كيف يفلح من لا يرى المفلح؟!

إلى المصطفى أهديتُ غرَّ ثنائي

فيا طيبَ إهدائي وحسن ثنائي 1

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما ركد الماء ونبع، وظهر في ميدان سطح السماء نجم وطلع، وسلم تسليما كثيرا.

طوبى لمن أحيا زهرة الحب الشريف في قلبه وأودع الجوانح من تباريح الشوق ما أودع، وهاج به الشوق المبرح والوجدا وبلغه من لقائه ولقاء أحبابه غاية سؤله.

وَلَمَّا قَسَا قَلبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي ** وَأَظْلَمَ أُفُقِي وَالصَدِيقُ تَجَهَّمَا

وَقَفْتُ إِلَهِي تَائِبًا مُتَنَدِّمًا **  بِبَابِكَ أَرْجُو أَنْ أُغَاثَ وَأُرْحَمَـــا

وَتُفْتَحَ فِي وَجْهِي السدُود فَأَرْتَقِي ** وَأَصْعَدَ مِنْ مَتْنِ العِنَايَةِ سُلَّمَا
2

وهل تنال المقامات قفزا بغير الوقوف والمرور عبر بابه صلى الله عليه وسلم؟!

طوبى لمن بخرته الصحبة وطيبته وزينته ونورته مجالس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسكن الحب الشريف المنيف قلبه وعقله ورسم به مسار حياته وجهاده، وامتلأ به حتى بلغ مشاش عظامه واختلط بلحمه ودمه، واقتفى الأثر فجاء منكسرا مفلسا باكيا مستغفرا، فذلك أول قدم توضع في الطريق وأول مشهد من مشاهد السير والإقبال عليه: تقديم بطاقة الإفلاس والعجز بين يديه، وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا  3 واقفا على المضجع الشريف مذرفا الدموع الغزار: على بابه يبذل روحه، وكأني به بلال رضي الله عنه عندما ناداه سيد الخلق في المنام قائلا: ألا تزورنا يا بلال! فما كان منه وقد كان مقامه بالكوفة آنذاك إلا أن جمح حقائبه قاطعا الفيافي والقفار إلى أن وقف على المضجع الشريف فبكى حتى ابتلت لحيته: هكذا أنت صباح مساء، كأني أنظر إليك تبكي تتوسل، تلوذ بالصحبة وأنت واقف على المضجع الشريف مستقبلا الوجه الكريم مقدما التحية وأفضل الصلاة والتسليم، مجلجلا بالآذان في تلك البقاع، فلما سمع الصوت أهل المدينة خرجوا عن بكرة أبيهم، فما أن رفع الصاحب والخل الوفي الصوت ب: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اهتزت المدينة بالبكاء، ذكرهم الصوت برسول الله النعمة المهداة، فطن في وجداني صوت الصحبة الرخيم المتصل الممتد إلى آخر الزمان:

جَلْجِلِ الجَوَّ بالأذانِ شِعارا ** وإلى المسجِدِ الجميعَ دعوته

لَيْسَ تَسْمُو شرائع الحقِّ عُزْلا ** مِن شعاراتِهِ الجليلَة بَحْتَه

إنمـا سَمْتُنـا اعـتـزاز وفـخْر ** ولِواءٌ في العـالمين نـشَرْتَه
4

ما ثم أعقل ولا أكيس ولا أفطن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن النبوة هي الميزان وسلوك السالك إلى الله عز وجل يصبح ميزانا حين يدخل في صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عليك صلاة الله يا خير مرسل **  وأكرم هاد أوضح الحق والرشدا

عليك صلاة الله يا خير راحم ** وأشفق من يثني على رأفة كبدا

عليك صلاة الله يا كاشف العمى ** ومذهب ليل الشك وهو قد أربدا

“يفلح من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أحبه، ومن صحب من صحب، ومن أحب من أحب، ومن رأى، ومن رأى من رأى. والخير في الأمة إلى يوم القيامة” 5.

طالع أيضا  في عظمته صلى الله عليه وسلم

فكيف يفلح من لا يرى المفلح؟!

إذا دخل النور خرج الزور

ألا بأبي كان ملكا وسيدا ** وآدم بين الماء والطين واقف

فذاك الرسول الأبطحي محمد ** له في العلا مجد تليد وطارف

هو سيد الناس يوم القيامة، حين تمد الأرض وتنشق السماء، وتكور الشمس، ويخسف القمر، وأتى ربنا في ظلل من الغمام، وماج الناس، واشتد الحر، وألجم الناس العرق، وعظم الخطب، وجل الأمر، وكان البهت فلا تسمع إلا همسا، وجيء بجهنم، وطال الوقوف بالناس ولم يعلموا ما يريد الحق بهم، “… فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم وهو سيد الناس يوم القيامة، فيقولون له مثل ما قالوا للأنبياء، فيقول محمد صلى الله عليه وسلم: أنا لها” 6.

أي مقام هذا وأي فضل !!

ألمْ ترَ أنّ اللهَ أعطاكَ صولة ** ترى كلّ مَلْكٍ، دونها يتذبذب

فإنكَ شمسٌ، والملوكُ كواكبٌ ** إذا طلعتْ لم يبدُ منهنّ كوكبُ
7

لقد أعطي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الخزائن، وأوتي جوامع الكلم، وعمت العالم رحمته التي أرسل بها، وبعث إلى كل أحمر وأسود، ونصر بالرعب بين يديه مسيرة شهر، وأحلت له الغنائم لم تحل لأحد قبله، وطهر الله الأرض فجعلها كلها مسجدا له، فحيث أدركته أو أمته الصلاة يصلي.

وكان من دلالات حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة، وقالت: حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة، “وهو أمان الدنيا، وسراج أهلها، ولم يبقَ كاهنة من قريش ولا في قبيلة من قبائل العرب إلا حُجبت عن صاحبتها، وانتُزع علم الكهنة منها، ولم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، والَملِك مخرسا لا ينطق يومه، ومرت وحش الشرق إلى وحش الغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار يبشر بعضها بعضا، وفي كل شهر من شهوره نداء في الأرض ونداء في الناس: أن أبشروا، فقد آن لأبي القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا” 8.

أتى بزمان السعد في آخر المدى** وكان له في كل عصر مواقف

أتى لانكسار الدهر يجبر صدعه** فأثنت عليه ألسن وعوارف

إذا رام أمراً لا يكون خلافه** وليس لذاك الأمر في الكون صارف

طوبى لمن اتصل بذي الصلات، وبكى على نفسه وقد قبلوه، من عرفَ قَدْرَ ما يطلبُ هان عليه ما يبذل، من ذاق طعم الوصال ثم هُجِرَ تلفَ، ما أمَرَّ طعمَ الفراق.

طالع أيضا  ذكرى المولد النبوي.. محطة للتذكير ومناسبة للتنوير

قلبي يراك على بُعْـدِ مـن الـدار ** وأنت بالقرب من قلبي وتذكـاري

إن غاب شخصُك عن عيني فلم أَرَهُ ** فإنّ حُبّك معقـودٌ بـإضـمـاري

وإنْ تكلمتُ لم ألفـظ بـغـيركـم ** وإن سكنتُ فأنتم عقد أسـراري

وما حالي إلا كحال شاعر القوم، إذ نادى خلف الركاب:

درست ربوعهم، وإن هواهم ** أبــدا جديدا بالحشا ما يـدرس

هذي طلولهم وهذي الأدمـع  ** ولذكرهم أبدا تذوب الأنفـــس

ناديت خلف ركابهم من حبهم  ** يا من غناه الحسن! ها أنا مفلس

آه يا ويح نفسي! جَدَّ العارفون وهزلتْ، وصعدوا في طلب المعالي ونزلتْ؟!

كن دائما ابن المعجزة

فالأرض تبتسم عَجَباً بقدومه صلى الله عليه وسلم، والسماءُ تبكي طَربا، والنَوْر يحكي ذَهَبا، والطير يُغنِّي شجناً ويرتاح، وبلبلُ البلبال غنّى وباح، ولمعت شموس النُوّار، وصَفَّقَت أكفُ الأوراق فتمايلت الأشجار ونطقت الأحجار.

قُلْ للمدامع بعد الحيِّ تـنـسـكـبُ ** فذاك أَيْسَرُ ما في حُبِّـهـم يَجِـبُ

اُحِبُّ باناتِ “سَلْع” والمـقـيم بـهـا ** وفي فؤاديَ من هجرانهم لَـهَـبُ

غبتم فما سَرَّني من بَعْدِ فُرقـتـكـم ** شيٌ ولا طاب لي من بعدكم طَرَبُ

بمولده صلى الله عليه وسلم أشرق في الإنسانية ينبوع النور المسمى بالدين، وبالصلاة عليه وذكره تزاح كل ظلمة، فالكون كله ظلمة وإنما أناره وجوده فيه ومن روائع إمام العربية وكاتبها الألمعي ودرر نثره البليغ ووحي قلمه المسدد المؤيد الموفق المبين: “وعجيب أن يجهل المسلمون حكمة ذكر النبي العظيم خمس مرات في الأذان كل يوم، يُنادى باسمه الشريف ملء الجو؛ ثم حكمة ذكره في كل صلاة من الفريضة والسنَّة والنافلة يُهمَس باسمه الكريم ملء النفس! وهل الحكمة من ذلك إلا الفرض عليهم ألا ينقطعوا عن نبيهم ولا يوما واحد ًا من التاريخ، ولا جزءًا واحدا من اليوم؛ فيمتد الزمن مهما امتد والإسلام كأنه على أوله، وكأنه في يومه لا في دهر بعيد؛ والمسلم كأنه مع نبيه بين يديه تبعثه روح الرسالة، ويسطع في نفسه إشراق النبوة، فيكون دائما في أمره كالمسلم الأول الذي غير وجه الأرض؛ ويظهر هذا المسلم الأول بأخلاقه وفضائله وحميته في كل بقعة من الدنيا مكان إنسان هذه البقعة، لا كما نرى اليوم؛ فإن كل أرض إسلامية لا يكاد يظهر فيها إلا إنسانها التاريخي بجهله وخرافاته وما ورث من القدم؛ فهنا المسلم الفرعوني، وفي ناحية المسلم الوثني، وفي بلد المسلم المجوسي، وفي جهة المسلم المعطل… وما يريد الإسلام إلا نفس المسلم الإنساني.

ويطلق نداءه العالي الغالي:

أيها المسلم! لا تنقطع عن نبيك العظيم، وعش فيه أبدا، واجعله مثلك الأعلى؛ وحين تذكره في كل وقت فكُن كأنك بين يديه؛ كن دائما كالمسلم الأول؛ كن دائما ابن المعجزة” 9.

طالع أيضا  منع السلطات المغربية لمواكب الاحتفال بمولد خير الأنام يتسع.. والمغاربة يواصلون التعبير عن فرحهم

إن حرارة اللقاء بالمصحوب، والحصول على كنز الصحبة الغالي الثمين لمما يبارك العمر ويزكيه ويزيده تألقا وألقا وتدفقا وإقبالا وتوهجا. فتكون مسيرتنا مشهدا من المشاهد. كان اللقاء على بطحاء مكة وبالصحبة اتصل وامتد، ووقف الصحابة ونقف نحن اليوم، تجمهروا فتجمهرنا، وكأني ببلال رضي الله عنه ينادي: الصلاة خير من النوم، والوليد بن المغيرة يقدم قومه في التيه، وأبو جهل غارق في لجة اليم.

“هل يقتحم فتى الإسلام نار الحداثة فتكون عليه بردا وسلاما، كما كانت نار نمرود على فتى الرسل إبراهيم أبونا عليه السلام؟ نعم، يقتحم ويسلم، هل ينجي الله من الغرق يونسنا ومن ظلمات الحداثة كما نجى يونس النبي عليه السلام؟ نعم ينجي. هل يسلم نوحنا من الطوفان ومن معه؟ نعم يسلم. هل تآمرت قريش على رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة ووقفوا له بالباب بسيوفهم فأنجاه الله ونصره؟ نعم، وكذلك ينجي الله من اتبع سنة رسل الله وسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الصبر على الجهاد وفي طاعة الله والتوكل عليه وفي إقامة الشورى في سياق الشورى” 10.

كالخاتمة

هذا ما اقتضاه الخاطر المكدود على عجره وبجره، وما جادت به القريحة المقروحة من أوابد أفكار وخواطر عنت لي من وحي الذكرى والبشرى واكتمال الفرحة العظمى بالرحمة المهداة والنعمة المسداة، وأقول مقتبسا من عند الشيخ أبي حامد رضي الله عنه مختتما مقالتي هاته: وآمل من الله غفرانا لا يدرك أقصاه، وعفوا لا ينتهي مداه، إذا عنت الوجوه وخرست الألسن وجفت الشفاه، وخضعت الرقاب، وجحظت الأعين، وسجدت الجباه! فما أحسن عبد بربه ظنه إلا أرضاه وآتاه سؤله ووفاه، فهو الجواد الكريم الفرد الصمد الإله.

تداركه يا غوث العباد برحمة ** فجودك ما أجدى وكفك ما أندى
11

وعليكم السلام والرحمة، وعليكم السلام والرحمة، وعليكم السلام والرحمة.


[1] من شعر مالك بن المرحل السبتي.
[2] الإمام عبد السلام ياسين، ديوان شذرات، ص10.
[3] سورة النساء، الآية، 64.
[4] المنظومة الوعظية، ص 66.
[5] تنوير المؤمنات، ج/ 2،  ص 24.
[6] رواه ابن كثير في التفسير (8: 421)، وفي البداية والنهاية (1: 171).
[7] من شعر النابغة الذبياني.
[8] مما قاله ابن مسعود رضي الله عنه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، من كتاب محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار، لابن عربي، ص 9،ج2.
[9] وحي القلم، ص389، طبعة مكتبة هنداوي.
[10] الشورى والديمقراطية، ص367/368.
[11] من شعر لسان الدين بن الخطيب في المولديات.