مراحل التحول

الناس في عبورهم من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة غالبا ما يعرفون في حياتهم تحولين فقط، وينقصهم تحول مهم هو المقصود من وجودهم في هذه الحياة، فهو يغيب عنهم إما لجهلهم به وإما لعجزهم عنه. وعلى هذا يمكن تقسيم التحول الذي يقوم به الإنسان في حياته إلى ثلاث تحولات هي بمثابة مراحل:

الأول: التحول الوجودي، يقول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورً” (الإنسان: 1-3). وهو تحول إجباري من عالم العدم إلى عالم الوجود، أو قُل: من عالم الروح إلى عالم المادة. أو قل: من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. أو قل: من عالم الملكوت إلى عالم الملك. أو قل: من عالم الذرّ إلى عالم الدنيا. يحدث للإنسان في هذا التحول تغيّر على مستوى جسده وعقله. فهو يتحول من جنين إلى طفل، ثم إلى شاب ثم إلى رجل فشيخٍ كهلٍ. تتغير من خلال هذا التحول معالمُ صورته مرات عديدة كلما مرّ عليها الوقت والزمان. ويتغير جسده من ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى ضعف وشيبة. هذا التحول لا يقدر الإنسان أن يتحكم فيه بأن يوقفه أو يُعيده إلى الوراء، إلا بمقدار ما يُدخل عليه من تحسينات تزيد من جماله أو تنقص من عيوبه. يسود هذا التحول الاستسلام الكامل في جميع مراحل النّمو. في تقدم العمر، وفي ظهور الشيب، وفي تجعد الوجه، وفي ضعف الجسد وهرمه.

الثاني: التحول من أجل الطموح، يقول الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (آل عمران: 14) وهو تحول اختياري إلى حدّ ما. من عالم الوجود إلى عالم الطموح، ومن عالم النقص والحاجة إلى عالم الامتلاك والغنى. يسعى من خلاله الإنسان إلى امتلاك أشياء لم تولد معه، ولم توجد معه. كالمال والجاه والرئاسة والشهادات والمشاريع وغيرها. فيتحول الإنسان من عاجز كان يعتمد على غيره إلى قادر يعتمد عليه غيرُه. لا يقف طموحه عند حدّ معينٍ مادامت النفس هي بطلة هذا التحول ومركزه الذي يدور عليه. فهي كما تطمح إلى الامتلاك تطمح إلى التحكم في الغير، وفي قيادته ومنافسته وحتى مصارعته ومنازعته ومقاتلته إن اقتضى الأمر ذلك. لا تكتفي بالحقوق التي تمنح لها الحياة، بل ترغب في الحظوظ واللّحوظ التي تمنحها لها الطغيان في الحياة. يقول الله تعالى: “كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى” (العلق: 6-7). الحظوظ هي ما يدفع النفسَ لعدم قناعتها إلى الاختيار في الأشياء. الاختيار في الأطعمة والأشربة والألبسة والأمكنة والأشخاص والأفكار وغيرها. واللحوظ هي ما يدفعها من حسد لغيرها بالطمع في امتلاك ما عنده. وتسود الأنانية الإنسان طيلة هذا التحول الطموحي المادي.

للأسف الشديد يُنهي معظمنا قصة حياته وهو لم يشهد سوى هذين التحولين: الوجودي والطموحي. بينما يبقى المشهد الأعظم إثارة والأكثر تشويقا غائبا عن مسرح الحياة. إنه التحول من أجل تحقيق المعنى.

الثالث: التحول النوعي، أو “النقلة النوعية”. يقول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (البقرة: 207). وهو تحول من عالم الطموح إلى عالم المعنى، ومن عالم الحيرة إلى عالم الهداية، ومن عالم الغفلة إلى عالم اليقظة، ومن عالم اللاوعي إلى عالم الوعي. فيتحول الإنسان من إنسان تقليدي يعيش بغير هدف ولا غاية إلى إنسان واعٍ يعرف ماله وما عليه، قد استوعب الإجابات الكاملة عن الأسئلة الكبرى: من أنا؟ ومن أين أتيت؟ ولماذا أتيت؟ وإلى أين أنا ذاهب في النهاية؟ يُسمّي بعضُ المفكرين الحاجة إلى المعنى للحياة بـ”الجوع الأعظم” الذي يفوق الجوع العظيم الذي هو الحاجة إلى الطموح، والذي بدوره يفوق الجوع العادي المتمثل في حاجة جميع الناس إلى الطعام والشراب. فقد تجد الناسَ يتألمون من شدة الجوع العادي وهو ألم مفهوم. لكن الألم الذي لا يفهمه الكثير من الناس ويقود بعضَهم إلى الانتحار كما هو حال الناس في الدول المتقدمة، هو الذي يكون من شدّة الجوع الأعظم بحثاً عن المعنى، ولا يستطيعون الناس إنقاذهم لأنهم لا يفهمون هذا النوع من الألم. وبهذا يكون أمر البحث عن المعنى أعظم من الطموح والتعاسة. فإذا امتلكت المعنى لحياتك فقد امتلكت كل شيء، امتلكت الرضا والقناعة، الغنى والسكينة. ولا يهمّ حينئذ أن تكون طموحا أو عاديا، غنيا أو فقيرا، حاكما أو محكوما.

طالع أيضا  تحقيق المعنى.. بين السؤال والإرادة 1/3

يقول الله تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا. وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (القصص: 77). هذه الآية تبين لنا كيفية التحول وتلخص لنا مراحله وأهدافه وحدوده وتجلياته. فيكون التحول بعد أن أوجدك اللهُ تعالى هو أن تُغيرَ الوجهةَ من تحقيق الطموح بطلب الدنيا وزينتها إلى تحقيق المعنى بطلب الآخرة ودرجاتها [وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة]. والهدف والغاية طلب وجه الله تعالى رب الدنيا والآخرة. وحدوده أن توازن بين المتطلبات المادية والمتطلبات المعنوية [ولا تنس نصيبك من الدنيا]، بمعنى أن تكون ربانيا بالقَدْر الذي لا يُسقطك في الرهبانية أو المادية. وأما تجليات هذا التحول ففي تجاوز الذات وتحقيق “معنى المعنى” أي مقام الإحسان بالمعنى القرآني والنبوي، [وأحسن كما أحسن الله إليك]، وذلك بأن تكون محسنا إلى خلق الله تعالى بكل معاني الإحسان وعدم الفساد والإفساد في الأرض فـــــ[إن الله لا يحب المفسدين].

عقبات التحول

من العقبات التي تَحُول دون الإقبال على عملية التحول التي تحقق للإنسان المعنى لحياته نجد عقبتين خطيرتين:

الأولى عقلية: تتمثل في الفلسفة الوضعية المادية التي أصبحت تسيطر على أسلوب التفكير في المجتمع الحديث. مُنطلقها أنّ ما لا تدركه الحواس غير موجود. وما دام أن الغيب لا تدركه الحواس فهو غير موجود. ومَنطقها أن ما لا يستطيع العلمُ إثباته والاستدلالَ عليه يظل مجرد أساطير وأوهام. وعندما تكون القضية مرتبطة بمعنى الإنسان ومغزاه من حياته فإن تناوله بالبحث ليس إلا مضيعة للوقت أو مجرد خزعبلات.

يكشف لنا الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله حقيقة هذه العقبة العقلية في كتابه “محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى”، فيشير إلى أن العقل باعتباره آلة ينبغي أن تخدم القلب وتخضع له هو بين أمرين. إما أن يخضع لسيادة الوحي عن اختيار وطواعية ورضا، إذ ذاك يتحرر من الأوهام والأغلال ويرتقي ليكون عقلا مؤمنا مُلهما ومسددا في كل خطواته. وإما أن يخضع لسيطرة الهوى عن تحكم وإكراه فيصير عقلا معاشيا مكبلا بالقيود التي لا تزيده إلا حيرة وتيها. حتى وإن كان هذا العقل علوميا وفيلسوفا فإنه يبقى في النهاية مستعبدا من طرف هواه مادام محجوبا عن حقائق الغيب التي جاء بها الوحي. ثم يؤكد الإمام رحمه الله إلى جانب هذا أنه فقط بالوحي حين يجلس العقل إلى منبره ليسمع ويتدبر ويتفكر يمكن له أن يؤدي وظيفته الفكرية والعلمية في هذا الكون والحياة، ويلتزم كذلك في هذه الوظيفة بحدوده التي تمنعه من الطغيان. ويعتبر الإمام رحمه الله أن هذه التلمذة عن الوحي تحرير له من عدة ذهنيات. من أهمها:

الذهنية التقليدية المتراكمة فينا منذ قرون.

الذهنية التبعية للغالب.

الذهنية التبسيطية المركبة على نفسية راضية عن ذاتها.

الذهنية الذرّية التي لا ترى أن هناك ارتباط بين الشريعة والحياة.

يقول رحمه الله تعالى: “بداية التركيب العقلي للمسلمين البداية الصحيحة (…) أن نصل شرايين العقل بواردات القلب ليتمكن العقل المسلم من كل أنواع القدرة العلمية والتكنولوجية والخبرة التنظيمية في كل المجالات دون أن يتنازل عن استقامته الفطرية” 1.

والثانية نفسية: تتمثل في الأنانية التي أصابت الإنسان نتيجة امتلاك الأشياء والتعلّق بها وطلب المزيد منها. مع العلم أنه كلما ملكتَ في حياتك من الأشياء أكثر كلما فقدتَ من “المعنى” أكثر. وقد انتبه “إريك فروم” 2 إلى هذا الفقدان للمعنى نتيجة تضخيم “الأنا” في كتابه “الإنسان المستلب”. وقد أطلق عليه مفهوم “الاستلاب”، وأشار إلى أن هذا الاستلاب يتمّ على مستويات عدة، وعلى رأسها استلاب وعي الإنسان والزج به في عوالم استهلاكية خيالية يكون فيها مجردا من عقله وذكائه ومرغما على الاستهلاك الأعمى. ويذهب في تحليله هذا إلى أنه كلما قوّينا مبدأ الامتلاك على حساب مبدأ الوجود كلما عشنا الحروب والويلات في هذا العالم الذي لم يعرف في تاريخه الطويل فترة أعنف وأبشع مما نعيشه حاليا. ولذلك حفاظا على مبدأ الوجود حاول “فروم” العمل في المجتمع من أجل تغييره نحو الأحسن عن طريق تحرير أفراده من كل القيود التي يفرضها مبدأ الامتلاك والتي تحول دونهم والوصول إلى إنسانية أكثر إنسانية. وهي ما عبرنا عنه بالتحول من أجل تحقيق المعنى السامي للحياة.

في كتاب آخر تحت عنوان “فن الوجود” لإريك فروم يذكر فيه أنه حتى يتجاوز الإنسان هذه النزعة في التملك التي تضخم فيه الأنانية للحصول على كل شيء وطلب المزيد، والتي رسخها فيه الإعلام بكل وسائله، يطرح مبادرة مهمة إلى اختراق بنية الملكية في وجود الإنسان حتى يتعافى منها. وذلك بإتباع الخطوات التالية:

طالع أيضا  تحقيق المعنى.. بين السؤال والإرادة 2/3

أولا: القدرة على إدراك تلك الأنانية التي تحرم الإنسان وتمنعه من العطاء والبذل والتعاون والحب والعمل الجماعي.

ثانيا: القدرة على إدراك جذور النّزعة التملّكية، مثل الإحساس بقلة الحيلة، والخوف من الحياة، وعدم الثقة بالآخرين. أن هذه الجذور إنما قام بزرعها في نفسيته منظمات وشركات تخطط لهذا صباح مساء.

ثالثا: القدرة على إحداث تغييرات في الممارسة. بأن يتعود الإنسان بتدرج على تقاسُم أشياء يملكها مع الآخرين. وبالتخلي عن أشياء أخرى لا يضر فقدانها. ومن الأمور التي ينبغي التخلي عنها وهي لا تقل أهمية عن الأشياء، بعض العادات والأفكار المألوفة السّلبية.

بهذه الخطوات سيكتشف الإنسان أن خوفه من فقدان ذاته بفقدان بعض الممتلكات أو عدم امتلاكها أساسا بدأ يتلاشى. وأن ذاته الحقيقية بدأت تظهر في الوجود، وأن ثقته بنفسه سوف تنمو إلى حدّ لا يجد سعادته إلا في خدمة الآخرين والتعاون معهم.

التحول سلوك

المعنى الذي نتحدث عنه ليس لديه مفهوم واحد، وحتى إن كان هو التعبير الحقيقي عن السعادة الإنسانية، إلا أن هذا المفهوم في تجلياته الواقعية والفعلية قد يختلف من مفكر لآخر حسب الثقافة والتوجه والقناعات الشخصية. فقد يكون المعنى ما يحمله الإنسان من مشاعر إنسانية تجاه الآخرين، وقد يعني العطاء والبذل، وقد يعني الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح، وقد يكون المعنى ما يحمله الإنسان من موهبة تميزه عن الآخرين. مما يدفعنا إلى القول أن الحياة تحمل من معاني “المعنى” الكثير. وكل واحد يتشبث ويتمسك بما يجد فيه معنى حياته. ويبقى المعنى الحقيقي والكامل هو الذي يجمع كل هذه المعاني، وبل وعنه تتفرع باعتباره الأصل والفصل. وهو معنى السلوك إلى الله تعالى، والسير إليه، واقتحام العقبة إليه، طلبا لوجهه الكريم سبحانه وابتغاء رضاه.

إذا أردنا أن نحدد لهذا التحول نحو تحقيق المعنى جانبا إجرائيا، فإن مفهومه يكون بنفس المدلول مع مفهوم اقتحام العقبة إلى الله، ومفهوم التقرب إلى الله، ومفهوم السلوك إلى الله، استجابة لنداء الله تعالى الذي يهيب بالإنسان إلى هذا الفعل وهذا العمل في العديد من الآيات والأحاديث. فـعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ: “يَا ابْنَ آدَمَ، إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْرًا دَنَوْتُ مِنْكَ ذِرَاعًا، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعًا دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعًا، وَإِنْ أَتَيْتَنِي تَمْشِي أَتَيْتُكَ أُهَرْوِلُ”. قَالَ قَتَادَةُ: “فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَسْرَعُ بِالْمَغْفِرَةِ” 3. فالحديث يقرر لنا مبدأ السلوك إلى الله تعالى، وهو عبارة عن تحول في المكان، وقطع للمسافات، وتقرب وحركة. قد يُسخر فيه الجسد باستعمال الجوارح، لكنه يكون تبعا للفاعل الحقيقي في السلوك وهو الروح. والروح هو القادر على اختراق الحجب وقطع العوالم الواحد بعد الآخر حتى يصل إلى الغاية التي تحقق له المعنى وليس الجسد. أما الذكر فهو الطاقة المحركة للروح حتى تنطلق على طول الطريق وليس للجسد. وإذا تحركت الروح انتعش الجسد وخفّ لما يجده من قوة الروح التي تحمله. ومن الذكر ما هو عام مرتبط بكلّ العبادات التي أقيمت لتحقيقه كما في قوله تعالى:[وأقم الصلاة لذكري]. ومنه ما هو خاصّ وهو المقصود مرتبط بالهيئة والصيغة والزمان والمكان. فيجلس العبد طاهرا مستقبلا القبلة ومستحضرا القلب، ومرددا الاستغفار في البداية تطهيرا للقلب من الأوساخ، ثم بعد ذلك مرددا للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تنويرا للقلب من الظلمة، ثم بعد ذلك مكثرا من الكلمة الطيبة لا إله إلا الله تعميرا للقلب بنور الإيمان.     

إذا أدركنا أن هذا التحول الذي يحقق لنا المعنى هو تعبير عن السلوك وأن ذكر الله يمثل فيه الطاقة المحركة، فقد جعل الله لهذا التحول السلوكي شرطا ضروريا، كما جعل أعمالا تعبدية ضرورية تقطع بنا المسافات التي تفصلنا عن بلوغ المعنى، والتي تقربنا منه، والتي تقتحم بنا العقبة إليه. وذلك من خلال حديث آخر نورده ليحدد لنا هذا الشرط وتلك الأعمال. فـعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَه” 4. فشرط التحول السلوكي حسب ما ورد في الحديث هو عدم معاداة أولياء الله تعالى الذين حققوا المعنى، فإن كان هذا هو منطوق الحديث، فمفهومه هو محبة أولياء الله وصحبتهم ومجالستهم والاستعانة بهم في السلوك. ثم بعد تحقيق هذا الشرط يبدأ السلوك من الحفاظ على الفرائض، قلبية كانت أو قولية أو فعلية. وسواء ارتبطت بالعبادات أو المعاملات. حتى إذا صار السالك الطالب للمعنى على سكة الطريق استعان بالنوافل التي تكمل له الطريق وتوصله إلى نهايته. والنوافل هي مجموعة من الأعمال التطوعية. فللصلاة نوافل الرواتبِ، وللصيام نافلة التطوع، وللزكاة نافلة الصدقة، وللحجّ نافلة العمرة. وتحتل نوافل الصلاة نظرا لأهميتها الصدارة، فهي يومية، منها ما يكون قبل الفريضة ومنها ما يكون بعدها. حددها الحديث الذي رواه مسلم عن سيدتنا حبيببة زوج النبي رضي الله عنها في اثنتي عشرة ركعة. قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة، إلا بنى الله له بيتا في الجنة، أو إلا بُني له بيت في الجنة”. بينما في الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها والتي بينت فيه رضي الله عنها تفاصيلها، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة، أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر”.

ولأهمية هذه الرواتب وفضلها صارت عند بعض العلماء في حكم السنن المؤكدة، إذا لم تُصلّ في وقتها قُضيت في وقت لاحق. وكذلك ثبَت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى نافلة صلاة العصر التي تكون قبلها لأمر شغله فصلاها بعدها.

طالع أيضا  تحقيق المعنى.. بين السؤال والإرادة 1/3

خاتمـة

ونحن نتحدث عن تحقيق المعنى بين السؤال والإرادة نشير إلى أن المشكل الذي يواجه المفكرين والفلاسفة والعلماء اليوم أكثر مما مضى هو الكيفية التي يتم بها ربط الفكر بالسلوك، أو كيفية تحويل الأفكار إلى سلوك. حقيقة إنه لرصيد ضخم ما ينتجه المفكرون والدعاة والعلماء كل يوم من حلول لمشاكل الإنسان في حياته الإيمانية والاجتماعية، وما ينصحون به من توجيهات علمية، وما يصفونه من وصفات تربوية تبثّ عن طريق السمعي والمرئي بأحدث الوسائل. ولكن بالرغم من ذلك الرصيد الضخم لم يحدث التغيير المطلوب في السلوك والواقع. والسبب هو غياب تلك الحلقة التي تربط بين الفكر والسلوك والواقع. حتى وإن استحضرها البعض اسما ورسما لكنها غابت فعلا وعملا. وهذه  الحلقة هي التربية. الأمر الذي انتبه له جيدا الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، وجعله أولى أولويات تصوره المنهاجي. التربية ثم التربية ثم التربية. التربية أولا وأخيرا ولا آخر. فكانت التربية التي تُمارس من خلال مجالس تربوية وتعليمية وغيرها هي العامل المهم والحاسم في ترجمة وتحويل فكره المنهاجي إلى سلوك منهاجي تحمله الجماعة وأعضاء الجماعة وكل من اقتنع بأهمية هذا الفكر وتعاطف معه.

نقول هذا لنؤكد أن حديثنا عن تحقيق المعنى وتحقيق معنى المعنى، وعن التحول الحقيقي والسلوك في غياب هذه التربية بشروطها ووسائلها سيبقى مجرد أفكار تحوم في جوّ سمائنا ولا تنزل إلى أرض واقعنا.


[1] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج1، ص: 98.
[2] إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت، وهو الابن الوحيد لوالدين يهوديين أرثوذكسيين، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية. من أعماله: الهروب من الحرية (1941) التحليل النفسي والدين (1950) اللغة المنسية: مدخل إلى فهم الأحلام والقصص الخيالية والأساطير (1951) المجتمع العاقل (1955) رسالة سيجموند فرويد: تحليل لشخصيته وتأثيره (1959) أزمة التحليل النفسى: مقالات عن فرويد وماركس وعلم النفس الاجتماعي (1970) تشريح نزوع الإنسان إلى التدمير (1973) كما حرر كتبا، بأقلام كتاب متعددين.
[3] أخرجه أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رقم: 12405. وهو حديث صحيح.
[4] أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم: 6502.