تعد تجارب الشعوب والأمم، سواء القديم منها أو المعاصر، بمثابة كتاب عظيم النفع مفتوح لمن يريد الاعتبار واختصار الزمن في امتلاك الحكمة، وحسن فهم السلوك الإنساني الفردي والجماعي، وتحصين الذات من تكرار الأخطاء وإعادة المآسي التي وقع فيها من سبق. وسنقف في هذا المقال المُركَّز على تجربة مهمة ومُلْهمة من التجارب السياسية المعاصرة، وهي الثورة الصينية الأولى، التي أطاحت بأحد أعرق الأنظمة الملكية في العالم، الذي عَمَّر لقرون مديدة. والحديث هنا عن الثورة الصينية الأولى، التي قادها الزعيم الصيني “سن ياتسن” الذي يلقب بأب الصين المعاصرة. وقد اخترت في هذا السياق تقديم قراءة موجزة في كتابٍ ألفه المفكر العربي “عباس العقاد” عن هذه الشخصية المرموقة والذي عنونه بـ “سن ياتسن أبو الصين”.

في كتابه المذكور، عرض العقاد لمحات من سيرة الزعيم الصيني ووقف على محطات من تجربته، كما استنتج من خلالها جملة من الخلاصات المهمة، يمكن اعتبارها بمثابة قواعد تُلْزِم التجارب الثورية بالانضباط لها ومراعاتها، أو هي عبارة عن سُنن تاريخية تخضع لها حياة الدول والشعوب معا. وقد وقع اختياري فيما خلص إليه المؤلِّف، على خمس من هذه القواعد أراها ضرورية لفك طلاسم الواقع العربي في هذه المرحلة المعقدة من تاريخه. كما يمكن اعتبارها كذلك صوى تنير درب السائرين في درب تحقيق الانعتاق من الاستبداد والفساد، الضاربة أوتاده في ديارنا نحن المسلمين.   

1ـــ           تقول القاعدة الأولى؛ إن أخطر مِعْوَلٍ يُسَرِّع سقوط الأنظمة السياسية المهترئة هو سياساتها الحمقاء، وقراراتها الهوجاء، التي تتخذها في وضع تنتشي فيه بقوتها وتعتقد أنها المتحكمة في مسار الأمور، وأنها هي الموجهة للأحداث بينما الحقيقة غير ذلك. وقد استنتج العقاد هذه القاعدة من خلال رصده  للسلوك السياسي للنظام الملكي في الصين، في مواجهته لأقوى معارضيه شكيمة وأشدهم عزما على التغيير الجذري، الدكتور “سن ياتسن”.  يقول العقاد معقبا على جملة من الوقائع في هذا السياق: “من مألوفات التاريخ، إذا شاخت الأُسر المالكة وحقت عليها كلمة الزوال، أن يَنجم منها ملك أو عضو بارز من أعضائها يبطل الحيلة فيها، ويدحض كل عذر يتعلل به أنصارُها المتعللون للإبقاء عليها”.  ويزيد الأمر وضوحا في مكان آخر من الكتاب حيث يُقِر هذه الحقيقة ويُرسي دعائمها من خلال استقراء وضعية النظام الإمبراطوري الصيني، الذي سرعان ما تهاوى بعد استيقاظ القوى الحية من الشعب وتعاونها وشحذ همة الثوار. وَيَا للغرابة فكأني، في هذا المقطع، بالعقاد يصف ما هو قائم الآن في عدد من البلدان العربية. يقول هذا المؤلف العبقري واصفا اللحظات الأخيرة من عمر النظام  الملكي الصيني: “وأحاطت الحيرة بحكومة بِكين من الجهات الأربع، فكل حيلة تحتالها للخلاص، تنقلب  عليها مِعولا من معاول الخراب، ويظهر أن هذه الأسر المتداعية سواءٌ (يعني متشابهة) في تواريخ جميع  الأمم، فهي لا تخشى الخطر  إلا من خارجها، ولا تتخيل أنها تسقط إلا بهجمة من عدو يواجهها وتستعد  له بدفاع يصده، وأما أنها هي تعمل بيدها ما يسقطها فذلك غريب عن خيالها، وهل تعمل دولة على  إسقاط نفسها؟ كيف هذا؟ إنه اللغو والمحال في المقال بله الفكر والخيال!”. ويعمم العقاد هذه الحالة بل يعتبرها قاعدة تقوم كثير من وقائع التاريخ شاهدة على صحتها فيقول “وفي التواريخ العالمية أمثلة شتى على هذه الأسر التي يُسلِّطها عمى البصيرة على نفسها في أواخر أيامها، فتمضي في سباق مع أعدائها على تعجيل زوالها، ويبدو للناظر أنها كانت خليقة أن تبقى بغير حاجة إلى مجهود غير الكف عن مساوئها وحماقاتها، ولكن المشكلة الكبرى أنها لا تستطيع أن تكف عن تلك المساوئ، وآية عجزها هذه هي بعينها آية الفناء، أو هي آية استحقاقها للزوال”.

 2 ـ        تُقِرُّ القاعدة الثانية بأن أعداء الحق ومناصريه سَواءٌ  في نصرته وتحقيق غاياته وإن اختلفت نوايا كل طرف ودوافعه. وقد استخلص العقاد هذه الحكمة من مجموعة من الوقائع وأهمها حدث اختطاف الزعيم “سن ياتسن” في لندن من قبل عناصر تابعين للنظام الملكي الصيني، واحتجازه في قنصلية بلدهم هناك قصد ترحيله إلى الصين. ثم انفضح الأمر بعد ذلك، وتحرر القائد من الاختطاف وحققت الثورة وزعيمها من هذه الواقعة مكاسب جمة لم تكن في الحسبان. يقول العقاد: “ومن الكلمات التي تُذكر بهذا السياق، أن ما يُعمل للحقيقة وما يعمل ضدها يخدمانها على السواء. وهكذا يقال عن مناصرة القضايا الكبرى ومقاومتها، فإن حكومة بكين لم تكن لتقدم على نصب الشباك لقنصليتها لو علمت عواقبها وما استفاد الرجل منها، فقد سمع باسم “سن ياتسن” بعد هذا الحادث من لم يكن يسمع به، وتفتحت له مكاتب الصحف والأحزاب ودواوين الحكومات الأوروبية والأمريكية، وتنبه المهتمون بأمر الشرق الأقصى إلى البحث عن مكانته ومبلغ نفوذه، ولو أنه سعى لنفسه ولقضيته جاهدًا لأعْنَتَهُ المسعى قبل أن يُدرك شيئا مما ساقه إليه الأعداء بغير عناء”.

3ـ           تؤكد القاعدة الثالثة أن للعامل المجهول غير المتوقع نفس الأهمية والفعالية التي تكتسيها العوامل الناتجة عن التخطيط والتدبير، وتوفير العوامل المعلومة والمحققة للتغيير. وبهذا الصدد يقر العقاد أن “في كل مسألة من مسائل العالم الكبرى شيء لم يقع في التقدير. ومن الصواب إذن أن  نحسب للمجهول حسابه في كل مسألة من هذه المسائل الكبرى، فليس من اللعب بالألفاظ أن يقال:  إن المجهول في هذه المسائل عامل ثابت لا يمكن تجاهله؛ لأن التاريخ لم يسطر لنا قط تدبيرا عظيمًا  لم يعرض له طارئ مجهول. فهو عامل صحيح كالعامل الذي نقدره وندبره ونحسب حسابه قبل وقوعه”. ثم يضيف في موضع آخر موضحا، “وعبرة الموقف العظمى هي أن المصادفة عامل يُحسب له حسابه في كل قضية خطيرة، ولكنها تضيع عبثا إن لم تجد من كان مستعدا للانتفاع بها وقيادتها”.

4ــ            تثبت القاعدة الرابعة أن القائد الفذ، الذي تقع على عاتقه مسؤولية قيادة التغيير التاريخي العميق والتحول الجذري؛ عملة نادرة وحالة قليلة التكرار في التاريخ، لأن صفاته ومميزاته هي من نفس قوة وخطورة المهمة التاريخية الذي هيأه القدر لإنجازها.  “فالقوى التي تعتبر مقياسا لعظمة الزعامة نادرة، لندرة العظمة بطبيعتها، وندرة اجتماع قواها في نفس الزعيم الواحد”.

  وقد رصد العقاد جملة السمات تميزت بها شخصية القائد “سن ياتسن”، مكنته من قيادة الثورة الصينية الأولى وإحداث تغيير عميق في مجرى التاريخ الصيني بل العالمي، كما ساعدته في تخطي العقبات الكأداء التي واجهته سواء في الثورة أو بعدها. يقول العقاد:” إن المزية الكبرى التي وُهِبها “سن  ياتسن” ليست من المزايا التي توهب لكل  إنسان. وتلك المزية هي القدرة البالغة على التأثير والإقناع طواعية بغير كلفة، أو هي بعبارة أوضح  وأصدق، أنه كان يملك الثقة ويعطيها، وهي خصلة واحدة تجتمع فيها خصال شتى، يصعب إحصاؤها، بل يصعب إدراكها بارزة على وجه الأمور”. ومزية أخرى تحلت بها شخصية القائد الثوري وأثنى عليها العقاد، هي مزية الثبات وقوة العزم. يقول: “ومن أندر هذه القوى، إن لم تكن أندرها جميعًا، قوة الزعيم على مغالبة اليأس وابتعاث الرجاء من مكامنه حيث يضيع كل رجاء… فلو أنه التفت إلى عوامل اليأس في حوادث العالم أو في حوادث أُمَّتِه أو في حوادث أصحابه وخاصته؛ لوجد في كل منها ما يملأه يأسا ويحجب عنه كل أمل يراود الحالم الممعن في الخيال”. وقد كان امتحان هذه الخاصية التي تمتع بها الزعيم الثوري في تعامله مع جماعته ومناصريه، إذ “كثيرا ما تسرب اليأس إلى خاصة أعوانه من الذين يعتمد عليهم في إحياء الآمال وانبعاث  العزائم، وكان لهم العذر من يأسهم لتوالي الهزائم عليهم، وكثرة الضحايا من إخوانهم، وقلة المال في  أيديهم، وتقاعد العامة والخاصة عن معونتهم أو ارتدادهم عليهم طمعًا في مثوبة الحكومة وخوفا من  عقابها ونشاط جواسيسها، فما هو إلا أن يسمع بطائفة من هؤلاء غلبهم اليأس وخانتهم العزيمة، حتى  يلقاهم ساعة أو بعض ساعة، فيخرجون من عنده إلى المخاطر التي ندبهم لها وقد نسوا ما كانوا  يَعْتَلُّون به قبل ذلك من علل اليأس والانصراف عن الحركة، ومنها ما هو حاضر أمام أعينهم لا تسهل المماراة فيه بأخاديع النفوس”.

5ـــ           تسجل القاعدة الخامسة والأخيرة أن مرحلة بناء النظام السياسي الجديد على إثر ثورة، وعلى أنقاض القديم أخطر وأصعب كثيرا من مرحلة بناء الثورة وقيادتها. وهذا ما ظهر جليا في تجربة الزعيم “سن ياتسن” بعد نجاح الثورة التي قادها ضد نظام كان متجذرا لقرون عديدة في الصين. فقد كابد الرجل وعانى الأمرين لإرساء دعائم النظام الجمهوري، وناله جراء ذلك الكثير من النقد، بل وصل الأمر حد التخوين والاتهام بالفشل. فقد  كان  المطلوب بعد انهيار النظام الاستبدادي “خلق إدارة جديدة على أنقاض الإدارة البالية، وكان عليه أن يعمل بالأيدي القديمة قبل تدريب من يخلفها، وأن يحسب حساب الخيانة والإحباط المتعمد، كما كان عليه أن يحسب حساب الجهل والمخالفة بين أقرب المقربين إليه، وقد اعترضته الحرب العالمية بعد قيام الجمهورية بنحو ثلاث سنوات، وسبقتها دسائس اليابان  ومناوشاتها، وهي عوارض خليقة أن توقع الخلل والاضطراب في إدارة الحكومات التي طال عليها العهد  بالاستقرار  والطمأنينة، فكيف بالإدارة الحكومية بين قديم عاجز متهم، وجديد عاجز لا يطمأن إليه  وإن سلم من الاتهام؟” وخلص العقاد في متابعته لتجربة الزعيم الصيني إلى “إن العمل بعد إعلان الجمهورية كان أعسر جدا وأثقل جدا من العمل قبل إعلانها، وكلاهما عَمَلُ جبارين لا يقوى عليه غير أولي العزم والقوة”.

 مما لا مراء فيه أن لكل تجربة سياسية أو اجتماعية أو حضارية مميزاتها التي تجعلها متفردة بالضرورة عن غيرها، فهي تظل محكومة بالظروف الذاتية والموضوعية التي تَشْرُطها وتطبعها بخصوصيتها. لكن الحقيقة التي أقرتها المسيرة الإنسانية أيضا أن العناصر المشتركة بين التجارب البشرية موجودة وحاضرة كذلك بل إنها ملهمة لمن يبحث عن الاعتبار واستقراء التاريخ والاستفادة من حكمة الأمم واستصحابها في بناء تجربته الخاصة وإنجاحها وتحقيق غاياتها. ومن فاته، من أصحاب المشاريع التغييرية، الاعتبار بِسِيَرِ الناس وخبراتهم تتكرر عليه مآسيهم، وتطول عليه طريق التغيير، وتتعاظم كلفتها وتتأخر ثمراتها أو قد تنعدم.