بقلم: أنس السبطي

لا تقتصر مواجهة الاستبداد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية على معارضة سياسات المستبدين ورفض ممارساتهم، حيث أن أهم ما يصطدم به أي تغيير جاد تلك العقليات التي نبتت وترعرعت على ثقافة الإذعان ومنطق تبرير الفساد، والتي تصبح كابحا أمامه ليبقى مجرد صرخة في واد، فحتى المجموعات المعارضة التي تتجاهل تلك الرواسب المجتمعية ولا تحدث قطيعة معها تكون حاملة للقيم ذاتها التي يفترض أنها جاءت لمحاربتها، فتصبح على المدى البعيد جزءا من النظام خادمة له ولمنظومة مصالحه وإن تبنت خطا راديكاليا تجاهه على مستوى مواقفها.

تلك العقليات المتجذرة في بيئتنا تشد عضدها ببعض المقولات الشعبية التي تحفر عميقا في وعي شعوبنا وتحركها لا إراديا باتجاه بقاء الأوضاع على ما هي عليه. من هذه المقولات مقولة “ما أنا إلا عبد مأمور” حيث تكرس واقع الإذعان للسلطة الغاشمة التي تظهر سيادتها المطلقة تجاه من تمارس عليهم قهرها والذين لا يملكون من أمرهم شيئا أمام ممارساتها، وهي كذلك تعتبر صك براءة من كل الأفعال والتصرفات مهما تجاوزت وحشيتها، فالجميع يتحججون بتنفيذهم للتعليمات.

فالعسكري والشرطي وباقي أفراد التشكيلات “الأمنية” يبررون استهدافهم وقتلهم للناس بدم بارد أو سلخهم لهم وإهانتهم في الشوارع أو في مخافرهم على أنها أوامر لا إمكانية لمخالفتها، والمسؤول الفاسد يبرر أي إجراء أو قرار مجحف يطال حقوق الناس وحرياتهم على أنه قرار فوقي، وخطيب الجمعة يسوغ قراءة خطبته المصاغة عند الدوائر الأمنية حتى لو كانت فرمانا قاتلا قد يجني على آلاف الأبرياء بحجة عدم استطاعته الامتناع عن تلاوتها وإلا فسيف العزل مسلط على رقبته، والإداري سواء علت رتبته أو تدنت لا يضن بتوقيعه على أي من الحالات التي تشرعن الظلم مؤثرا سلامته ومتذرعا بأنه لا يمكن أن يضحي بنفسه من أجل غيره، لينتقل كل هؤلاء وغيرهم من شهادة الزور إلى المشاركة الفعلية في تعسفات السلطة.

طالع أيضا  ماذا بعد الإقرار بفشل النموذج التنموي؟

النتيجة أن مساحة الظلم تتسع ولا تقتصر على فئة من النافذين في الدوائر الرسمية، حيث تتورط فيه فئات مجتمعية عديدة، الشيء الذي يؤدي إلى تعميمه في أوساط المجتمع ويحول أعضاءه إلى مجرد أدوات خاضعة مستسلمة لا روح فيها ولا إرادة لها ولا قدرة لها على المقاومة تماما كالأجساد الميتة بين أيدي مكفنيها.

الحقيقة أننا لم نبرح مكاننا بعد، فمنطق الرعايا والعبيد يظل مهيمنا رغم ما يبدو من تغير ظاهر في مجتمعاتنا ورغم الشعارات الحقوقية المتداولة من طرف النخب ومكونات مختلفة، حيث لا تزال الدولة تحتفظ بتلك الهالة التي تبلغ مبلغ القدسية عند الكثيرين منا.

صحيح أن فكرة معارضة السلطة قطعت أشواطا كبيرة حتى تراجع الخوف من سطوتها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، لكن هذا بالنسبة للبعيدين عن السلطة، أما في حالة الارتباط بشكل من الأشكال بها فإنه من النادر أن يتم التمرد على تمرير إحدى ممارساتها حتى أنك تجد المجتمع يبرر للبعض تلك الاصطفافات وقد يتفهمها باعتبار أن ليس بالإمكان أفضل مما كان وأنهم مرغمون على أفعالهم تلك، ذلك أن فكرة تعطيل قرارات الدولة الظالمة قبل نفاذها مسألة غير متخيلة.

الواقع أننا أمام جبرية غير مقبولة، فلا يمكن شرعنة الظلم مهما كانت الدوافع والمبررات، لكن في إطار التشوه المبدئي الذي طال النفوس والعقول أصبح المنطق معكوسا، حيث تحول الحفاظ على الذات ومكتسباتها مقدما على أي شيء آخر، فليس واردا عند الكثيرين أن تتم التضحية بأي من الامتيازات من أجل الآخرين حتى لو أدى ذلك إلى الاعتداء عليهم وعلى حقوقهم. ولا تسأل بعد ذلك عن الانتصار للمظلومين والمقهورين، فتلك شعارات ولى زمنها.
تجدر الإشارة إلى أن تعاظم النفوذ السلطوي ليس متعلقا فقط بالخوف منه، فطغيان الأنانيات من باب “أنا وبعدي الطوفان” كذلك يساهم في ترسيخ عدوان السلطة على قطاعات مجتمعية عديدة تحت غطاء العبد المأمور الذي لا يبالي بغيره.

طالع أيضا  د. بن مسعود: الحرمان ابن الطغيان وقرينة.. والمقاربة الرسمية لا تتجاوز الأعراض إلى الأسباب

الخطورة تكمن في أن الاستبداد بتوريطه لقطاعات مجتمعية في شرعنة ممارساته يشلها ويفقدها القدرة على الحراك حتى إذا ما استهدفها لن تجد من يتضامن معها بل إنها ستجد عبدا مأمورا آخر ينفذ بحقهم ما فعلوه بغيرهم مستخدما نفس التبريرات التي ساقوها من قبل، وهو ما يجعل المجتمع يتطاحن فيما بينه عوض توجيه سهامه للمتسبب الحقيقي عن كل مآسيه.