لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا 1.

آية قرآنية كريمة يدعونا فيها رب العزة والجمال والجلال إلى تمثل أخلاق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم والتأسي بالمصحوب الأعظم في هديه، فمن يطالع سيرته العطرة الطيبة يقف على معاني الرفعة والسمو والكمال في مختلف مجالات الحياة، حياة عظيمة بعظم رسول بعث رحمة للعالمين، رحمة نبي مصحوب وأب حنون وزوج ودود وقائد ملهم.

إن المتأمل للسيرة والسنة النبوية العطرة يجد مواقف في غاية الرقي والعظمة تستحق منا الدراسة الواعية والعميقة للاستفادة منها، ولإعادة قراءة واقعنا على أضواء دروسها الخالدة ولتكون لنا محطة جديدة ويقين راسخ وأمل متجدد لتغيير أحوال أمتنا نحو الأفضل. وفي مقدمة هذه الصفحات المضيئة رحلة التغيير النبوي لنظام كان يرى لنفسه السيادة والريادة على المستوى السياسي والتجاري والاجتماعي بل والديني أيضا على سائر جزيرة العرب، وما كان يتوهم أباطرة هذا النظام أن ينازعهم في سلطانهم منازع، فحركوا دعاية الكذب والتخوين والبهتان وانتهاك الحرمات ليشوهوا صورة الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم، ونهجوا سياسة التعذيب والقتل، وكل أنواع الظلم والاضطهاد.

 ورغم آلام ومحن المسار انتصر أمل الفئة القليلة المستضعفة المتسلحة بيقين النصر والتمكين والمستنيرة بنور الحق على أراجيف الباطل وسطوة الجلاد وظلام الاستبداد، حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّ‌سُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُ‌نَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَ‌دُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِ‌مِينَ 2.

وتكررت المآسي عبر مراحل الانكسار التاريخي مع حكام العض والجبر، الذين خنقوا الحريات، وكمموا حناجر الأحرار والحرائر، وألهبوا أجسادهم، ونهبوا الثروات، غير آبهين بمعاناة وصرخات المستضعفين الذين عافوا حياة الذل والهوان، حتى أسقطت عروشهم زلازل الشعوب المباغتة بعد عقود من الاستبداد والوهم الخادع.

طالع أيضا  صور مشرقة من حياة الرسول محمد عليه السلام

دروس وعبر تؤكد لنا يقينا ثابتا وأملا متجددا أن سنة الله عز وجل التي لا تبديل لها في أن الباطل قد يتسلط ويهيمن على حياة الناس، وقد يعلو أصحابه ويُملى لهم حتى يظنوا أنهم قد بلغوا إلى المكانة التي لا يتصور معها هزيمة، كل ذلك قد يكون وقد يطول ولكن عاقبته هلاك الباطل والنصر للمستضعفين، وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.

وفي شهر ذكرى مولد خير البرية ومحرر الإنسانية صلى الله عليه سلم، نحيي ونواسي كل الأحرار الصامدين أينما كانوا، ونسأل الله عز وجل أن تتجدد عزائم الأحرار نصرة للحق حتى تعم الإنسانية أنوار العدل والكرامة والحرية.


[1] الأحزاب، الآية 21.
[2] يوسف 110.