تحقيق المعنى

إن تحقيق المعنى يعني العودة إلى الفطرة السليمة التي فطرنا الله عليها. والعودة إلى الفطرة هي الطريق المستقيم للعودة إلى الجنة، المكان الذي جاءت منه أرواحنا. وإن العبث أن تخطئ هذا الطريق بأن تبحث عن اللذة في كل شيء من دون أن تميز بين ما هو حلال وما هو حرام، وبين ما هو خير وما هو شرّ. وبذلك العبث يتيه الإنسان في الحياة حائرا متنكبا عن طريق الجادة، طريق العودة إلى الجنة. إنه كما تحمل الحياةُ “المعنى” لكل فرد وتنتظر منه تحقيقه، كذلك تحتفظ بهذا المعنى حتى آخر لحظة من حياته. إنّ هذا المعنى يشبه الموسيقى، تتردد في داخل الإنسان تنتظر منه أن يعزفها. فلا ينبغي له بحال من الأحوال أن يموت دون أن يعزفها. يقول جبران خليل جبران: “إن جسدك هو قيثارة روحك، والأمر عائد إليك في أن تعزف عليها موسيقى عذبة أو أصوات صاخبة”.

إن البحث والسؤال اليوم عن تحقيق المعنى هو الحل الوحيد الذي تنتظره البشرية لمواجهة هذا الجنون الذي أصاب من يتحكم في العالم، جنون مبدأ الامتلاك للأسلحة النووية والاقتصاد والسلطة، وذلك من خلال الرفع من صوت النداء بالسلام العالمي، والمطالبة بأنسنة التكنولوجيا واحترام حقوق الإنسان. فما الكمية الهائلة من الإشهار ومن الإعلانات التي تتدفق إلينا يوميا عبر وسائل الإعلام لترسخ ثقافة الاستهلاك وروح الامتلاك وطلب المزيد إلا دليل واضح على ما يخطط له المفسدون المسرفون من إغراقٍ للإنسان وللكون على حدّ سواء في الشهوات والغفلة والفتنة، حتى لا تكون له ولو لحظة واحدة أو فرصة للوعي والتفكير والتفكر واليقظة الروحية.

التحول لتحقيق المعنى

ولتحقيق هذا المعنى لابدّ من تحول حقيقي في الحياة، وقد جعل الله تعالى هذا التّحوّل سنة كونية في حياة المخلوقات كلّها، ويتمّ بأشكال مختلفة. إلا أنه في حياة الإنسان أبْين وأوضح وأوسع. إذ لا يقتصر على مستوى الجسد الظاهر، بل يتعدى إلى العقل والنفس والقلب والروح. فيتحول العقل من خلال التفكر إلى عقل متنور. وتتحول النفس من خلال التزكية إلى نفس مطمئنة. ويتحول القلب من خلال التربية إلى قلب سليم. وتتحول الروح من خلال اليقظة إلى روح متحررة لا يحدّها زمان ولا مكان في ملك الله وملكوته. فكما للعقل جولات وصولات، وكما للنفس رغبات وشهوات، وكما للقلب أنوار وواردات، كذلك للروح أحوال ومنازل ومقامات. هذا في اتجاهه الإيجابي نحو الأعلى. فقد يكون التحول أيضا سلبيا في اتجاه آخر نحو الأسفل، نحو سفاسف الأمور. وهذا التحول السلبي إن وقع للإنسان فهو العبث والعمى والضّياع للمعنى.

والتحول في توضيح بسيط، من دون الرجوع إلى المعاني اللغوية والاصطلاحية التي تدل على التبدل والتغير والانتقال من حال إلى حال آخر، هو عبور الإنسان من إحدى البوابات التي لن تسمح له بالعودة ثانية إلى الوراء لعيش ما اعتاده وألفه سابقا من حياة لا تليق به كإنسان مكرّم. وقد عبّر عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث بقوله: “وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يُقذف في النار” 1. وفي توضيح بسيط آخر؛ هو الوقوف على أرض جديدة ترتقي فيها الروح إلى أعلى مدارج السموّ الإنساني وكماله.

التحول الحقيقي

كلنا يعلم أنّ الإنسان جسد وروح، وأن الروح فيه هي الأصل والجوهر بينما الجسد طارئ ومظهر، وأن الروح ثابتة لا تتغير بينما الجسد يتغير من سنة إلى ستين سنة فأكثر إن قدّر الله له ذلك. إن كان الجسد مؤقتا ومرتبطا بالحياة الدنيا فإن الروح خالدة، كانت قبل الحياة الدنيا في عالم الذرّ، وكائنة أثناءها في عالم الشهادة، وستكون بعدها في عالم البرزخ، حتى تنتهي رحلتها إلى عالم الآخرة. الروح مصدرها سماوي؛ نفخة إلهية فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (الحجر: 29)، فهي نور. أما الجسد فمصدره أرضي قبضة طينية من تراب؛ فهو ظلمة. ولهذا كان على الإنسان في صورة شخصيته الحقيقية أن يشبه أصله وجوهره الذي هو النور، فيظهر ذلك النور على وجهه، وفي كلامه، وفي سلوكه وأفعاله. نتخيل بين أيدينا تفاحة، ثم قطعنا منها شطيرة، وبعد أن أخفينا التفاحة قلنا لأحد الحاضرين: لمن يشبه هذا الجزء؟ بكل تأكيد سيجيب: إنه يشبه التفاحة لأنه مقطوع منها. كذلك الإنسان كائن روحي فعليه أن تغلب عليه الروحانية وليس المادية، النورانية وليس الظلمانية. ولما أهمل الإنسان أصله الروحي واهتم بجسده الطارئ والمؤقت كان من الطبيعي جدا أن يشبه جسده الترابي في قساوته وصلابته وظلمته لينسحب ذلك كله على كلامه وسلوكه وجميع أعماله.

طالع أيضا  تحقيق المعنى.. بين السؤال والإرادة 1/3

هذا من جهةِ أن الروح هي التي تضفي النورانية على الإنسان حين يهتم بها ويربطها بمصادرها النورانية. ومن جهة أخرى فإن الروح هي التي تعطي للجسد الحركة وإلا لبقي جثة هامدة، وكذلك يكون حين تخرج منه يعود جثة هامدة. نتخيل مثالا لهذه الفكرة، عندما تأخذ نفّاخة غير منفوخة فتضعها على الأرض فهي لا تبدي أي حركة بنفسها، حتى إذا نفخت فيها من الهواء كما ينفخ الملَك الروح في الجسد وهو في بطن أمه، خفّت النفّاخة المنفوخة وتحركت لمجرد دفع بيد أو ريح قليل. وعندما يخرج منها الهواء كما تخرج الروح من الجسد عند موته عادت النفّاخة جسما رخوا لا يتحرك كما كان. فالحكم في حركة النفّاخة للهواء وليس لجسمها البلاستيكي، وكذلك الحكم في حركة حياة الإنسان للروح وليس للجسد بعظمه ولحمه وشحمه. فالأولى أن نهتم بمنبع الحركة الحياتية الذي هو الروح وليس الجسد. وبطريقة تلقائية عندما تهتم بالروح تفرض عليك أن تهتم بالجسد لأنه يحتويها، ولا بدّ للوعاء الذي يحتوي الجوهرة المضيئة ويحميها من المؤثرات الداخلية والخارجية أن يكون في المستوى اللائق بالجوهرة، من حيث اختيار الغذاء ونوعه، وممارسة الرياضة واتخاذ أجمل اللباس وأنظفه.

وفي معركتنا مع فتنة الشيطان المخلوق من النار، غالبا ما ينتصر على من غلبت عليه الترابية نتيجة اهتمامه بالجسد، لأن النار تحرق التراب، بينما لا يستطيع الشيطان بنيرانه الفتنوية أن ينتصر على من غلبت عليه النورانية، بل ينهزم أمامه شرّ هزيمة، لأن النور يُحرِقُ النار. وهو الذي أورد الله تعالى في القرآن، قال: فبعزّتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المُخْلَصين (ص: 82-83)، فقد استثنى المخلَصين لعدم قدرته على نورانيتهم العالية. ولمّا أُلقي سيدنا إبراهيم عليه السلام في النار لم تحرقه، لماذا؟ لأن شخصيته غلبت عليها النورانية. ولمّا سُئل الشيطان عن سيدنا عمر رضي الله عنه، قال: ذلك رجل أخاف منه، عندما يسلك فجّاً أسلُك فجّاً غيره. ماذا يخاف فيه الشيطان؟ يخاف فيه نورانيته العالية أن تحرقه.

طالع أيضا  تحقيق المعنى.. بين السؤال والإرادة 3/3

وما كانت دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلا لإخراج الناس من ظلمات الفتنة التي تغشى أجسادهم وقلوبهم إلى نورانية قلوبهم وأرواحهم وعقولهم التي بها تستنير أجسادهم. ولو لم يكونوا هم أشخاصا نورانيين أولا لما استطاعوا تنوير غيرهم بإخراجهم من الظلمات إلى النور.

وعلى هذا فمن أراد أن يُحدث التحول الحقيقي والتغيير المثالي في حياته لتحقيق “المعنى” وتحقيق “معنى المعنى”، فعليه أن يحدثه على مستوى الروح الذي يمثل حقيقته الذاتية، وليس على مستوى الجسد، كما هو شائع في دنيا الناس، والذي أغلب الإشهارات التلفزيونية تُبَثّ من أجل ترسيخه وترويجه. ولأن القيام بهذا التحول والتغيير على مستوى الروح يجعل الإنسان وجها لوجه أمام نفسه الأمارة بالسوء، وما يترتب عن ذلك الصراع من متاعب ومصاعب من أجل التغلب عليها، يكتفي الإنسان بإحداث التحول أو التغيير على مستوى الواجهة أي الجسد ليخفي الظلمة لعلّ ومضة من النورانية تبدو عليه، وأنى له ذلك وقد فقد الاتصال بمصدر النور.

والتحول على مستوى الروح هي ولادتها من جديد من رحم النفس ومشيمتها، هي تحريرها من القفص، فهي تحب الحرية، تحب التمدد والتوسع والانبساط، نشيدها الدائم: “من فضلك لا تضعني في قفص”، فلا يعقل أن يأبى الإنسان السجن لجسده، بينما يحب حبْس الروح في داخله كطائر في قفص. التحول على مستوى الروح هو بتعبير آخر دخول من باب ظاهره الظلمة وباطنه النورانية، باب يستحيل الرجوع منه، لأن هناك أبواب أخرى تنتظر الدخول منها إلى رحاب هي أكثر نورانية.

تظهر لنا هذه الحقيقة جلية وناصعة يوم القيامة، يومئذ نتأكد من أصلنا ونعرف جوهرنا من شكلنا. يقول الله تعالى: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، بشراكم اليوم جناتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم (الحديد: 12)، ويقول كذلك سبحانه: يوم لا يخزي الله النبيء والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (التحريم: 8). فيوم القيامة يكون أصحاب المعنى من المؤمنين والمؤمنات في النور يحيط بهم من كل جانب يضيء لهم الطريق، بينما المنافقون يكونون في ظلام لا يرون الطريق ولا ما حولهم، مما يدفعهم إلى أن يطلبوا النور من المؤمنين. يقول الله تعالى يحكي عنهم: يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم، قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا (الحديد: 13). فظهور النورانية يوم القيامة مرتبط بالتماسها في الدنيا، وذلك من خلال الاتصال بمصادرها والاقتباس من منابعها. أما الافتتان بالدنيا والتربص بالمؤمنين والارتياب والتسويف في العمل والاغترار بالأماني كل ذلك يبعد عن مصادر النور ومنابعه ويقرّب من مصادر الظلمة ومنافذها.

التحول سُنّة كونية

جعل الله تعالى في مخلوقاته سنة التحول التي تتمّ بأشكال مختلفة أمام أعينِ عباده لحكمة يدركها الإنسان ذو العقل المتفكر، والقلب المتنوّر. إنه كما تتحول المخلوقات أمام عينيه عليه أن يتحول في ارتقاء مستمر ودائم من حالة سيئة إلى حالة حسنة، ومنها إلى أحسن حالة. يشاهد المخلوقات فيجد في كل نوع من الأصناف ما بين الأدنى والأوسط والأعلى. فالصنف الأدنى دائما يَنفُر منه الناس. والصنف الأوسط هو الذي لا يؤثر على حياة الناس وجودُه أو غيابُه. بينما الصنف الأعلى هو الذي يكون بِنُدرته محطّ اهتمام الناس والسعي إلى تقديم الغالي والنفيس للحصول عليه وامتلاكه، وذلك لما يدخله على حياتهم من سعادة وجمال وسرور. وكذلك في الناس أصناف، و”الناس معادن” كما يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيأبى الإنسان الذي يريد التحول أن يكون من الصنف الأدنى، ولا حتى من الصنف الأوسط، بل تتُوق نفسه كما تاقت نفس سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لتكون من الصنف الأعلى والأرقى والأسمى، ممن يحبونهم الناس ويحبون مجالستهم وتوطيد العلاقات معهم.

طالع أيضا  تحقيق المعنى.. بين السؤال والإرادة 1/3

فإذا أمعنّا النظر في الطبيعة لنكتشف بعض أنواع المخلوقات التي عرفت هذا التحول في وعيها ونموها، سواء الأنواع النباتية أو المعدنية أو الحيوانية، نجد أن هذا التحول يعتبر نقلةً نوعية وقفزةً مميزة من مستوى أدنى إلى مستوى آخر أعلى. تَحوّل يلخص تمدّد العنصر الروحي وتقلّص العنصر المادي في المخلوقات.

ففي النبات الذي يغطي وجه الأرض بخضرته، نجد منه ما تحول إلى الزهور التي تفتّحت إلى ما يشبه الرسل الآتين من عالم آخر، رسالتها تشكيل جسر بين العالم المادي والعالم المعنوي الروحي. فهي زهور لا تملك رائحة زكية تبهج الروح فقط، بل تحمل معها أيضا ضوعا وفوحا من عالم الروح. حتى صارت الزهور مصدر إلهام لعدد لا يحصى من الرسامين والشعراء والمتصوفة. فقد أمكن رؤية الجمال الكامن فيها أن يوقظ جزءا كبيرا من وعيهم البشري.

وفي المعادن ليس هناك الأثقل والأكثر عصيا على الاختراق من الصخور. ومع ذلك فإن بعض الصخور يعرف تحولا في بنية جزيئاته فيتحول إلى أحجار كريمة مثل كريستالات وألماس والتي تبدو تحت أشعة الضوء شفافة. ولقيمتها لا توضع إلا في المكان العالي من الجسم، كالتاج يوضع على الرؤوس، والعقد يحاط بالأعناق.

وفي الحيوانات نجد الأكثر التصاقا بالأرض الزواحف، لكنها مع الوقت منها من تحدّت الجاذبية فأنبتت ريشا وأجنحة لتتحول في الأخير إلى طيور مثل الطاووس والهدهد لا تجد لهم المكان إلى عند علية القوم وأسيادهم.

التاريخ يشهد أن لهذا التحول في النبات إلى زهور، وفي المعادن إلى أحجار كريمة، وفي الحيوان إلى طيور جميلة، دلالة مهمة وكبيرة للروح البشرية. وتلك الدلالة هي حدوث اليقظة الروحية التي تمكن صاحبها من تحقيق المعنى والإحساس بجوهر الحياة السعيدة.

لكن قبل أن يشعر الناس بهذه اليقظة يسيطر على غالبيتهم رؤية الأشكال الخارجية مما يحجبهم عن الجواهر الداخلية، فيؤخر عندهم هذا الشعور وبالتالي التحول المطلوب. لذلك حين يتأمل الإنسان زهرةً متفتحة وهو يقظ روحيا، أو يتأمل حجرا كريما، أو طائرا مثل الطاووس، فإنه يفتح بذلك نافذة على الداخل، مهما تكن صغيرة، فإنها نافذة تنفتح على عالم الروح.

السؤال الكبير هو: هل البشرية مستعدة اليوم لتحول حقيقي في الوعي، مستعدة ليقظة روحية، لتفتح داخلي جذري وعميق جدا، إلى حدّ المقارنة معه، لا يعدّ تفتح الزهور، مهما بلغت في الروعة إلا انعكاسا ضئيلا له؟ أيمكن أن يفقد الناس كثافة أجسادهم وثقلهم المادي وأن يصبحوا شفّافين مثل الكريستال أو الألماس أمام قوة التحول؟ أيمكنهم تحدي قوة الجاذبية المادية والسموّ فوق الأشكال التي تعطي للنفس مركز التحكم والسيطرة؟ هل البشرية مستعدة اليوم والآن للتحول مثل أو أكثر من أولئك الذين خلدهم التاريخ كنماذج في التحول الطبيعي؟


[1] رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.