يبدو أن علاقة المغاربة مع الشمع علاقة قوية للغاية وذات بعد رمزي بالغ الأهمية..
ففي لحظات الفرح والرومانسية والاحتفال بشكل عام، يتم إيقاد الشموع، واعتبار ألسنة اللهب في رؤوسها رمزا للحميمية والسمر الجميل والمحبة، والدلالة القوية على القرب والبساطة والعطاء بلا حساب..
والشمع يأخذ دلالات عدة أيضا في مخيال السلطة السياسية كما عند الشعب، بحيث صار عنوانا لتأبيد سلطة الأضرحة والزوايا في إسناد الحكم، ومن ثمة أصبح شراء الشمع، بمثابة إعلان ولاء واتباع وتسليم وليس مجرد إنارة كانت الحاجة إليها ماسة للغاية في وقت من الأوقات، وكان شراء الشمع وتقديمه لخدام الضريح دلالة محبة وصدقة جارية لمن يحتاج إلى الضوء..
وصلت اضواء الكهرباء واستمرّت مع ذلك سلطة الشمع صامدة..
ولعلّ هذا الولع بالشموع، والتي عاشرها المغاربة إلى حدود السنوات الأخيرة في البوادي التي لم تصلها خيوط الكهرباء إلا مع الهواتف وصحون اللاقط الرقمي، صار سمة عامّة، يراهن عليها الشعب بقدر ما تراهن عليه السلطة، ويسعيان، كل من زاوية نظره في توظيف رمزيته وتحميلها معاني القيم التي يدافع عنها.
فالشعب يحمل الشموع رمزا للأمل، وهو يقف من جديد ترحما على أرواح الشهداء، وإحياء لذكرى لا يريد أن يطالها النسيان، ويحمل الشموع احتجاجا على عنف الدولة، وحزنا على سجناء تمّ السطو على أعمارهم في المعتقلات والسجون الرهيبة، كما يحمل الشموع في الحفلات والأعياد، تجديدا لعهد، وإعلانا لفرح، وتشبثا بأمل، وإحياء لنبض، وما ذكرى المولد النبوي الشريف ومسيرات الشموع التي يحاربها المخزن جاهدا في المدن المغربية عنا ببعيد..
أما السلطة فقد كانت ولا زالت توظف الشموع حين تموّل شراءها مع هدايا الأضرحة والزوايا، في تثبيت الولاء التام، وأخذ الشرعية الدينية، وتنزع نحو تفعيل سلطة المنع والقمع والتشميع، أي الختم بالشمع الأحمر كما تنص بنود القانون، ولكن إثر حكم قضائي، أو قرار إداري واضح ومعلل.
لكن نظامنا السياسي، استهوته كثيرا لعبة الشمع، ولكنه الشمع الأحمر هذه المرّة وليس الأبيض، ولا يتعلّق الأمر بشمعة الحب الحمراء الكبيرة التي يضعها عاشقان بينهما متلألئة لتتّقد اللوعة أكثر، أبدا، بل بهواية أثيرة وغواية مثيرة، تبنّاها النظام المخزني منذ سنين طويلة، فراح يشمّع بيوت المواطنين بلا سند قانوني ولا شرعي، وبلا أحكام قضائية ولا قرارات إدارية معلنة ومعللة، بل بمجرد اقتحامات سريعة بتكسير الأبواب، والإقامة لساعات طوال، كأن الأمر يتعلق بمسرح جريمة معلومة، وجب فحصها وأخذ العينات المطلوبة، ثم ختمها بالشمع الأحمر، دون إخبار أهل الدار بذلك، ولا تعليل الفعل بشكل مسطري قانوني..
لا أعتقد أنه مجرد نزوع طبيعي لسلطة لا ترى أنها ملزمة بتبرير قراراتها وتعليلها بالنصوص القانونية، ولكن الأمر يتعلق بالشمع الأحمر، وليس الأبيض كما قلنا، الشمع الأحمر، برمزية الأحمر للخطر والممنوع والدم والخوف، الأحمر يصير سلطة خوف وإرهاب دولة تحتكر العنف وتمارسه بغض النظر عن القانون أو الدستور، لا شيء يجبرها على احترام القانون، لا شيء..
أظنهم كانوا يقصدون بالعبارة الشائعة “تقطير الشمع” هذا النوع من الشمع بالضبط، فالعبارة إضافة إلى دلالتها على الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام، ترمز إلى الإمعان في رؤية الضحية وهو يتعذب ويعاني وينكسر ويخاف وينكمش ويخضع بشكل مطلق، بمعنى أن “تقطير الشمع” على الخصم هو التلذذ بتعذيبه وليس تعذيبه فقط، وهو ما يحيل إلى النفسية السّاديّة التي لا تقنع بإحكام السيطرة على الخصم بالقوة، بل تريد أن ترى أثر الخضوع والخنوع والارتعاب في عينيه، وهو بالضبط ما تحرم منه جماعة العدل والإحسان ومعها أحرار هذا الوطن، النظام المخزني وهو بصدد ساديته المفرطة اتجاه مناضلين سلميين لا يملكون إلا أفكارهم وأصواتهم وقلوبهم الطامحة لمستقبل أفضل وديمقراطية حقة ومواطنة ترتفع عن مفهوم العبودية التي يريد المخزن أن يرهن في قيودها أجيالا بعد أجيال من المغاربة.
لكن الشمع الأحمر، ليس مجرد نزوة أو وجه آخر مخفي للنظام السياسي في المغرب الحزين، إنه الوجه المكشوف، والاستراتيجيا المعلنة والوحيدة التي يتقنها ويحقق فيها نتائج ملموسة مقارنة بكل المجالات الأخرى التي ينحدر فيها المؤشر إلى ذيل الترتيب المخزي الفاضح.
بمعنى آخر، أن سياسة الشمع الأحمر، هي سياسة عمومية، تطال البيوت كما الأشخاص، كما التنظيمات، كما المجالات، وانظروا معي كيف تم الختم بالشمع الأحمر على وجود الصحفيين: علي المرابط، أبو بكر الجامعي، بوعشرين، المهداوي، وآخرين غيرهم. وانظروا أيضا هل بإمكان أي مستثمر أن يطرق باب الاستثمار المحتَكَر في بعض المجالات. كما تم الختم بالشمع الأحمر على العديد من الفنانين، الذين رفضوا بيع أصواتهم والمتاجرة في رسالتهم الفنية: أحمد السنوسي (بزيز)، رشيد غلام، معاذ الحاقد… وانظروا أيضا كيف تمطّطت سياسة الشمع الأحمر، لتطال الاحتجاج في الشارع على أبسط الحقوق والاختلالات، لتروا كيف حكم القضاء بقرون من السجن على شباب الريف السلميين لمجرد تظاهرهم من أجل بناء مستشفى للسرطان وجامعة قريبة، يشترك في هذا شباب الريف مع جرادة وغيرها من المدن..
وآخرها إخراس صوت سكان الدواوير المهدمة على رؤوس أصحابها في الدار البيضاء بالسجن والمتابعات القضائية المرهبة..
إنها سياسة الشمع الأحمر التي يعيش المغاربة آثارها الوخيمة بحزن وخوف وغضب، دون أن يستطيعوا لحد الساعة توحيد كلمتهم لإيقاف دوّامتها المسعورة التي تتجه بنا إلى منحدر خطير للغاية، لا قدّر الله، إن لم نتدارك أمرنا، ونجمع كلمتنا، ونترك خلافاتنا الصغيرة، ونتداعى إلى بناء جبهة ديمقراطية موسّعة لمقاومة تغوّل النظام وشمعه الأحمر..

طالع أيضا  العدل والإحسان بالمضيق تستنكر اقتحام وإغلاق بيت الأستاذ مستيتيف دون سند قانوني