قصة قصيرة كنت أرجو أن تكون مجرد تخييل بعيد عن الواقع:

أولا: لا يتعلّق الأمر ببناء مجسمات صهيونية على غرار ما وقع في نواحي مراكش، ولا يتعلّق الأمر أبدا بتطبيع ثقافي تدشنه بعض الأسماء المغرّر بها علنا، ولا يتعلق حتى بوجود معرض فلاحي مغربي يستضيف بضائع قادمة من الكيان الصهيوني، يحتج عليها مناضلون فيتم الزج بهم في السجون..
الأمر بسيييط، تقريبا.. تقريبا.. ويتعلق بستة شباب جلهم ما دون 18 سنة، موهوبين في الرسم، لجأوا إلى تزيين جدران إسمنتية مهجروة لقنطرة توقفت فيها الأشغال قبل سنوات، بناء على احتجاجات سكانية رأتها لا تليق حتى بالثعالب وحتى الأرانب.. “باش يبقى كلشي على خاطرو”..
المهم..
“أسيدي كنت كالس، ما عليّ ما بيّ”.. حتى جاءني اتصال من الضابط المداوم، لألتحق بمفوضية الشرطة..
– “آاااالله؟ !! وعلاش؟؟”
– “ولدك راه معانا على قِبال شي صباغة وشي رسومات”..
ذهبت إلى الكوميسارية، وسلمت على السيد عميد الشرطة وبعض الضباط، واستفسرتهم عما يجري، فأخبروني بأنهم أحضروا ستة شباب في السطافيط، بسبب رسمهم على الجدران، ولما استفسرت عن طبيعة الرسومات، أخبرني أحد الضباط بأن الأمر يتعلّق بنجمة “الراية الإسرائيلية” وهو أمر لا يليق أن يُرسَم، فأجبته بأن تلك الراية تستحق أن يداس عليها بالأقدام وتمسح بها الأحذية وليس أن تمسح من اللوحة ما دامت هذه اللوحة تحمل إدانة للكيان الصهيوني وجرائمه، وهنا تدخل السيد العميد ليوضح أن الأمر يتعلّق بضرورة احترام القانون، وسلوك المساطر الإدارية لإنجاز الرسوم في الحيطان، وافقته على الأمر بطبيعة الحال، وعقّبت بأن المسألة لم تكن تستدعي أن يُحْمَلَ شباب قاصرون في السطافيط ويتم الاتصال بآبائهم و”قتلهم بالخلعة” ليتم إيصال الفكرة، كان يمكن التعامل مع المسألة بأخذ معلومات عن الشباب فقط في عين المكان، ونصحهم في إطار أدوار تربوية مأمولة ومفترضة من المؤسسة الأمنية المغربية التي لا يعرف منها المواطن مع كامل الأسف إلا الجانب الضبطي والعقابي والزرواطي..تفهّمت هاجس المسؤولين الأمنيين، وأثنيت على بعض جهودهم الطيبة في المدينة، وتمنّيت فعلا لو يتم ضبط شأننا الأمني في هذا الوطن بهذه اليقظة في كل جوانب حياتنا البئيسة في هذا البلد، وخاصة مسألة الكريساج والشبكات الإجرامية، وأماكن الفساد المعروفة للجميع.

الجدارية كما أبدعها التلاميذ


بعدها دخلت لرؤية الشباب، فسلمت عليهم وحاولت رفع معنوياتهم بعد أن رأيتهم واجمين،
بعد دقائق حضر السيد الباشا ومعه السيد القائد، قدمّهما إليّ السيد العميد فسلمت عليهما، وحينها وجّه السيد الباشا كلمة إلى الشباب بطريقة هادئة وذات نفس تربوي طيّب والحقّ يقال، ودعاهما إلى ضرورة احترام القانون، وسلوك المساطر، وتوعّد شخصيا بالتعاون معهم ودعمهم، وهنا تدخّلت للتوضيح بأن الجداريات صارت عرفا عالميا وليس فقط في المغرب، وبالتالي فهي لا تحتاج إلى ترخيص كباقي أعراف أهل البلد، خاصة وأن الأمر لا يتعلقّ برسوم خادشة للحياء أو مسيئة للأشخاص أو المؤسسات، وهو ما كان ينبغي التعاطي معه بعيدا عن إثارة كل هذه الضجة، من نقل تلاميذ في السطافيط والاتصال بآبائهم، إضافة إلى أن المدينة التي تعاني من غياب فضاءات (الصحيح أفضية) لتأطير الشباب وصقل مواهبهم، في ظل أزمة العمل الجمعوي، والتضييق على الجمعيات الجادة.. (مناسبة هذا الكلام ملاحظة أن الأمر اقتضى تدخل مختلف مسؤولي المدينة في مسألة صغيرة كان ينبغي التعاطي معها ببساطة حسب رأيي، بحيث يتم نصح الشباب في المكان نفسه، بالانخراط في الجمعيات واتخاذ بعض الإجراءات الإدارية، والاتصال ببعض الفنانين أو المثقفين لاحتضانهم وتوجيههم، وليس توقيفهم وحملهم إلى الكوميسارية، فالأمر يبدو أنه فعلا سوء تقدير بناءً على تحليل غير دقيق للواقعة أو تحميلها ما لا تحتمل من توجّسات).
وبعد ذلك، تم الاكتفاء بتسجيل بعض المعلومات عن التلاميذ الموقوفين، وإطلاق سراحهم، فحملتهم في سيارتي إلى بيتي لمواساتهم والتضامن معهم، وأنا أرجو ألا يشكل لديهم هذا الموقف كابحا أو مشوشا في مسارهم الفني، فهم لا زالوا شبابا في مقتبل العمر، ولا يجب أن يكون هذا الحدث عائقا لهم عن مواصلة صقل مواهبهم وتطوير ميولاتهم وممارسة حريتهم في الإبداع والتفاعل مع الفضاء الموحش لمدينتهم ببعض التزيين والأنسنة..
أتفهّم تخوّفات السلطة، لكنّني أستحيي وأستغرب من طلب مسح راية إسرائيل، وأعتقد أنه كان هناك تسرّع في توقيف الشباب، وأرجو أن يكون الحدث مجرّد سوء تفاهم بسيط أو تقدير متسرّع قليلا، لا يرقى إلى أن يكون عقلية وإرادة لكبح جماح الشباب بالمدينة وقمع طاقاتهم الإبداعية، كما أتمنّى أن يتم التعامل بحذر وانفتاح أكبر مع الشباب، كي لا يتم تقديم المزيد من الحطب إلى نار التهميش والإقصاء التي تأكل نفوس وحياة أبناء هذه المدينة..

الجدارية بعد أن وقع تشويه ملامحها


وفي الأخير، لي رجاء أن تلتفت بعض الجمعيات التي حباها الله بالمعافاة من هوس الركض المجنون، قبل الأوان نحو الانتخابات المقبلة، إلى الاهتمام بهؤلاء الشباب والعناية بهم واحتضان مواهبهم.. وشكرا.

طالع أيضا  الدولة المغربية تخالف الإرادة الشعبية وتشارك في "ورشة البحرين" الإعدادية لـ"صفقة القرن"