الربانية: صفة العلماء العاملون

وردت لفظة الربانية في قوله تعالى ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون 1.

وقد ذهب أكثر آراء اللغويين في أصل الرّبّانية إلى أنه مأخوذ من الرّبّ؛ بمعنى الخالق الرازق المدبر أو من الرب بمعنى الإصلاح.

 قال أبو جعفر الطبريّ: وأولى الأقوال عندي بالصواب في ‘الربانيِّين’ أنهم جمع ‘ربَّانيٌّ’، وأنّ ‘الربَّانيّ’ المنسوب إلى ‘الرَّبَّان’، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، و’يربُّها’، ويقوم بها.

وقال بعضهم أيضا: وإنما قيل للعلماء ربانيون، لأنهم يَرُبُّون العلم، أي يقومون به، ومنه الحديث: (ألك نعمة تَرُبُّها) ويسمى ابن المرأة: ربيب، لأنه يقوم بأمره ويملك عليه تدبيره.

ومنه قول الزّبيدي في تاج العروس: الرَّبَّانِيّ: العَالِمُ المُعَلِّمُ الذي يَغْذُو النَّاسَ بصِغَارِ العُلُومِ قبلَ كِبَارِهَا.

أما الإمام الطبري فقد خلص في تفسيره إلى أن معنى الآية: ولكن يقول لهم: كونوا، أيها الناس، سادة الناس، وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم، ربانيين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراستكموه.

ومن كلام الزبيدي أيضا: … الرَّبَّانِيُّ: العَالِمُ الرَّاسِخُ في العِلْمِ والدَّينِ، أَو العَالِي الدَّرَجَةِ في العلم، (…) والربانِي: المُتَأَلِّهُ العارف بالله تعالى.

قال سيبويه: زادوا ألفاً ونوناً في الرّباني إذا أرادوا تخصيصاً بعلم الرّب دون غيره من العلوم، قال: وهذا كما قالوا: رجل شعرانيٌّ، ولحيانيٌّ، ورقابانيٌّ، إذا خُصَّ بكثرة الشعر، وطول اللحية، وغلظ الرقبة، والرَّبي؛ منسوب إلى الرّبّ، والرّباني، الموصوف بعلم الرّب.

ربما يضيق المقام للحديث بالتفصيل الشافي في مصطلح الربانية والمراد به في كتاب الله وسنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكذا لدى أهل العلم والتخصص، لكننا نستطيع إجمال ما جاء فيها من تفسيرات في أن المتصف بها لا يكون إلا عارفا بالله عالما بدينه معلما له منافحا عن حرمات الله، قائدا وسيدا، صالحا مصلحا، وقبل هذا وذاك: متعلقا بربه لا يخاف فيه لومة لائم.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان تعزي في وفاة الشيخ عباسي مدني

قال الإمام الجليل ابن حجر العسقلاني صاحب الفتح الرباني: لا يقال للعالم ربّاني حتى يكون عالماً معلماً عاملا.

ولقد تمثل الرعيل الأول من الصحابة الكرام هذه الصفة أيما تمثل، إذ استطاعوا، رضي الله عنهم جميعا، وكذا من تبع نهجهم من أئمة الأمة من بعدهم بين التزكية والجهاد، بين هم مصير العبد عند الله في الدار الآخرة وبين الاهتمام بأمر الأمة المحمدية، قال الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه تعليقا على الآية الكريمة التي قال فيها عز وجل: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، قال رضي الله عنه: “أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله عز وجل: وأنفقوا في سبيل الله… الآية. والإلقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، فلم يزل أبو أيوب مجاهدا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية، فقبره هناك. فأخبرنا أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأن الآية نزلت في ذلك. وروي مثله عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك” 2.

ومن التزكية ما أوردته كتب السير عن أحوال خير القرون رضي الله عنهم، حتى أنهم كانوا ليتباكون خوفا من مكر الله وعذابه، وإن منهم لمن بشر بالجنة وإن منهم لمن شهد بدرا.

فالربانية بهذا، صفة واتباع لسيرة خير الخلق أجمعين، محمد صلى الله عليه وسلم، والربانية منهج سار عليه خير القرون.

ولقد تحدثنا في المقالات السابقة عما ضاع من أمة سيد الخلق، من خلافة على منهاج النبوة وشورى وعدل، لكن وبموازاة كل ذلك كان هناك انحدار آخر مس الشخصية الإسلامية حيث بات النموذج الصحابي الرباني يتناقص جيلا بعد جيل.

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة –درس من التاريخ– (5)

ثم إنه من الثابت أن ميزة جيل الصحابة الكرام كان فريدا لما تلقاه من تربية على يد وبمعية وصحبة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم. 

عن أنس بن مالك قال لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، ولما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. 3

قال عبد الرحمن المباركفوري في: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي عن هذا الحديث ما نصه: (أضاء منها) أي: أشرق من المدينة (كل شيء) بالرفع على أنه فاعل أضاء، وهو لازم وقد يتعدى (أظلم) ضد أضاء (وما نفضنا) من النفض وهو تحريك الشيء ليزول ما عليه من التراب والغبار ونحوهما (وإنا لفي دفنه) أي: مشغولون بعد، والجملة حالية (حتى أنكرنا قلوبنا) بالنصب على المفعولية، قال التوربشتي: يريد أنهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه من الصفاء، والألفة لانقطاع مادة الوحي وفقدان ما كان يمدهم من الرسول -صلى الله عليه وسلم- من التأييد والتعليم ولم يرد أنهم لم يجدوها على ما كانت عليه من التصديق. انتهى. وقال في اللمعات: لم يرد عدم التصديق الإيماني بل هو كناية عن عدم وجدان النورانية والصفاء الذي كان حاصلا من مشاهدته وحضوره -صلى الله عليه وسلم- لتفاوت حال الحضور، والغيبة.

إنها نورانية الحضور بين يدي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ممزوجة بإرادة الذود، بالنفس والنفيس، عن حرمات الله توسلا إلى ما عنده عز وجل في الدار الآخرة.

لكن السؤال هنا أين فقهاء/علماء المسلمين من هذه النورانية وهذه الإرادة؟

لن نعود لما قلناه في إحدى مقالاتنا السابقة من أنه وبعد تمزق الإرث النبوي وتشبث كل فريق بجزء منه، حتى كان لحديث النبي صلى الله عليه وسلم أهل ولتقريراته أهل. كما لأعماله وأحواله صلى الله عليه وسلم أهل، اهتم كل منهم ببابه تجميعا وتنقيحا واجتهادا، نعم، لكن في معزل تام عن ما عند الآخر بل ومنهم من أخذ يطعن في ما عند صاحبه.

طالع أيضا  العلماء وبناء الأمة وصناعة التاريخ

لقد بات “اتباع” سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومن تلاه من خلفاء مهديين مجزأ، مما استحال معه تمثل الشخصية الربانية القيادية الجامعة.

بل ومع تطاول العمر زادت حدة هذا التشتت حتى صارت الأمة غثاء، والعالم صامت قاعد.


[1] آل عمران الآية 79.
[2] ذكره القرطبي في تفسيره.
[3] وهو حديث أورده الترمذي في جامعه.