كلما حلت ذكرى الاستقلال بهذا البلد الحبيب في 18 نونبر من كل عام، أو ذكرى مطالبته بالاستقلال في 11 يناير من العام الموالي، إلا وتذكر فيها من له الغيرة على هذا البلد كفاح أسلافنا الذين فدوه بأرواحهم ابتغاء تحرير أرضه وأهله من ربقة المحتل والمخرب ـ لا المعمرـ الغاشم الذي سنحت له الفرصة والظروف وقتئذ ـ ولازالت للأسف ـ لنهب خيرات بلدنا وسلب حرياتنا وسلخنا من هويتنا العربية والإسلامية، فرحم الله من قضى منهم نحبه، وبارك فيمن بقي، وتقبل سبحانه جهادهم، فلا غرو إذن أن يتخذ هذا التاريخ ذكرى وطنية.

لكن: لئن كانت هذه مناسبة لإعادة فتح صفحة من صفحات كفاح المغاربة ضد المحتلين، وعرض مشاهد تؤرخ لذلك، وتخصيص خطبة الجمعة التي تسبق تاريخ هذه الذكرى لها، لئن كانت كذلك، فهي أيضا مناسبة يتجدد معها طرح سؤال الاستقلال، فعن أي استقلال نتحدث؟

 إن الاستقلال قسمان؛ داخلي وخارجي، فالحديث عنه يقتضي الإشارة إليهما معا:

الشق الأول: سؤال الاستقلال الخارجي:

لا يماري كل ذي لب اليوم في أننا لم نستقل أو لنقل لم نسترح إلا من آلات المحتلين العسكرية التي داست وأبادت إبان العقود الخمس الأولى من القرن المنصرم العباد والبلاد في الحواضر والبوادي على حد سواء من غير رقيب ولا حسيب، وهكذا دأب الغزاة، لا يرقبون في مستضعف (“إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون”)، فإن كان معنى الاستقلال مختزلا في إبعاد الآلة العسكرية الاستعمارية عن إهلاك الحرث والنسل في رقعة جغرافية ما، فنحن مستقلون، أما إن كان معنى الاستقلال هو عدم تحكم الآخر في مقاليد الأمور والتبعية له في جميع المجالات، فلنطرح أكثر من علامة استفهام على استقلالنا؟؟؟

عن أي استقلال نتحدث ومناهج التعليم عندنا ضدا على هويتنا ولغتنا؟

طالع أيضا  د. متوكل: النظام يضيق على الجماعة لأنها تصر على فضح الفساد ومقال "جون افريك" مشين

عن أي استقلال نتحدث والفرنسة وتغريبها وتخريبها كانت ولا زالت الأسلوب الممنهج في شتى قطاعات مغربنا “المستقل”، فجل الوثائق فيها مفرنسة.

عن أي استقلال نتحدث والقوانين الفرنسية ومدوناتها هي شريعة قضائنا وغيره في الشغل والاقتصاد والسير… و…؟

عن أي استقلال نتحدث والمغرب لا يملك حتى ضبط ساعته على توقيت غرينيتش فبالأحرى تقرير مصير الصحراء؟ أما سبتة ومليلية فقد طواهما التجاهل أو كاد.

عن أي استقلال نتحدث والبنك الدولي فاعل بنا ما يفعل الأسد بفريسته حين يحكم قبضته عليها فلا أمل لها في الفرار، ثم ينهشها نهشا دالا على وحشيته؟ فعن أي استقلال نتحدث والحالة هذه؟؟؟

الشق الثاني: سؤال الاستقلال الداخلي

وا أسفاه على المقاومة والمقاومين، والتحرير والمحررين، من كانوا أيام الاحتلال العسكري للمغرب هم الأعزاء بمقاومتهم وصمودهم، ها هم اليوم أذلاء تحت يد طغمة أغيلمة من بني جلدتنا لا لوعة لهم ولا غيرة على هذا القطر الحبيب، ومن أين تكون لهم وهم المُغَرَّبون المخَرَّبون، متربِّعون على كراسي المسؤوليات يذلون أهله ويبتزونهم ويقمعون علنا وبلا هوادة كفاءاته وأطره، بل حتى جنوده الذين رابطوا لسنوات على حدوده، وكل من احتج مطالبا بحقه في العيش الكريم ب”المغرب المستقل”، وعلى مرأى ومسمع من المحررين والمقاومين وآهاتهم يفوتون أراضيه الغالية إربا إربا ليلا ونهارا إسرارا وجهارا لأبناء من أزهق آباؤهم أرواح أسلافنا، ولغيرهم من الدخلاء، ولا يخفى في هذا الصدد على القاصي والداني ما يقع في طنجة والصويرة ومراكش وأكادير وتارودانت وغيرها من تفويت باسم الاستثمارـ وإن كنا لسنا ضد الاستثمارات النافعة للبلاد والعبادـ  لمبانيها القديمة وللهكتارات الشاسعة في ضواحيها، بل امتد التفويت إلى الخدمات الأساسية والبنيات التحتية والقطاعات الحيوية  كالصحة والماء والكهرباء في كثير من المدن؛ وما ليديك في البيضاء، وريضال في الرباط، وأمانديس في طنجة، وشركات النظافة والنقل فيها وفي كثير من المدن إلا أظهر دليل على التسلط والاستبداد والتآمر بين الداخل والخارج الذي نرزأ تحت وطأته، تفويت بسرعة مذهلة وتسهيلات في إجراءات ذلك تنم عن إجرام سافر وممنهج في حق خيرات وعباد هذا البلد الأبي، وخيانة ما بعدها خيانة لمقاومة أهله الباسلة، محققة هذه الشرذمة بذلك قولة الملك الراحل الحسن الثاني: “المغرب بلد جذوره في إفريقيا وثماره في أوربا”، كما أن هذا التفويت ما هو في الحقيقة إلا  ترجمة مخزنية فعلية صريحة لشعار “طي صفحة الماضي”، إذ يقول بلسان حاله  ـ عكس لسان مقاله ـ أطووا عنا صفحات كفاح ودفاع رجالات هذا البلد وأسلافه، ومرحبا بالمشترين لبره وبحره، لتشيد عليهما الملاهي والمقاهي المحتضنة لشتى المناهي.

طالع أيضا  تعليق على خطاب يوليوز 2019

إذا كان أسلافنا قد انتزعوا بدمائهم بلدنا من قبضة المحتلين، فهو اليوم في مسيس الحاجة إلى من يحرره من قبضة المترفين والمفسدين والعابثين، فاللهم يا واحد يا قهار، يا ناصر الأخيار، وقاصم الأشرار، ول أمور هذا البلد خياره وفضلاءه، واكفه أشراره وسفهاءه، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. آمين.