في الجزء الأول من هذا المقال تحدثنا عن أن المشاريع الإصلاحية التي تضعها وزارة التعليم (التوجيه التربوي نموذجا) ليست وفية للرهانات الكبرى للرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار، وفي هذا الجزء الثاني سنتناول الخيارات التربوية من خلال مقاربة المشروع الشخصي. على أن نخصص الجزء الثالث لوضعية الموارد البشرية.

المشروع الشخصي للتلميذ… على أي أساس؟

اعتمدت إصلاحات التوجيه التربوي الجارية على مقاربة “المشروع الشخصي للمتعلم”، واعتبرت أنها “هي السيرورة التي ينخرط فيها المتعلم من أجل تحديد هدف مهني يطمح إلى تحقيقه”. وأقرت بأنها “سيرورة ذاتية وداخلية للمتعلم، ذهنية ووجدانية ونفسية واجتماعية، مع إسقاطات مستقبلية لمساره الدراسي والمهني يعمل على عقلنتها باستمرار”. أي أنه بكل بساطة انخراط في المستقبل، وإسقاط للذات في مسار يحدده هدف، وبذلك تحضر المسؤولية الذاتية للمتعلم وقدرته على المبادرة والتوقع والتكيف (Huteau).

والحقيقة أن فكرة “المشروع الشخصي للتلميذ” ليست إفرازا تربويا مغربيا، ولا هي أخذت حظها من الدراسة والمواءمة العلمية والمنهجية التي تسمح بترجمة المفاهيم بعمقها وأبعادها النفسية والاجتماعية والتربوية من مجال سوسيولوجي إلى آخر. بل تم التعامل معها كآليات سطحية، فارغة من كل روح، قابلة للاستنساخ. إلا أن المطلع على النظريات التي أطرت هذه الفكرة على مدى أكثر من أربعين سنة سيصل إلى أن الأمر أبعد من أن يحصر في بعده التقنوي التبسيطي. لذلك نجد أن بوتيني Boutinet، وهو من أكبر الخبراء الذين قضوا حياتهم في دراسة “مفهوم المشروع” في أكثر من حقل معرفي، يشدد على أن تكوين المشاريع يتطلب علاقة خاصة بالعالم المحيط، والتي لا وجود لها في جميع الثقافات، حتى لو كان لدى جميع البشر نوايا وأهداف. وهو بذلك يحيل على البعد الأنتروبولوجي للمشروع الشخصي وتأثره بالثقافات التي تترسخ في المجتمعات ويعاد إنتاجها رغم التحولات التي تعرفها. إنها إشارة بالغة الأهمية تلزمنا ببحث دقيق حول مدلول المشروع في الثقافة المغربية، والخروج بخلاصات يفترض أن نجد لها صدى في تبني مقاربة العمل بالمشروع الشخصي داخل الفضاء التربوي باعتباره امتداد للمجتمع وخلفياته الثقافية والأنتروبولوجية. الشيء الذي لم يتم. وهذا في الحقيقة يسائل الكثير من المقاربات التربوية التي يتم استنساخها مغربيا بعد فصلها عن سياقها دون بدل جهد علمي دقيق على مستوى المواءمة والتوطين، ما يضعف الإرساء لأنه يبنى على أسس تقنية وليس على أسس معرفية إبستمولوجية للنظريات المؤطرة.

طالع أيضا  متذيلاً تقريرا دوليا.. مستوى تلاميذ المغرب صادم

الإشكال الثاني الذي يطرح بخصوص إرساء مقاربة المشروع الشخصي، هو ما حظ التقويمات التي خضعت لها هذه المقاربة في دول أخرى، وهل هناك احترازات لتجاوزها وعدم السقوط فيها؟ يقول فيليب بيرنود Perrenoud الأستاذ بجامعة جنيف، في تقويمه لمقاربة المشروع الشخصي، إن: “فكرة المشروع الشخصي للطالب تثير مشكلة قديمة جدًا في حلة جديدة لكنها لا تحلها”. ثم يتساءل “كيف نعلم شخصًا لم يطلب أي شيء ولا يرى قيمة لهذا الجهد؟”. إنه سؤال حقيقي. عندما نضعه في السياق المغربي، وفي وسط تعليمي الراجح فيه هو ضعف الحافزية لدى المتعلمين، فإن إلزام جميع التلاميذ بوضع مشروع شخصي مع ما يحيط به من غلاف زمني وتتبع ومواكبة/مراقبة، يعني أننا لم نفكر في التمثلات التي يختزنها التلاميذ حول الزمن الدراسي، حيث سينظر إلى كل ذلك كعبء ينضاف إلى أعباء أخرى لا غير. وهذا دليل آخر على أن الابتعاد عن الواقع والتنظير الفوقي لا يساهم في غرس المشروع بعمق وثبات في الأرضية التربوية. فلا يتوقع أحد، ممن يعمل في الميدان ويدرك ديناميكياته البسيكولوجية والسوسيولوجية، التجاوب التلقائي أو الشغف في تعاطي التلاميذ مع أمر يعد فيه الشغف والحافزية عاملان حاسمان. مييريو Meirieu يؤكد في دراساته حول العمل بهذه المقاربة سببا آخر لعزوف الشباب عن إنجاز مشاريعهم الشخصية. فهو يعتبر أنه إذا “كان لدى الجميع مشروع شخصي لتعلمه، فلا يعني هذا أنه سيتم إنجاز جميع المشاريع”. وهذا ينتج مقاومة ورفضا، ذلك أن التلميذ “يرفض الجهد، ويخاف من الفشل، خاصة الذي يأتي بعد التعلق بالآمال”، “فالرغبة ليست سوى شرطا لكنه ضروري بل حاسم”. والنتائج التي وقف عليها الباحثون هي “أن انخراط المتعلم في سيرورة المشروع لا يكون قويا وثابتا إلا إذا تمت الموازنة بين مبدأ اللذة وإغراء الفرار من المواجهة بمعرفة جديدة، خاصة عندما يقاوم الاستيعاب بسهولة”.

طالع أيضا  حدث الأسبوع: التعليم في المغرب والحاجة إلى "معجزة"

نحن إذن أمام جهد ينبغي أن يبدل من أجل إرساء مقاربة المشروع الشخصي في السياق المغربي، جهد بالتأكيد ليس تقنيا، أو على الأقل لا يبدأ تقنيا. وإنما هو تدقيق معرفي بحثي قفز عليه النظام الجديد للتوجيه واختزلت المقاربة في عمليات جد سطحية. صحيح أن مفهوم “المشروع الشخصي” أصبح العملة الأكثر تداولا في عدة مجالات وعلى رأسها المجال التربوي، لكن هذا لا يبرر تجاوز المصادر التي يتغذى منها، خاصة البعد السيكولوجي الذي يمتح من التيار الإنساني للسلوك، كما يعبر عن ذلك جوزيف نيتان Nutin، وخاصة في كتابه “نظريات الدافعية الإنسانية” الذي يلخص المثلث المفاهيمي “الحاجة ـ الدافعية ـ المشروع” التي اعتمدها بلوتيي Pelletier في تحديد سيكولوجية المشروع ومناهج بنائه في بنيات التوجيه التربوي. هذا على مستوى البناء المعرفي لمشروع “إرساء مقاربة المشروع الشخصي”.

أما على المستوى الإجرائي العملي، فالمشروع الشخصي لن يكون رحلة ممتعة للتلميذ ولا لمؤطريه، فهو جهد إضافي قد يتعرض للرفض والعزوف. خاصة أمام التنزيل المتسرع لفاعل جديد باسم “الأستاذ الرئيس”، في استنساخ آخر دون سابق إعداد وتأهيل ودراسة، رغم ما تعرفه المؤسسات التعليمية من شح في الموارد البشرية. فضلا عن ارتفاع المعدل التأطيري لأطر التوجيه التربوي. العائق الإجرائي الثاني هو عائق المعلومة خاصة ما يتعلق بسوق الشغل والمهن وبناء الحس المقاولاتي، فالمادة 11 من القرار الوزاري تؤكد على “ضرورة التعرف أكثر على مقومات الاقتصاد الوطني وآفاق الشغل الواعدة”، والمادة 16 تتحدث عن “توفير المعلومات الضرورية حول المهن والحياة المهنية” وهي عبارة ليست جديدة فقد ذكرت في الميثاق الوطني للتربية والتكوين وفي المخطط الاستعجالي، لكنها لم تلق طريقا للتجسيد لأن المعلومة الدقيقة والناجعة في بناء مشروع شخصي محكم لا يمكن أن يحصلها أطر التربية، بل هي وثائق وبيانات تصدرها الوزارات المعنية. فهل يوجد لدى هذه الوزارات نية لذلك أم ستظل المشاريع الشخصية تبنى على المعلومات المحصلة من المعرفة العامية بسوق الشغل؟ أما المادة 10 فتتحدث عن “إرساء تدريب استكشافي لوسط مهني خلال الدورة الأولى لفائدة المتعلمين بالسنة الثالثة من التعليم الإعدادي”، هل يبدو هذا ممكنا!!!  في ظل إكراهات النسيج المقاولاتي بالمغرب. وكيف يمكن تأمين تدريب ميداني لعشرات الآلاف من تلاميذ الثالثة إعدادي إذا كان طلبة الجامعات والمعاهد العليا ومراكز التكوين المهني لا يجدون مجالا لتداريبهم وهي جزء من تكوينهم؟

طالع أيضا  فرنسة تعليم العلوم فرنسة لمجتمع وتكريس للتبعية

أمام هذا الفقر المعرفي والتعثرات الميدانية يُخشى أن تتحول “مقاربة المشروع الشخصي” إلى حصص لتلقين مهارات إعداد المشروع دون إنجازه، تماما كمن يتعلم قواعد لعبة الكرة الطائرة لكنه لن يلعبها أبدا، إما لأنه لا يريدها أو لأن الكرة غير متوفرة. فمن سيتحمل مسؤولية ذلك؟ السياسات التربوية أم الإجراءات التنزيلية أم أطر التنفيذ المحلي؟