القاعدة الثالثة: الدعوة إلى الله تعالى.. شدائد وعقبات

قال الله تعالى: وإنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قَالَ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) سورة الجن.

قال الإمام القرطبي رحمه الله: “وقال ابن جريج:  يدعوه أي قام إليهم داعيا إلى الله تعالى”.

وقال الحسن وقتادة وابن زيد: “يعني لما قام عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، وأبى الله إلا أن ينصره ويتم نوره” (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي – تفسير سورة الجن).

وقال الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله: “والكلام على التشبيه، أي كاد المشركون يكونون مثل اللَّبد (أي متزاحمين) متراصين مقتربين منه يستمعون قراءته ودعوته إلى توحيد الله. وهو التفاف غيظ وغضب وهممٍ بالأذى، كما يقال: تأَلبوا عليه .

ومعنى “قام”: اجتهد في الدعوة إلى الله، كقوله تعالى: إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا في سورة الكهف (14)” (التحرير والتنوير – تفسير سورة الجن).

فالدعوة إلى الله تعالى تعترضها عقبات شداد، ويقف ويتكتل أمامها أعداء الله تعالى جماعات منظمة، فتحتاج إلى قوة إيمانية ثابتة الأصل ممتدة الفروع، لا تتزعزع بأي نوع من أنواع الرياح والهجمات، هذه القوة هي التي تساهم في قطف الثمار كل حين بإذن الله تعالى.

لا نعتقد أن الدعوة إلى الله تعالى سير في طريق معبد خال من الأشواك، وإلا لمَ هذه الدعوة؟!

الدعوة إلى الله تعالى فطام الناس عن شهوات النفس، وفطام المستبدين عن أكل أموال الناس وسلب حقوقهم، وهل يسكت الطفل المفطوم عن الصراخ؟! بل هل يبقى الظالم مكتوف الأيدي وهو يرى أن الأموال والحقوق التي كان يأخذها غصبا عن أصحابها تذهب من بين يديه؟! الطفل يقاوم بالصراخ كي يجبر أمه على التراجع عن  الفطام وهي أدرى بمصلحته، والظالمون يواجهون من يدعونهم للرجوع إلى الله تعالى ورد المظالم لأصحابها بالتنكيل والتعذيب والتضييق على الأرزاق، وفي النهاية الحسم يكون دائما للأقوى.. ومن أشد قوة ممن تمسك بالله تعالى وأناب إليه…

طالع أيضا  ثلاثية في الدعوة المؤثّرة المُغيِّرة

إن استسلمنا لعقبة ظلم المستبدين وتكتلهم، وفرطنا في دعوة الله تعالى، حِدْنَا عن منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وضللنا الطريق، فأنى نصل!

القاعدة الرابعة: الدعوة إلى الله تعالى اتباع للرسول ﷺ ومنجاة من الشرك

قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) (سورة يوسف).

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “فمن دعا إلى الله فهو على سبيل رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو على بصيرة وهو من أتباعه، ومن دعا إلى غير ذلك فليس على سبيله  وليس على بصيرة ولا هو من أتباعه” (التفسير القيم).

بعث الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ليكمل الدين الذي جاء به الأنبياء والمرسلون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وقد سبق التذكير بقول الطاهر ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: “وفي الآية دلالة على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين آمنوا به مأمورون بأن يدعوا إلى الإيمان بما يستطيعون”، فتبين أن كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالدعوة إلى ما دعا إليه عليه الصلاة والسلام بقدر ما يستطيع، ولا ينبغي له أن يتخلى عن الدعوة حتى لا يخرج من دائرة أتباعه صلى الله عليه وسلم فيخرج من أمته.

وهل يعجز الإنسان عن تذكير غيره بقول لا إله إلا الله وتحققها في قلبه حتى ينجو من براثن الشرك، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: “كانَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يعرِضُ نفسَه على الناس في الموسِمِ فيقول: ألا رجُلٌ يحمِلُني إلى قومه، فإنَّ قُريشًا قد منعوني أن أبلِّغَ كلامَ ربِّي” رواه ابن ماجه.

طالع أيضا  بعض أصول الدعوة من خلال وصايا لقمان لابنه

وعن طارق بن عبد الله المحاربي رضي الله عنه قال: “رأيتُ رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مرَّ في سوقِ ذي المَجازِ وعليهِ حلَّةٌ حمراءُ وهو يقول: يا أيُّها النَّاس قولوا لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تُفلِحوا، ورجلٌ يتَّبعُهُ يرميهِ بالحجارة قَد أدْمَى كَعبَيهِ وعُرقوبَيه وهو يقول: يا أيُّها النَّاسُ لا تُطيعوهُ فإنَّهُ كذَّاب، فقُلتُ: مَن هذا؟ قالوا: غُلام بَني عبدِ المطَّلب -أي: النبي صلى الله عليه وسلم -، فقُلتُ: مَن هذا الَّذي يتبعه يرميه بالحجارة؟ قالوا: هذا عمه عبدُ العُزَّى أبو لهب” رواه أحمد.

وروى البخاري في تاريخه والطبراني في الكبير واللفظ له عن مُدرك بن منيب العامريّ عن أبيه عن جده رضي اللَّه عنه قال: “رأيت رسول اللَّه – صلى الله عليه وسلم – في الجاهلية وهو يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا، فمنهم من تفل في وجهه، ومنهم من حثا عليه التراب، ومنهم من سبّه، حتى انتصف النهار فأقبلت جارية بعسّ (قدح كبير) من ماء فغسل وجهه ويديه وقال: يا بنية لا تخشي على أبيك غلبة ولا ذلة، فقلت: من هذه؟ قالوا: زينب بنت رسول اللَّه – صلى الله عليه وسلم -، وهي جارية وضيئة”.

فلا يمكن أن نكون من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم دون أن تتحقق فينا أخلاقه من صبر وشجاعة ومصابرة العدو في سبيل دعوة الله تعالى، وكيف لا يصبر عليه السلام على كل أنواع الأذى في سبيل دعوة الله تعالى وهو على بصيرة ويقين من تحقق موعود الله تعالى بنصر دينه وإظهاره. فحري بمن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق به ورأى إظهار الله تعالى دينه في العالمين، حري به أن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته، وأن يصبر على كل الشدائد والمحن التي يتعرض لها حتى يتحقق موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم على يده، موعود الخلافة الثانية على منهاج النبوة ونيل مقعد الصدق مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. والحمد لله رب العالمين.

طالع أيضا  رسائل سريعة إلى أبناء وبنات العدل والإحسان