مع كل محطة تقييمية لمنظومة التربية والتعليم بالمغرب، يتم التركيز على التعثرات التي يعرفها تنزيل السياسات الإصلاحية. فتكون خلاصات التقييم مرتبطة بالأداء التنفيذي للفاعلين على مستوى الإدارات الإقليمية والمؤسسات التعليمية والفصول الدراسية، في وقت لا تأخذ السياسات العمومية والقرارات المركزية التي أطرت هذا الإصلاح أو ذاك حقها من المساءلة وتمحيص النجاعة والفعالية والكفاءة. اليوم يعيش المغرب دورة إصلاحية جديدة (2030/2015) تعتمد “الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم” و”القانون الإطار 51/17 المتعلق بالتعليم” مرجعا لها. وقد عرف هذان الإطاران المرجعيان اعتراض الكثير من الشركاء الاجتماعيين والفاعلين مما أفقدهما شرط التوافق والإجماع، فضلا عن غياب مشروع مجتمعي مؤسس وأجواء سياسية مدعمة، ما شكل ضعفا ابتدائيا للمرتكزات الأساسية لانطلاقة إصلاحية حقيقية وجذرية للمدرسة المغربية بدل سلسلة “الروتوشات” التقنية المتتالية. وقد بدأت مؤشرات التعثر تظهر، عبّر عن بعضها تقرير الهيئة الوطنية للتقييم التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين (2019) الذي أكد “تأخرا ملموسا في أجرأت مقتضيات الرؤية الاستراتيجية” وشكك في إمكانية تحقق أهدافها في أفق 2030.

لنتجاوز الإشكالات المجتمعية والسياسية للإصلاح، ولنسائل التدابير والكيفيات التي تعتمدها الوزارة الوصية وملحقاتها لهذه الإصلاحات؛ كيف تصاغ القرارات المركزية؟ وما مدى التزامها وانسجامها مع الرؤية الاستراتيجية؟ كيف تتفاعل مع الواقع ومستلزماته وإكراهاته؟ وما هي إمكانات تحقيق الأهداف المرصودة؟

للإجابة على هذه الأسئلة سندرس حالة “مشروع إصلاح نظام التوجيه التربوي”، باعتباره أحد الأوراش التي تحظى بأولوية كبرى في الرؤية الإصلاحية، وبالنظر للرهانات الكبيرة المعلقة عليه والتي أخرجته من دائرة التهميش إلى واجهة الريادة. وسنعتمد في ذلك على النصوص الصادرة لحد الآن لمشروع “إرساء نظام مبكر وناجع ونشيط للتوجيه المدرسي والمهني والجامعي”. يتعلق الأمر بالقرار الوزاري بشأن التوجيه المدرسي والمهني والجامعي، وثلاث مذكرات وزارية تهم “إرساء العمل بالمشروع الشخصي في الثانويات” و”الارتقاء بالممارسة التربوية في مجال التوجيه” و”الأستاذ الرئيس”.

طالع أيضا  الإطارات التعليمية تشيد بالحركية النضالية في قطاع التعليم.. وتدين القمع الشرس لاعتصام "أساتذة التعاقد"

إجراءات الإصلاح… أية علاقة بالرؤية؟

إن العنوان الأبرز للرؤية الاستراتيجية هو “مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء”، حيث تشير الرافعة الثالثة من هذه الرؤية إلى ضرورة “تخويل تمييز إيجابي لفائدة الأوساط القروية وشبه الحضرية، والمناطق ذات الخصاص”. وينص القانون الإطار في ديباجته على أن جوهر القانون يستند إلى ركيزتي المساواة وتكافؤ الفرص. إلا أن القرار الوزاري الخاص بتطوير منظومة التوجيه غيب هذه المقاربة الاجتماعية مهملا بذلك الرهانات الأساسية لمراجع الإصلاح.

فالتقرير الصادر عن الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية (2018-2015) يتحدث عن استمرار ارتفاع الهدر المدرسي، إذ عرفت نسبة انقطاع المتمدرسين في الثانوي التأهيلي ارتفاعا لتصل إلى أكثر من 60% خلال سنة 2018. أما مؤشر الإنصاف المجالي فلم يتعد 59%. والحقيقة أن مجال التوجيه التربوي معني بشكل مباشر بالمساهمة في تحقيق العدالة الاجتماعية بالمدرسة المغربية، لأن آلياته قائمة أساسا على الانتقاء والاختيار والتصنيف وغيرها من الإجراءات التي قد تضيع فيها حقوق المتعلمين وآمالهم وأهدافهم وتؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على إنصافهم، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من هدر مدرسي وغيره. فكان الأولى أن يحظى هذا الجانب بمعالجة وافية تتناول التفاوتات المجالية والاجتماعية والنوعية وغيرها، وتأمين “الحق في التوجيه” الذي أكد عليه القرار الوزاري في مادته الثالثة، بإجراءات تصورية وعملية تحاصر كل ما من شأنه خرق الإنصاف بين أبناء المغاربة.

وينص القانون الإطار في مادته السادسة على “المسؤولية المشتركة بين الدولة والأسرة وهيئات المجتمع المدني، والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، وغيرهم من الفاعلين…”، وهي إشارة إلى ضرورة تبني المقاربة التشاركية وإعطائها قيمتها في التخطيط والتنزيل والتتبع انطلاقا من مبدأ المسؤولية المشتركة. لكن وزارة التعليم لا تأخذ دائما هذه المقاربة مأخذ الجد، فالنصوص التنظيمية الخاصة بإصلاح نظام التوجيه التربوي، لم تنتج عن إشراك فعلي للمعنيين المباشرين وغير المباشرين. حيث لم يتم التشاور بشأنها لا مع الشركاء المدنيين ولا المهنيين ولا الاجتماعيين، بل تمت صياغتها بعيدا عن رأيهم في ظروف معقمة ومغلقة بعيدة عن الواقع وغير مدركة لإكراهاته، ولا للعقبات التي يمكن أن يسببها هذا الانفراد بالقرار.

طالع أيضا  مسيرة تعليمية أخرى حاشدة في الرباط.. ولا حياة لمن تنادي

ومعلوم أن الكثير من المشاريع التي تمت بهذا الأسلوب كانت تصطدم بواقع لا يرتفع لينتهي بها الأمر في قائمة المشاريع الفاشلة، خاصة عندما يتم تغييب خبراء المجال الذين قضوا سنوات من التجربة العملية الميدانية والبناء الفكري والتصوري والاطلاع على التجارب الدولية بسلبياتها وإيجابياتها. ويتم بالمقابل الاكتفاء بعمل بيروقراطي يأخذ عن النظريات والمقاربات الغربية وكأنها آليات منقطعة عن بعدها الفيزيقي الذي نشأت فيه، قبل عرضها على عدد انتقائي ومحدود من الممارسين في شكل لقاءات تؤكد القاعدة وتوقع على الخيارات ليس إلا.

إن أكبر إشكال يطرحه غياب المقاربة التشاركية هو تنزيل الإجراءات الجديدة دون إخضاعها للتجريب والاختبار ولدراسة فرص النجاح وتحدياته. ولم تكتف الوزارة بعدم إشراك المعنيين من داخل منظومة التعليم في مشروع إصلاح التوجيه التربوي، بل إنها لم تستفد أيضا من المجال الذي فتحته الرؤية الاستراتيجية التي أكدت على مساهمة “الجماعات المحلية والترابية والقطاع الخاص ومختلف الهيئات العامة والخاصة” وتعاونها للنهوض بالمدرسة المغربية. ولا استفادت من القانون الإطار بما هو قانون عابر للقطاعات الحكومية بالنظر للتقاطعات الوظيفية للمسألة التربوية في النسق العام للمجتمع.

وهكذا فإن القرار الوزاري الخاص بالتوجيه التربوي غيب أيضا أدوار الشركاء من خارج منظومة التعليم. مما يجعلنا نتساءل هل فعلا هناك تعبئة شاملة لمختلف القطاعات للقيام بدورها في النهوض بالمنظومة التعليمية ببلادنا؟ خاصة مع مكون التوجيه التربوي باعتباره من الآليات الأساسية لربط منظومة التعليم بمحيطها حاضرا واستشرافا، وهي بذلك تحتاج بشكل مكثف إلى بناء علاقة واضحة وقوية ومستمرة مع عدة قطاعات أخرى، على رأسها القطاعات الاقتصادية والمهنية والاجتماعية والمدنية، التي من شأنها أن تغطي فراغات كبيرة في مجال التوجيه التربوي على مستوى المعلومة والتدريب والاندماج المرتبط بالمجال السوسيومهني. الشيء الذي لم نجد له تصورا واضحا في القرار الوزاري الخاص بالتوجيه التربوي.

طالع أيضا  النظام التعليمي المغربي وإعادة إنتاج التبعية والتسلط

إن هذا “التشريع” غير الوفي لروح المراجع (الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار)، يعطي الانطباع بأن إصلاح التوجيه التربوي يتم، في جزء مهم منه، خارج الزمن الإصلاحي الجاري. كما يثير أكثر من سؤال حول الارتباط التقني والتصوري المفترض بين السياسات التربوية وتوجهاتها المعلنة ورهاناتها الكبرى من جهة وبين الإجراءات العملية من جهة أخرى. ومعه استفهامات حول الكفاءات والشروط التواصلية التي ترصدها الوزارة لتأمين تقدم إيجابي في مختلف المشاريع. وهذا خلل يعمق من الاهتزازات البنيوية التي تعرفها تلك المراجع ويهيئ لنتائج بعيدة عن الانتظارات.