الشباب ربيع العمر، والرّبيع أفضل الفصول وأكرمُها لأنّه ثمرة بذرة الشّتاء ورحمتها، وبذرةُ ثمرة الصّيف وبَرَكتِها، فهو إذاً وسيطٌ بين زرعٍ وحصادٍ إذا كان خَلَفاً لخير سَلَف ليكون سَلَفاً لخير خَلَف. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى الشَّبَابَ قَالَ: «مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْصَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوَسَّعَ لَكُمْ فِي الْمَجَالِسِ، وَأَنْ يُفَهَّمَكُمُ الْحَدِيث فَإِنَّكُمْ خَلوفُنَا وَأَهْلُ الْحَدِيثِ بَعْدَنَا. قَالَ: -وَكَانَ يَعْنِي أَبَا سَعِيدٍ- يُقْبِلُ عَلَى الشَّبَابِ فَيَقُولُ: يَا ابْنَ أَخِي إِذَا شَكَكْتَ فِي الشَّيْءِ فَسَلْنِي حَتَّى نَسْتَيْقِنَ فَإِنَّكَ إِنْ تَقُمْ عَلَى الْيَقِينِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَقُومَ عَلَى الشَّكِّ» 1.

فالشباب وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ فلَزِم أن نَعْمَل بالوصيّة ونوصِيَ ونستوْصِيَ بالشّباب خيراً؛ ومِن وصيّته صلى الله عليه وسلّم أن يُوَسَّعَ للشّباب في المجالس، ذلك أنّ؛ خَيْر الشّباب في العِلم، كما أنّ خير الأطفال في الكُتّاب، وخير الشّيوخ في المسجد كما يُقال، ولأنّ الشّباب له قابليّة للتّنمية والتّقويم ما دام غضًّا طرِيّا يانِعا يافِعا واعِدا، قال الشّاعر – وحِكْمة ما قال -:

إن الغُصُونَ إِذا قَوَّمْتَها اعتدلْت * ولا يلينُ إِذا قَوَّمْتَهُ الخَشَبُ

“وأن يُفَهَّم”: توحي الكلمة وتُحيل على ضرورة احتضان هذا الشّباب مِن قِبَل الكِبَر سِنّا وسِرّاً؛ سِنّاً ممّا يدلّ على التّجربة والخبرة بالمقياس العُمْري، حيثُ مدرسة الحياة أطوارٌ ومُستويات، وفي كلّ مرحلة ومستوى يتعلّم الإنسان ويُحيطُ خُبْراً بما حولَه، ويتلقّى ويتدرّبُ ويتأهّل ليُصبِح بالمِقياس العُمَريّ 2. ذا حظّ مِن الله وسابقة وغَناء، فيصير أكبَر سِرّاً وأَقْدَر، كسَلَفٍ على تنشِئَة الخَلَف بما يُسعِفُه ألاّ ينطلِق مِن صِفْر، وأن يأخُذَ العِبْرة ممّن سبقه حتّى لا يتخبّط العَشماء ويتورّط الظّلماء، بل يسير وَفق ما وضعَه له أبَواه ومُعلِّموه ومُربّوه -والكُبراء بعامّة- مِن صُوى ومعالِم ومَنارات دالّة على الصِّراط المستقيم، فيمضِيَ على بيِّنة وبصيرة مِن أمرِه في طريق لاحِبٍ واضحٍ ناصِح راجِح، وإلاّ فـ “الطّريق المجهولة تكون الخطوات بها بطيئة” كما يقول الصّينيّون. مِن هنا جاءَ قول أبي سعيد رضي الله عنه: “فإنّكم خَلوفُنا وأهلُ الحديث بعدَنا”. “خَلوفُنا” أي مَن يحمِل المِشعَل بعدنا ويرفعُ اللّواء ويُواصِل المِشْوار مُقتَحِما العقبات، ومُواجِها التحدّيات بعِلم نافع مُنشِئ لِعَمَل صالِح، وهَمّ سَوِيّ، وعزمٍ قويّ لا ينثني، ولا يبقى رهين التمنّي.

طالع أيضا  بارشي: كيف نحتفل بمولد الرسول الكريم؟

“وأهل الحديث بعدنا” أي مَن يَسْمَع المقالةَ؛ مقالةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مِن فِـي مَن سَمِعَها مُسْنَدَةً مَرْويّةً عَمَّن سمِعَها صُحْبةَ مَن صَحِب، ورُؤية مَن رأى سلسلة نورانية ذهبيّة موصولة برسول الله صلى الله عليه وسلّم وآل بيته، وأهل صحبته لا ينقطِع لها خبر ولا ينمحي لها أثر، إحياءً لسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم عند فساد أُمّته، وتجديداً للدّين في ثاني غُربته، وإنزالا لقَدَر الله ووعْده الحقّ وموعود رسوله الصِّدق في آخِر أُمّته.

ومِسكُ خِتام كلام أبي سعيد عن اليقين. واليقين هو الإيمان كلُّه، وهو الوجه الثّاني والأهمّ مِن عُملة الإمامة في الدّين: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) 3.

وهل يوقن إلاّ مَن صار ثَمَرَةً طازجة حلوة طيّبة لزرع (أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) 4؟!

يقول الإمام المجدّد رحمه الله: «… نصيحتي إلى الشباب أن يعلموا أنّ كلّ خِطاب، وكلّ عمَل يحيد عن منهاج السنّة وعن شرعة القرآن، هو خطاب فيه ابتعاد عن الله عز وجل، فيه غفلة عن الله عز وجل» 5.

إنّ لربيع العمر الذي هو الشّباب في الرّبيع النّبويّ الذي هو مولد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أدوارا طلائعيّة عينيّة لا يمكن أن يقوم بها غيرُه، خاصة في إحياء السُنّة بعد المحاولات المغرِضة لِطَمس معالِمِها مِن قِبَل الملحدين والجاحِدين والحاقِدين وذلك:

أوّلا: بالعكوف على طلب العلم مِن مظانّه، ومِن عِند أهله خاصّة علوم القرآن والحديث.

ثانيا: بالعَمَل بما عَلِم وفَهِم مِن أهل العلم والفهم، حتى يكون مِن أهل العِلم للعمل لا العِلم للجدل.

طالع أيضا  محبته صلى الله عليه وسلم العروة الوثقى

ثالثا: بالدّعوة إلى العِلم والعَمَل دعوةً صامِتة بِحُسن سَمْتِه، وبِشر وجهه، ودماثة خُلُقِه، وإرادته وسعيه، وتواضُعه وخِدمته، وناطقةً بلسانه وقلَمِه صُحبةً للشّعب، ومخالطة للنّاس مُحلّيا ماءهم لا ذائبا فيه، مؤثّرا فيهم بنموذجية سلوكه السويّ على صراط مستقيم، لا متأثّرا بما لديهم مِن فِتن وعادات جارفة وأنانيات مستعلية متمتّعة وذهنيات رعويّة، مُوظِّفاً ما قَدَّر الله ويَسَّر إيجادَهُ مِن علوم العصر وثقافاته –بعد تنقيح وزيادة– ومِن وسائِل الزّمان والمكان بِقَدْرٍ مَضْبوطٍ، وبعد أخْذِ حيطةٍ وحَذَرٍ، وفيما فيه مَنْفعةٌ وإفادة فيما يُوَسِّع مَداركه، ويمكِّنه مِن امتلاك ناصية المعرفة بزمانه، والإقبال على شَأنِه بما يقتضيه ذلك مِن استقامة على الجادّة بجُندِية وجِدّية، وتَحَرٍّ للجدوى والفعّالية، وتَوَخٍّ للجِدَّة والجودة بنَفاسةِ تِبْر أصيلٍ مَتين، لا بحماسةِ تِبْنٍ مُشتعِلٍ ثُمّ مُنطفِئٍ بعد حين. 

هذا مبتدأ خبر إحياء الأُمّة. يقول الإمام المجدّد رحمه الله: «انظروا إلى هذا الشباب الذي ذهب ضحية مجتمع فاسد، وتعليم ملغوم نظرة الرحمة والشفقة. خذوهم برفق نحو المسجد. كونوا أذكياء في أسلوب التقرب للناس، والتحبب إليهم بالكلمة الطيبة والهديّة الصغيرة والخدمة المتكررة الحانية والزيارة والاستزارة. كونوا الوجه البشوش واليد الممتدة بالعون والبلسم الشافي لهذه «الجماهير» المخدرة العابثة، ولطلائع الكفر الصاخبة العنيفة. دلوهم على الإسلام، دلوهم على الله. ليكن برنامج كل منكم أن يوصل للمسجد أو لأسرة الدعوة عشرة من الشباب والشابات هذه السنة وكل سنة. الحياة المكشّرة عن أنياب الشر واليأس والبؤس الساكن في الأفئدة، يجعلها الله عونا لكم لترجعوا إلى حظيرة الإسلام هذه الجموع التي ترعاها الذئاب. أحبوهم بحب الله ينفذ حبكم ويغلب، أحبوهم بإخلاص. اجعلوا شعاركم كلّ يوم قوله صلى الله عليه وسلم لعَلِيّ: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مِن حمْر النّعم» 6.

طالع أيضا  أجواء من الفرح بحلول الذكرى العظيمة بالمدينة القديمة/الدار البيضاء

     يا لها مِن وصايا صادقة قيّمة وحكيمة تحتاج إلى مَن يأخُذُها بقوّة، ويُبلِّغُها بأمانة، ويَعْمل بها بطريقة سليمة، مُتودّدة ورحيمة.


[1] المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، باب تقريب الفتيان من طلاب العلم وترغيبهم في التعلّم 1/369.
[2] المقياس العُمَري: المرء وسابقته في الإسلام، المرء وغناؤه في الإسلام، المرء وحظّه من الله تعالى.
[3] سورة السجدة: 24.
[4] سورة الفتح: 29.
[5] حوار شامل مع الأستاذ المرشد رحمه الله.
[6] مجلّة الجماعة: العدد الرابع ص 121.