هذا يومك يا أبا معبد. ها قد حضر الموت. وكأن ما بينك وبين مولدك في حضرموت إلا قدر حضور وموت. يوما أو بعض يوم. كم رجوتَ الموت شهيدا بين يدي رسول الله لتنال بركة دعوته لك وصلاته عليك ويبشركَ مسجًّى بثوب تنكشف منه ساقك يسترهما نبات الإذخر كما سبق إلى ذلك مصعب بن عمير خفيفَ الحاذِ سابقا مهاجرا غير مبدل..

لقد كنتَ الفارس الوحيد في يوم بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، تجيل نظرك فلا ترى حواليك إلا فقراء مترجلين باعوا نفوسهم والله اشترى. خرجوا من ديارهم مشردين مطرودين، يجمعهم الإسلام وحب رسول الله وصحبته على الحياة والموت والمنشط والمكره، وعلى الإيثار وعلى الأثرة واليسار والإقتار يصنعون فجر تاريخ جديد صادق، لا كزيف الجاهلية الأولى ولا كزخرف الفتن المقبلة كقطع الليل..  

وها أنت تموت في فراشك وترجو أن تنال الشهادة التي وعد بها سيدي أبو القاسم أربعة في غير ساحة الجهاد. المطعون شهيد. وصاحب الهدم شهيد. والغريق شهيد. والمبطون شهيد. وأنت مبطون ومبقور. غدرك ابن الرومية بطبه حين شق بطنك وفر عنك، لا تدري أخوفا من فعلته أم تسخيرا من عدو خفي. لا ضير. الموعد الله. الحمد لله موتك لم يأت على يد أحد من المسلمين يحاجني عند الله وقد ارتحلت الفتن مقبلة. الحمد لله يا أبا معبد. غدا تلقى رسول الله أو اليوم أو الساعة. أحس روح حضوره ورَوح مواساته الآن. أحس بردَ شفاعته قبل المحشر الآن. أغمض عينيك وتبسم وستراه. نورا في بهاء..

وكأن الليلة، هل تذكر، ليلة اللبن. لبن رسول الله الذي شربته حين عضك الجوع وأقعدك حتى لا تستطيع المشي على رجلين. لم تجد غير قدح رسول الله فطمعت في شربة فيها.. متعللا بأنه قد يكون في ضيافة الأنصار فيروح من عندهم ممتلئا. شربتها آمنا غضبة الرؤوف الحليم. حتى إذا أتممتها سقط في يدك. وبدا جرمك، وسول لك الشيطان بعد آخر قطرة أنك هالك لا محالة بدعوة تصيبك حين يلتمس رسول الله غبوقه بالليل إن عاد طاويا. تربصت خائفا في صفة المسجد، حتى أقبل الحبيب فسلم تسليمة تسمع اليقظان ولا توقظ النائم، ومد القدح إلى فمه. وأنت مرتعش مرتعد تتنظر صاعقة دعوته. لكن الرؤوف الرحيم حين لم يجد ما يبل ريقه قال: “اللهم اسق من سقاني وأطعم من أطعمني” فكأنه صب لبنا جديدا من عالم الغيب في عروق جسدك وروحك فطرت تلتمس شيئا له. فإذا ضرعُ عنزة حافل لبنا على غير عادته في جوف الليل وعدت تسقي منه رسول الله. وسقيته وسقيته وسقيته حتى تضلع منه ثم شربت سؤره وأنت تضحك فقال لك مداعبا: “إحدى سوءاتك يا أبا معبد؟” وحكيت له الخبر حتى قال لك: “هذه بركة منزلة من السماء أفلا أخبرتني حتى أسقي صاحبيك” فقلتَ له: “إذا شربتُ البركة أنا وأنت فلا أبالي من أخطأت..”

طالع أيضا  رجال نحبّهم

آه يا روح رسول الله. ويا حضوره. ويا أنواره التي ملأت الخافقين فهل من محيص. أبشر يا أبا معبد وقد وقفت وقفة عز يوم بلغت القلوب الحاجر. لما بلغ رسول الله عرق الظبية قبيل يوم الفرقان، ونادى في الناس بأبي هو وأمي يمحص عزائمهم في أمر القتال على غير موعد: “أشيروا علي أيها الناس!” فقام الناس وأحسنوا القول ثم قمت وكان لقولك أثر الفتل الجيد المتين في حبل اليقين. صرخت بملء فيك وأقوى ما فيك: “يا رسول الله! امض بنا لأمر الله فنحن معك، والله لا نقول لك مثل ما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والذي بعثك بالحق! لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تنتهي إليه يا رسول الله!” فتهلل وجه رسول الله واستنار، ودعا لك دعوة ما تحب أن لك بها حمر النعم..

لكنه لم يفتأ يربيك رغم قوتك في الحق. تذكر حين عدت من إمارة سرية، فلما لقيته عند قفولك لم يسألك عن الظفر والنصر والفيء، بل سألك سؤال التربية والعناية بجهادك الباطن الأكبر قبل جهاد الآفاق الظاهرة: “أبا معبد.. كيف وجدت الإمارة؟” فقلت صادقا أمام من لا ينجي أمامه إلا الصدق كيلا تهلك حين يأتيه خبر السماء يكشف طويتك إن خالفَتْ ظاهرك: “يا رسول الله.. كنت أحمل وأوضع حتى صرت أنظر إلى نفسي كما لو كنت فوق الناس، وهم جميعًا دوني..” فقال لك كلاما أنجاك اليوم لتموت وليس عليك تبعة: “هو ذاك فخذ أو دع..” فوعدته أن لا تتأمر على اثنين بعد اليوم..  

إيه يا أبا معبد.. جُد بنفسك اليوم. الحمد لله أنك تموت وتلقى حبيب الله ليس عليك خزي ولا ندامة، وعسى أن تكون أرضيتَ السابقين وترجو ذكرا طيبا في ملأ أو حين خلوة في دعوة رابطة من اللاحقين..

طالع أيضا  سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه