الاستعمار الغربي ونتائجه

قد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن احتلال الأراضي ودخول العساكر أماكن عديدة من مساحة الإمبراطورية الإسلامية، كان آخر خطوة في تطويع شعوب المنطقة، فقد تآكلت الدولة العثمانية بعدما أصبح أمرها مَزْقا بين أبناء الأمير الغالب بالسيف هنا وهناك، المتنازعون حول إرث البلاد والعباد، حتى وصل بهم الأمر إلى التحالف مع ملوك العدو ضدا على بعضهم البعض.

لقد “كان جسم الأمة قبل الصدمة الاستعمارية كيانا رخوا رثا باليا ضعيفا. كانت قابلية الاستعمار كما كان يقول مالك بن نبي رحمه الله، تنادي بحالها من يملئ فراغ الضعف بالقوة…” 1.

ففارق الإمكانيات العسكرية والتنظيمية، أصبح بارزا جدا، بعدما حولت الثورة العلمية، التي عاشتها أوروبا خلال القرنين السابع والثامن عشر، بلدانها ليس فقط إلى قوة عسكرية رادعة، بل أيضا محط انبهار، وولع من كل من زارها أو اطلع على أحوال العلم والصناعة والمجتمع والسياسة والفكر… بها.

 من جهة أخرى، وبتهاوي دويلات الإسلام تباعا، تهاوت مكانة الفقيه بعدما صارت مرتبطة أيما ارتباط بالسلطنة والسلطان بل من حاشيته، إلا فيما نذر.

أما إبان فترة الاستعمار وبعد صدمة شساعة فارق الإمكانيات هذه، وكذا الهزائم المتتالية التي عرفتها مناطق النفوذ الإسلامي، فقد ظهرت مجموعة من المحاولات لرأب الصدع الغائر في جسم الأمة وعلى كل المستويات، وذلك في شكل حركات ثقافية أو سياسية تهدف تنظيم، من جهة، عملية مقاومة المستعمر، وتجاوز التخلف الجاثم في كل ميدان من الميادين. ثم من جهة ثانية، تجاوز أزمة الهوية التي باتت أكثر حدة بعد تبني عدد غير قليل من رواد الفكر والثقافة “التحديث”: الغربنة كآلية وحيدة لمواجهة هذه الحالة وهذا التخلف.

هذا الواقع الجديد سيجعل طليعة المجتمع الإسلامي، ثلاثة أصناف: صنف بات لا يؤمن إلا بالغرب و”حداثة” الغرب وفلسفة الغرب، ويدعوا قومه جهارا نهارا إلى تبني كل ما هو غربي المنشأ، والتخلي عن كل ما هو غير ذلك ولو كان دينه الذي يؤمن به، هذا الإيمان الذي أصبح يراه من أسباب التخلف والهوان، أو على الأقل أفكار وقيم وحضارة أجداد، تبقى من رموز الزمن الغابر، نعم، لكنها لا تصلح إلا للمتاحف حتى ولو كانت وحيا منزلا.

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة - درس من التاريخ - (3)

قال الأديب طه حسين يلخص مذهب هذا الصنف: “علينا أن نصبح أوروبيين في كل شيء، قابلين ما في ذلك من حسنات وسيئات”.

في الوقت الذي باشر فيه الصنف الثاني، وهم أناس اختاروا منزلة ما بين المنزلتين: فلا هم قالوا بوجوب التخلي النهائي عن الدين والقرآن والسنة، ولا هم استطاعوا الإفلات من بريق المد الغربي الجارف، باشروا “تنقية” الفقه بل وحديث النبي صلى الله عليه وسلم وكتاب الله تعالى من كل ما اعتبروه لا يوافق العلم والعقل (العلم والعقل بالمفهوم الغربي طبعا) إذ باتت ثنائية العقل، والإيمان والغيب، على طرفي نقيض.

كيف لا والحالة أنه لم يعد يؤخذ مما أنتجته الحضارة والفكر الإسلاميين إلا ما وافق عقلانية الفيلسوف الفرنسي كنت أو مثالية هيكل أو حتى مادية ماركس… لتصبح حضارة الإسلام والمسلمين، بهذا المنطق، لا تعدو أقوال فرقة المعتزلة أو مباحث الطبيب الرازي أو تفسيرات الفرابي وبعده ابن رشد لمقالات أفلاطون وأرسطو الفلسفية…

بل لقد أصبح البحث حثيثا عن اشتراكية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتأكيد القرآن لنظرية فلان أو علان… استيلاب ما بعده استيلاب.

أما الصنف الثالث  فهم خريجو إحدى الجامعات الإسلامية أو ما تبقي من مدارس عتيقة، وقد عملت أيادي المستعمر على  تثبيت ما قام به الحكام قبله من تقنين المواد المدرسة بها خوفا من الثورة، (خاصة المدارس العتيقة)، وكمثال على ذلك نص الظهير الصادر عن المولى محمد بن عبد الله (1757-1790) الذي يقول فيه “ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلسفة وكتب غلاة الصوفية، وكتب القصص، فليتعاطى ذلك في داره… ومن تعاط ما ذكرناه في المساجد، ونالته عقوبة فلا يلومن إلا نفسه” 2، والمقصود هنا منع تداول مثل هذه المواد في المدارس التقليدية المغربية.

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة –درس من التاريخ– (4)

لن نجني على مثل هذه المدارس بالقول بأنها لم تخرج العلماء الأفذاذ الذين كانوا في طليعة من قاوم وقاتل بل وقاد ثورات شعوبها لطرد المستعمر. لكنها من جانب زادت من عزلة الفقيه المسلم حيث باتت بضاعته في علوم الدنيا والدين مزجاة، لا يستطيع من خلالها مواكبة الموج القادم من الغرب من فلسفة وعلم… أو هكذا يبدوا بعدما قزمت حكومات ما بعد الاستقلال، أيضا، من أدوارها بل من أدوار الفقه ودين الإسلام ككل إلا ما كان من أحوال شخصية تهم أمور الزواج والطلاق.

لقد كانت مكانة الفقيه (خاصة المعارض) خلال قرون ما قبل الاستعمار تحتم على “أولي الأمر” التعامل معه ولو كان ذلك من خلال استمالته وإغرائه، أو حتى التنكيل به، أما بعد الاستعمار وما وصله بعض شرائح المجتمع ورواده من تشكيك في الدين والقرآن والحديث والنبي صلى الله عليه وسلم، فقد بات كما مهملا، يصارع البقاء داخل مساجد فقدت كل مقومات المؤسسة الحاضنة والمخرجة لطليعة المجتمع المسلم، أو وفي أحسن الأحوال، موظف في إحدى المجالات التي تتطلب هذا النوع من التكوين، يتقاضى راتبا شهريا يكفيه قوت يومه وكفى.

هذا، ومع توالي سنوات “الاستقلال” لم تبقى الصفة الوظيفية “لحملة” إرث الأنبياء جميعا، حكرا على المناصب الحكومية، بل باتت تقيس حتى خطباء المساجد، والوعاظ وكل من تطوع لإلقاء محاضرة أو درس في باب من أبواب الدين، خاصة بعدما باشرت الدولة عملية ضبط ورسم خريطة الحقل الديني، وذلك عبر إطلاق مشاريع رسمية، كان آخرها مشروع “المسجد الجامع” بالأردن وقبله ومُلهمه مشروع تأهيل الحقل الديني بالمغرب.

لن نستطيع الإحاطة بمجموع خسائر الأمة جمعاء بعدما صار أمرها بين يدي مستعمرين سمتهم البغض والجشع، سخروا كل ما أمكنهم لمسخ المعالم وإعادة تشكيل طبيعة الولاء وأساسه، قال تعالى: كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً 3، لكننا وباعتبار موضوع مقالتنا هاته سنقف عند ما عملت عليه منظومة الاستعمار هاته (حتى بعد ما اعتبر استقلالا) من طمس للهوية الإسلامية للمجتمع، وبالنتيجة طمس المكانة المتميزة للدين وأهله.

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة –درس من التاريخ– (6)

فبعدما كان لقب الفقيه يطلق على من توافرت فيه شروط من مثل: معرفة كتاب الله (فهماً وحفظاً واستحضاراً)، والعلم بالسنة النبوية، والإجماع واللغة ومقاصد الشريعة وأقوال الصحابة والقياس والقواعد الفقهية.. علاوة على الإحاطة بعلوم عصره، الشيء الذي يخول له جر قاطرة الإصلاح أو التغيير، باتت كلمة ذات نفس قدحي، إلى حد ما، مرتبطة بكل من حفظ بعض من آيات كتاب الله أو أسدل لحيته ولبس العباءة.

لكن ألم يساهم هؤلاء “العلماء” أنفسهم، وعبر التاريخ الطويل أيضا، في الدرك إلى هذه المكانة، من خلال اعتزال هَمِ الأمة بعدما شهدوه من فتنة وقتال بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم (مثال ما قام به ساداتنا من أهل التصوف والزهد)، أو ما تخلى عنه آخرون من ربانية وإحسان؟.


[1] عبد السلام ياسين، كتاب العدل، ص37.
[2] محمد عابد الجابري، أضواء على مشكلات التعليم بالمغرب، ص9.
[3] التوبة الآية 8.