لا زالت موجة الاحتجاجات الشعبية مستمرة في البلدان العربية الإسلامية، في أجواء يشبهها المراقبون بموجة ثانية للربيع العربي، حيث أسقطت إلى حد الآن رئيسين ورئيس حكومة. فبعد أن استقرت الأوضاع نسبيا بالسودان، وهدأت الاحتجاجات بالأردن ومصر، لا زالت الاحتجاجات مستمرة بكل من الجزائر ولبنان والعراق.

وتشابهت الشعارات المرفوعة بالساحات العامة رغم تباعد المسافات الجغرافية، مختلفة في لهجاتها مترادفة في همومها الاقتصادية والاجتماعية، مطمحها تغيير حقيقي وملموس، فقد رفع الجزائريون شعار “يتنحاو كاع” بمعنى يرحلوا جميعا، وهو نفسه “كلن يعني كلن” بالساحات اللبنانية، و”شلع قلع، كلكم حرامية” بساحات العراق الذي يعني اقتلعوهم من الجذور، كلهم سارقون.

في لبنان دخلت الاحتجاجات يومها الثامن والعشرين منذ اندلاعها منتصف أكتوبر المنصرم، وبعد أن خفتت الاحتجاجات عقب استقالة الحكومة ورئيسها، عاد آلاف المتظاهرين إلى الساحات مجدداً في عطلة نهاية الأسبوع الماضية تحت شعار «أحد الإصرار»، وذلك بعد كلمة متلفزة لرئيس الجمهورية اعتبرها المحتجون “مستفزة”، حيث دعاهم الرئيس إلى العودة لمنازلهم وإلا ستحصل “نكبة”، وقد أدى التظاهر بعد الكلمة إلى سقوط أول شهيد برصاص الجيش اللبناني بمدينة بيروت، مما أججّ الأوضاع ودفع بالجيش إلى فتح تحقيق بالموضوع. ولتتواصل بعدها الاحتجاجات وتستمر في بلد الأرز طلبا للكرامة والعدالة ورفضا للطائفية المقيتة والاستبداد الخائب.

أما في العراق، خرجت جموع المحتجين بالعديد من المدن العراقية التي تطالب بضرورة التصدي للفساد، حيث اندلعت المظاهرات بشكل عفوي منذ بداية أكتوبر الماضي لتعم كل البلاد، ولم تتعامل معها السلطات إلا بعنف شديد وذلك بإطلاق النار بشكل مباشر على المتظاهرين، ليتعدى عدد الشهداء 300 شخص فضلاً عن أزيد من 150 ألف جريح أغلبهم أصيب بأعيرة نارية منذ بدء الاحتجاجات، وذلك حسب الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلاسخارت، بالإضافة إلى الحجب المستمر للأنترنيت عن البلاد.

طالع أيضا  د. العلام: عودة الثورات تكون أقوى وأعمق من موجاتها الأولى

وبدوره واصل الشعب الجزائري انتفاضته ومسيراته الضخمة خاصة يوم الجمعة، ولم يكن تطاول الوقت إلا في صالح تكثيف الاحتجاج وترسيخ المطالب. فبعد أن تفجرت الاحتجاجات العارمة، قبل أشهر، بسبب ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مجدداً لولاية خامسة، ما أجبره على تقديم استقالته، ورغم وعود وإجراءات السلطة المتحكم من ورائها جنرالات العسكر، لا زال المتظاهرون مصرين في احتجاجات واسعة انضم لها مؤخرا حتى القضاة، على المطالبة بإسقاط جميع رموز السلطة في عهد بوتفليقة والعهود السابقة ومحاكمة كبار الفاسدين، فيما يسعى قادة الجيش على تنظيم انتخابات تنهي حركية الشارع.

ويعتبر عدد من المراقبين أن هذه الموجة الثانية قد استفادت كثيرا من الأخطاء التي سبق وأن وقعت فيها شعوب الدول التي انتفضت ضد التسلط والاستبداد سنة 2011، حيث سارعت إلى الاحتفال بعيد إعلان الرؤساء تنحيهم، وإعلان الجيش تسلم مقاليد السلطة، فاستمرت في الاحتجاج معلنة صمودها حتى يتنحى كل من ارتبط اسمه بالنظام السابق، فيما يرى آخرون أن احتجاجات الربيع العربي لا زالت مستمرة وهذه التظاهرات الأخيرة جزء منها.

ومستفيدةً من الشبكات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، تسعى شعوب المنطقة إلى تبادل تجاربها بشكل ملفت، حيث انتقلت حملات مقاطعة البضائع من الجزائر لتنتقل إلى كل من موريتانيا والمغرب، بالإضافة إلى تناقل الشعارات وطرق الاحتجاجات المبدعة. وأتاحت الوسائل الجديدة للشعوب أن تتواصل مباشرة مع بعضها البعض، بعد أن كان التواصل يتم فقط على المستوى الرسمي وبين النخب.

البشائر الكبرى التي يحملها هذا الحراك العارم، هو أن المشاركين فيه يزدادون حرصاً على السلمية، ويسقطون اعتبارات الطائفية التي لطالما خوّفت الأنظمة شعوبها منها، ففي لبنان والعراق توجد طوائف وتيارات لا حصر لها، إلا أن ذلك لم يمنع الشعوب من أن تتظاهر، وأن تتلاحم في مطالب جامعة، تنبئ بأن مسار الوعي الذي يتراكم في المنطقة، ستكون نتائجه بالتأكيد ومهما طال الزمن، خيراً عميما على المنطقة بأسرها.

طالع أيضا  انقلاب في السودان.. والمتظاهرون يرفضون الحكم العسكري