في الجزء الأول من هذا المقال تحدثنا عن أن المشاريع الإصلاحية التي تضعها وزارة التعليم (التوجيه التربوي نموذجا) ليست وفية للرهانات الكبرى للرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار، وفي الجزء الثاني تناولنا الخيارات التربوية من خلال مقاربة المشروع الشخصي، وفي هذا الجزء الأخير نناقش وضعية الموارد البشرية.

الموارد البشرية… أزمة حافزية وإنصاف مهني

لا يمكن أن يختلف اثنان على الدور الحاسم للموارد البشرية والكفاءات المهنية في إنجاح وتنزيل أي مشروع أو إصلاح. فهي تشكل الفاعل المباشر والحلقة الفعلية، الشيء الذي يتطلب إرادة وتحفيزا وإبداعا لتجاوز الإشكالات والعوائق وتحقيق مردودية أكبر. لذلك فقد شغل موضوع تحفيز الأفراد الكثير من الباحثين حيث بدأت تتبلور عدة نظريات للحوافز منذ بداية القرن العشرين. من أهمها النظرية الكلاسيكية لفريديريك تايلور التي ترتكز أساسا على الأجر المادي؛ فكلما ارتفع هذا الأجر كلما زادت حافزية العامل. ثم نظرية الحاجات الإنسانية التي أسسها أبراهام ماسلو وتعتمد على الاستجابة للحاجات والدوافع الكامنة في ذات الفرد حيث أن الدوافع غير المشبعة هي التي تؤثر على سلوك الفرد وإنتاجيته. ثم نظرية الحاجة للإنجاز التي تؤكد أن الموقع الاعتباري يكسب الفرد دافعية ذاتية للإنجاز. ثم نظرية التوقع لفيكتور فروم والتي ترى أن ترقب الإشباع الداخلي وتوقعه يعتبر عاملا أساسيا في حفز الفرد على العمل ورفع إنتاجيته.

السؤال الذي يطرح، هل تعمل الوزارة على مراعاة شرط الحافزية والإنصاف لدى مواردها البشرية أم أن هذا الأمر غير وارد في برامجها الإصلاحية؟ وبشكل خاص ما هي درجة الحافزية والإحساس بالإنصاف المهني التي يوجد عليها أطر التوجيه التربوي المفترض أن ينخرطوا بقوة ودافعية في تنزيل مخطط إرساء النظام الجديد للتوجيه وتجاوز إكراهاته؟

إن الشعور السائد وسط مستشاري التوجيه التربوي هو أنهم الفئة الأكثر تضررا وتهميشا بين مختلف الفئات التربوية الأخرى. فرغم سلسلة من الإضرابات والوقفات الاحتجاجية لم تبادر الوزارة لوضع ملفهم المطلبي على طاولة التداول مع الشركاء الاجتماعيين الذين يتبنوا قضيتهم. مطلبهم الأهم هو توحيد إطاري هيئتهم (مستشار في التوجيه / مفتش في التوجيه) في إطار واحد هو “مفتش في التوجيه التربوي”. فأكبر ضرر يستشعره هؤلاء الأطر يبدأ في لحظة تخرجهم من مركز التوجيه والتخطيط التربوي حيث يحرمون من التخرج بإطار مفتش في التوجيه. ويعتبرون ذلك ظلما وإخلالا بمبدأ المساواة في المسارات المهنية. ويتساءلون؛ كيف يمكن لأساتذة التعليم الابتدائي والثانوي التأهيلي أن يتخرجوا مفتشين بعد سنتين من التكوين بمركز التفتيش، في حين أن أساتذة التعليم الإعدادي لا يسمح لهم بالتخرج بنفس الإطار بعد سنتين من التكوين في مركز التوجيه والتخطيط التربوي؟؟ حيث يفرض القانون أن يجتازوا مباراة ثانية وتكوينا آخر لمدة سنتين إضافيتين ليحضوا بإطار مفتش، وليستفيدوا من تعويضات مماثلة وأداء أدوار اعتبارية داخل المنظومة تتلاءم مع تكوينهم المتميز. بل حتى قاعدة تغيير إطارهم إلى مفتش بعد مرور عشر سنوات من التخرج من مركز التكوين والتي كان معمولا بها، قد تم إلغاؤها من النظام الأساسي منذ 2003، في حين مازالت فئات أخرى تستفيد منها. فيسود شعور بأن وزارة التربية تعاقبهم على سنوات التكوين التي قضوها في مركز التوجيه والتخطيط التربوي بدل أن يشكل ذلك قيمة مضافة للتشجيع والاعتراف والاعتبار، وتقوي تعويضات إطار مستشار في التوجيه هذا الشعور حيث أنها لا تتعدى 230  درهم  في حين قد تصل عند فئة أخرى إلى 1500 درهم.

طالع أيضا  تدخل أمني في حق موظفي وزارة التربية الوطني حاملي الشهادات تخلف إصابات متفاوتة

ثم هناك سؤال يطرحه هؤلاء الأطر؛ هل تحتاج منظومة التوجيه التربوي إلى ازدواجية: مفتش ومستشار، في حين أن المفتش في التوجيه كفيل بأداء مهام الاستشارة والتأطير والمساهمة في تنزيل المشاريع التربوية وتتبعها، من خلال فرق عمل يشرف عليها منسقون محليون وجهويون كما هو معمول به في عدة منظومات تربوية دولية. عدم الحاجة لهذه الازدواجية ظهرت بشكل جلي من خلال تداخل الأدوار التي وزعها القرار الوزاري الجديد بين إطاري الهيئة، حيث يبدو أنها تتكرر بينهما بصيغتي “التأطير” و”تقديم الدعم التقني”. فمن مهام مستشار التوجيه تقديم الاستشارة والدعم التقني لكافة المتدخلين في عملية التوجيه من إدارة تربوية وأساتذة رئيسيين، وتنسيق أعمالهم مع أنشطة المساهمين من خارج المؤسسة، فضلا عن تقديم الاستشارة للتلاميذ ومواكبتهم. فماذا بقي لمفتشي التوجيه أن يؤطروا، أليست المهام الموكولة لمستشاري التوجيه من تنسيق وتقديم الاستشارة والدعم التقني هي عمق التأطيرا والمواكبة؟ يبدو أن القرار الوزاري بهذا التوزيع الاعتباطي للأدوار أراد تدبير أزمة الازدواجية الحاصلة بدل حلها من جذورها بتوحيد الإطارين بما يوفر أجواء عمل أكثر إيجابية، ويعطي حافزية في بعدها المادي (تايلور) والاعتباري (ماسلو) في ذات الوقت.

وضع آخر يعكر الأجواء وسط هذه الفئة وهو ارتفاع معدل التأطير في صفوف التلاميذ. ذلك أن المذكرة 22 التي تنظم العمل بالقطاعات المدرسية، والتي افتقدت للواقعية والإشراك حسب أطر التوجيه، فرضت عليهم تأطير جميع التلاميذ في جميع المؤسسات التعليمية داخل المديريات الإقليمية، فارتفع عدد التلاميذ المؤطَّرين ليتجاوز ببعض المديريات 4000 تلميذ لإطار التوجيه الواحد في عدد من الثانويات التي قد تتجاوز الخمسة وتكون مترامية المسافات. فعدد هام منهم يتنقلون لعشرات الكيلومترات بسياراتهم الخاصة لتغطية المؤسسات الموجودة في المناطق النائية بخدمات التوجيه التربوي، وهي التنقلات التي تحفها الكثير من المخاطر والمصاريف التي يتحملها إطار التوجيه دون اعتراف ولا تعويض. لذلك فإن مزيدا من الإثقال بمهام جديدة كتلك التي جاءت بها الإجراءات الإصلاحية يعني مزيدا من التذمر وعدم الارتياح.  خاصة إذا استحضرنا مهام أخرى تتجلى في مساهمة هؤلاء الأطر في تنزيل برامج مصلحة تأطير المؤسسات التعليمية وبعض مشاريع مصلحة الشؤون التربوية ومصلحة الامتحانات وغيرها. ويتساءل أطر التوجيه في تعليقهم على المهام التي أضافتها لهم الإجراءات الجديدة؛ كيف يمكن لإطار توجيه أن يؤطر 60 قسما، وكيف يقدم الاستشارة لـ 60 أستاذ رئيس؟؟ وهي أرقام نسبية قابلة للارتفاع من إقليم إلى آخر. وإن كانت الوزارة تعد برفع عدد أطر التوجيه من خلال تكوين 100 إطار جديد سنويا لتغطية الخصاص المهول، فإنها تغفل نسبة التقاعد المتزايدة في صفوفهم والتي قد لا يعوض هذا العدد المضاف إلا الشيء القليل منها.

طالع أيضا  في العنف المدرسي

مما يطرح معه سؤال: هل أنجز واضعو النظام الجديد للتوجيه دراسة ميدانية للوقوف على هذا الوضع؟ أم أنهم انطلقوا من تمثلات شخصية أو تصورات تمتح من الحس المشترك العامي حول واقع يغلي ويعيش ظلما وإحساسا بعدم الإنصاف؟  فكيف ستكون درجة انخراطه وفاعليته وإبداعه لإنجاح هذا الورش الكبير برهاناته السامية؟ وأين مشاريع الوزارة من مختلف النظريات المؤطرة لحافزية الفاعل سواء على المستوى المادي أو الاعتباري أو فتح الأفق من أجل ترقب واقع أفضل؟

من أجل أفق أفضل:

إن الوضع الذي وصلت إليه منظومة التربية والتعليم لم يعد يحتمل الارتجال أو الإهمال، فالناظر لمآلات الإخفاق على مختلف القطاعات المجتمعية يدرك أن المغرب مفتوح على سيناريوهات صعبة تتطلب جدية أكبر في إعداد مشاريع الإصلاح ونضجا وتطورا يوازي تطور المجتمع. لذلك أجدني أردد مع محمد السوالي في كتابه “السياسات التربوية الأسس والتدبير” أن “زمن الإصلاحات الكبرى والبراقة للنظام التربوي والمفروضة من قبل السلطات العليا في الدولة قد ولى، وصار في طي الماضي، حيث تتطور، بالأحرى ابتكارات محدودة يتلوها بعد ذلك توسيع أو تعميم. وتقتضي، بالضرورة، إعادة التنظيم هاته، مجموعة من التقويمات قبل وبعد إنجازها، متبعة بذلك المسار الكلاسيكي المعروف: التجريب والتقويم ثم التعميم”. إنها دعوة واضحة للواقعية ولبناء المشاريع من الممارسة التحتية التي تستدمج الواقع في وجودها وشهودها، وتنمو معه وبه في سيرورة تقويمية تطوره وتهيء له شروط النجاح خطوة خطوة. وهذا يعاكس منظور التلقين الفوقي المنفصل عن القواعد. أمام الوزارة عشرية أخرى للتدارك، يجب أن تبادر عاجلا لتغيير عقلية إملاء المشاريع المستنسخة وتجدد ثقتها في ذاتها وفي أطرها لتطور بالمقابل آليات للبناء المشترك. وهذا ينبغي أن يؤسس له على مستويات أكبر حيث ينتظر ترسيخ قيم الديمقراطية التشاركية بدل سلطة الاستفراد.

طالع أيضا  فساد المنظومة التعليمية