خطابا بسيطا يفهمه العقل، ويأنس به الفؤاد، وتقر به العين، وكلما التقيناه لقينا بالأحضان، كما يلقى الوالد ولده الآتي من غربة بعد طول غياب، وكان يوصينا وصايا موقن بأنها طريق الخلاص.

من وصاياه رحمه الله أن يداوم كل واحد منا على تجديد العهد مع الله، وأن تكون له حاجة مع الله، وكثيرا ما يكرر السؤال هل لك حاجة مع الله؟ ويسأل عن الوالدين ويحث على البر بهما، ويوصينا ونحن طلبة بالتحصيل الدراسي، وبخفض الجناح لبعضنا البعض، وهو الرجل المربي المدرك لما بين الأقران من منافسة وندية وتصادم الطباع أحيانا، ومن أعظم ما رأيته بعيناي واستحييت منه حتى غلبتني الدمعة، أنه زرناه يوما وكان قد توصل بشريط جديد فيه كلمة للأستاذ عبد الواحد المتوكل، وصعدنا معه إلى غرفة في بيته، وقال لنا هذا رزقكم أنتم من أوائل من سيشاهد هذا الفيديو، ولما شاهدناه وتبادلنا الآراء حاوله، ودعا معنا بدعواته المباركة، أزف وقت الانصراف و سبقنا إلى الباب، وبدأ يهيئ لنا ويصفف الأحذية، وأشفقت عليه، رجل فاق السبعين في عمره ويحني ظهره بمشقة، ليهيئ لشباب في عنفوان الشباب أحذيتهم، وتواردت على ذهني الأسئلةّ؛ أي تواضع، وأي خفض للجناح، وأية رحمة سكنت قلبك أيها الولي؟

طالع أيضا  كلمات وداع

وأما عن سلوكه فكان وقافا عند كلام الله كثير التدبر للقرآن، يأخذ القرآن بنية العمل والتنفيذ، ومن دعائه “اللهم اجعلنا وأحبابنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه”، ومن أعظم ما رأيت في سلوكه أن جسده نشيط في العبادات، وهمته عالية تسبق همم الشباب، في السبعين من عمره وما رأيته يوما يصلي جالسا، أو متأخرا عن مواعيد قيام الليل، سباق دائما حاز مرتبة السبق، يهتم بأحوال الشباب ويتعهدهم باليد الحانية، والعطف الأبوي، في لقائك الأول معه يترآى لك كأنك كنت تعرفه منذ زمن بعيد، القلوب مستعدة لتجلسه على عرشها، لله ذر الولي ورجل الصفاء والوفاء والعطاء.

رحم الله سيدي محمد العلوي السليماني، ورفع مقامه وقدره في الجنة عنده، وجعله في مقعد صدق عند مليك مقتدر.