صدر التقرير السياسي للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان عقب انعقاد مجلسها القطري نهاية الأسبوع المنصرم، تضمن في بعده الوطني رصدا لأهم الاختلالات التي شابت توجهات الدولة في عدة مجالات.

التقرير حمل شحنة سياسية واضحة عندما وضع عقدين من حكم الملك محمد السادس تحت المجهر، وتناول هذه الفترة بنبرة تقويمية لحصيلتها ونتائجها، انطلاقا من تحليل معطيات الواقع، واستقراء أحداث طبعت الممارسة السياسية برعاية رسمية.

وذهب تقرير الدائرة السياسية في محوره الرابع إلى أن حصيلة هذه المرحلة هي تجديد للسلطوية وفشل للتنمية، مؤكدا أن عقدين من الحكم خضع فيهما الحقل السياسي والفاعلون فيه لمحددات قارة ومستحكمة أسست لسلطوية مغلقة. وهي محددات دستورية وقانونية وسياسية “تفقد العمل السياسي كل رهان غير خدمة الاستبداد الحاكم، وتضرب مشاريع التنمية الموعودة في مقتل عبر رعاية الفساد والريع وشراء الولاء والمصالح”.

وهي نفسها المحددات التي تجعل بنية المشهد السياسي وتركيبته مشدودة إلى تراتبية، يقول التقرير إنها تُعلي من المؤسسة الملكية لتكون “فوق دستورية”، فيما تبقي المؤسسات المنتخبة في موضع الخدمة والتبع، مؤكدا أنها “تلغي الشعب من معادلة السياسة رغم أنه مصدر السلطة المفترض”.

أكد التقرير أن “نظام الحكم غير الديمقراطي” يعري واقع “الإنجازات والمشاريع والإصلاحات” ومدى نجاعتها، بعدما سوق لها النظام، والتي مست حسب التقرير ذاته “مجالات جزئية أو لاحقت أعراضا هامشية”، ولم تستطع أن تصل إلى عمق الأزمة المستفحلة المقرونة بالفقر، مرورا بأزمات الإعلام والتعليم والصحة والشغل والحقوق المدنية…

وانتقد التقرير سياسة المخزن الاستفرادية في تدبير قضية الصحراء، رغم ما قال عنه عجزا مزمنا عن إحداث اختراق سياسي أو الإقناع بعرضه حول حل نهائي للقضية، أو حتى إحداث تنمية متعددة الأبعاد تستقطب شباب المنطقة وتضمن استقرارها. كما انتقد سياسة احتكار الشأن الديني تحت شعار “إصلاح الحقل الديني”. وأكد رفضه لسياسة تكميم الأفواه و”مصادرة الحق في الرأي والتعبير عبر سلسلة محاكمات وتضييقات عاشها الجسم الصحفي خلال العشرين سنة الماضية”.

طالع أيضا  منتدى سياسي بالبيضاء يناقش "الواقع الحقوقي في ظل الاحتجاجات الأخيرة"

وأشار التقرير إلى أن استقلالية النيابة العامة عن وزارة العدل يجعل السلطة القضائية تحت التبعية الكاملة للسلطة الحاكمة، ما يجعل استغلال القضاء وتوظيفه ضد المعارضين أمرا حاصلا.

وأوضح التقرير أن الإطار العام للعمل السياسي كما صاغه النظام المخزني، أصبح يشكل الأرضية التي تواصل السلطوية عبرها التغول مقابل إضعاف باقي الفاعلين والوسطاء، مؤكدا أنه على مدى العشرين سنة: “واصلت بنية السلطوية تجريف المشهد وتبخيس العمل السياسي، وإضعاف مؤسسات الوساطة، ومحاربةَ المعارضة والتضييق عليها وإقصاءَها. هذا الإضعاف والإقصاء اللذان أصبحا واقعا يعيق مسار التغيير، إنما هو مسلسل طويل وسلوك مخزني راسخ”.

وتابع التقرير يقول: “أن تحاصر القوى الحية وتصادر حقوقها في التنظيم والتعبير والمشاركة العامة، كل ذلك يشكل جزءاً أصيلاً من أغراض النظام الحاكم، حتى لا يزاحم شرعيته وفاعليته وقوته ومبادرته أحد، وحتى تظهر تلكم الوسائط الحزبية والنقابية بمظهر الضعف والمصلحية والمكيافيلية والشعبوية”.

وأكد التقرير أن سياسة “إضعاف الوسائط السياسية وتبخيس عملها” هو الذي يفسر النزوع الشعبي نحو تأسيس تنظيمات خاصة وتنسيقيات مستقلة، وتزايد وتيرة الاحتجاجات الشعبية ضد السياسات العمومية، تنظيمات واحتجاجات يعبر من خلالها الشعب بمختلف فئاته وجهاته عن الحياة التي تدب في عروقه وعن يقظته وتشبثه الدائم بحقوقه ووعيه المتزايد بمطالبه.

وكشف التقرير ما قال عنها “مفارقة غاية في الدلالة” موضحا أن “المجتمع المقاوم” يعرف حيوية، مقابل جمود المؤسسات والفضاء السياسي الرسمي، وهو ما دفع بنظام الحكم حسب التقرير إلى العودة بقوة إلى الدولة البوليسية، وتحكيم الآلة القمعية، وإطلاق اليد لأجهزة الرقابة والتنصت والتلصص، وهو خير جواب “عن الأسئلة الاجتماعية الحارقة أولا، وبما يكشف حقيقة الديمقراطية المزعومة ثانيا.”