رمقت ولدي الذي كان يجالسني وأنا أتابع نشرة الأخبار، فرأيته مستغرقا في التأمل فقلت ما بالك؟ فيم تفكر؟ فرد علي: حار عقلي في فك طلاسم الأحداث، ففي كل يوم تصب علينا وسائل الاتصال وأدوات التواصل كما هائلا من الأخبار، ولا يستطيع عقلي الجمع بينها لفهم سياقاتها وتداعياتها على حياتنا ومستقبلنا، هذا فضلا عن تأثيراتها في أمزجتنا ونفوسنا. فأجبته بأن ما تقوله يا ولدي العزيز ليس بِدْعا من القول وأنت لست استثناء وسط الناس. فبالنسبة للغالبية منهم تبدو الأحداث التي تجتاح عالم البشر مُزَعا وشتاتا لا جامع بينها، أو على الأقل تبدو الروابط بينها غير مفهومة. ويصعب أن تجد عقلا انجمع فيه فهم السياق العام الناظم لوقائع العالم وأحداث الحياة البشرية. فالغالبية العظمى من الناس تنظر إلى الواقع من داخل سياقاته الصغيرة فيتفاعلون معها وينفعلون بها. وبهذا يتشكل وعيهم ويتحدد موقعهم ويتأسس نظام علاقاتهم ومواقفهم. وكل هذه الأخيرة تظل أسيرة الواقع المائج الهائج وعاجزة عن فك ألغازه وتفسير طلاسمه. وهذا ما يؤدي في نهاية المطاف إلى الاستسلام وإعلان العجز ورفع الراية البيضاء والانخراط في دواليب الواقع والتيهان في دروبه والانجراف خلف إرادة الفاعلين الحقيقيين فيه.

لكن القلة القليلة من ذوي النورانية القلبية واليقظة العقلية، من يعلون سطح الواقع وينظرون إليه من شرفة عالية، فتتسع نظرتهم ويتجمع لتحليلهم وفهمهم من المعطيات ما لا يجتمع لغيرهم. ويقرأ هؤلاء الأحداث من خلال النسج بينها وربطها بالسنن الإلهية التي أقرها خالق الأرض والسماء. هؤلاء حصرا من يتفاعلون مع الواقع من موقع الفعل لا مجرد الانفعال ومن موقع التأثير لا مجرد التأثر.

تدرك هذه الثلة القليلة من خاصة الناس أن لا فوضى في الكون ولا عبث في الوجود خاصة البشري منه، وأن ما يطفو على سطح الواقع لا يعكس بالضرورة الحقيقة الكامنة فيه. وتميز هذه الفئة بين الإيقاعات المختلفة للأحداث، الإيقاع الكوني والايقاع التاريخي والإيقاع اليومي. ويحكم هذا التمييز نظرتها إلى ذاتها وإلى الآخرين وكذا مواقفها ومواقعها السياسية والحضارية. وبين الفئتين المذكورتين بون شاسع وفرق هائل في الكثير من المميزات تنعكس على الفهم والموقف والإرادة والأثر في الواقع والتاريخ.

طالع أيضا  مداخل الفهم المنهاجي

والله عز وجل فاضل بين الناس في الكثير من الخصائص، واعتبر أن المحظوظين الحقيقيين هم من وفقهم العزيز الحكيم سبحانه للفهم عنه واتباع سبيله والاهتداء إليه. لذلك أودع الله تعالى هذا الكون أسراره وآياته وألهم الإنسان الاشتغال عليها بحثا وتنقيبا تحقيقا للعبودية ورغبة في الانتفاع بها لحياته.

يقول الله عز وجل في محكم تنزيله: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ 1. قال ابن زيد: “في الآفاق” آيات السماء “وفي أنفسهم” حوادث الأرض. وقال مجاهد: في الآفاق فتح القرى، فيسر الله عز وجل لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموما، وفي ناحية المغرب خصوصا من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعفائهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أمورا خارجة عن المعهود خارقة للعادات. “وفي أنفسهم” فتح مكة. وهذا اختيار الطبري.. وقال قتادة والضحاك: “في الآفاق” وقائع الله في الأمم “وفي أنفسهم” يوم بدر. وقال صاحب التفسير المنير : سنطلعهم على عظمة آياتنا وصدقها في أقطار السماء والأرض، وسيتبين لهم في المستقبل واقع ما أخبرناهم به من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية، وما يحققه المسلمون من فتوحات في أرجاء الدنيا على وجه خارق العادة”.

يحمل مفهوم الآية مجموعة من الدلالات منها:

* أنها وحدة قرآنية منفصلة عما قبلها وما بعدها بعلامة.

* وهي العبرة والعظة، يقول تعالى: فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون 2.

* كما أنها المعجزة، يقول تعالى: وجعلنا ابن مريم وأمه آية 3.

* وهي أيضا العلامة والأمارة، يقول تعالى: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت 4.

نحن أحوج ما نكون في جهادنا لإزاحة الباطل وإقامة صرح الحق في أنفسنا وفي الآفاق البشرية إلى الفهم عن الله. وحوالينا في كل لحظة وحين علامات وآيات المولى الحنان المنان، يكشف لنا في كل لحظة وحين عن آياته في الكون والخلق، لكن من يبصر ومن يلتقط الإشارات الإلهية؟ من يفهم عن الله؟ . وكأي من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون 5.

يقتضي الفهم عن الله نورانية في القلب ويقظة في العقل، فالله عز وجل هو من يكشف لخاصة عباده المعاني والأسرار استنباطا أو استبطانا، فهذا عطاء من الله وهو مسؤولية وأمانة. والعالم يعيش مخاضا عظيما تتلاطم أمواج القدر فيه، والكل بين تائه وحائر إلا المختارين الموفقين الذين يعلمون يقينا أن يد القدر الإلهي هي من تسوق الكون وفق إرادته جل وعلا إلى تحقيق موعوده؛ بإقامة دينه ونصرة المخلصين من عباده وإمائه. فما يحدث في العالم الآن من وقائع شتى علامات واضحة لكل ذي يقظة ولب أن وعد الله لعباده الصالحين ناجز وهو قيد التحقق تدريجيا وفق سنن الله تعالى.

طالع أيضا  فقه الاقتحام في "المنهاج النبوي"

لكن ما الذي يترتب عن الفهم عن الله بالنسبة للدعاة لنهضة الإسلام؟ هل يُذعِنون لمنطق الهزيمة ويبررونه باختلال موازين القوة لصالح أعداء الاسلام أم يَتِقون في وعد الله ويتشبثون به وينشغلون بإعداد العدة ليوم النصر والعزة؟ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم 6.


[1] سورة فصلت الآية 53
[2] سورة يونس الآية 92.
[3] سورة المؤمنون الآية 50).
[4] سورة البقرة الآية 248.
[5] سورة يوسف الآية 105.
[6] سورة الروم الآية 5.