إثر انعقاد الدورة الثالثة والعشرين للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان،  يومي السبت والأحد الماضيين؛ 20 – 21 صفر الخير 1441هـ الموافق لـ19 – 20 أكتوبر 2019م، حاور موقع الجماعة.نت رئيس الدورة، وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية الأستاذ أبو الشتاء مساعف، مستفسرا حول مجموعة من القضايا التي تخص عمل الدائرة.

نقل مساعف للقراء الأجواء العامة التي مر فيها المجلس، وأطلعهم على أهم الأوراش التي تم الاشتغال عليها، إضافة إلى مخرجات الدورة والمشاريع التي تعتزم الدائرة السياسية العمل عليها خلال المرحلة القادمة، وأمور أخرى، تجدونها في الحوار التالي:

ما السياق الذي انعقد فيه المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسام هذه السنة؟

بداية نشكر موقع الجماعة وطاقمه المتميز على هذه الاستضافة الكريمة، لتسليط الضوء على مجريات انعقاد الدورة الثالثة والعشرين للمجلس القطري للدائرة السياسية. أما بخصوص سؤالكم حول السياق  الذي انعقدت فيه الدورة؛ فإنه يتميز على المستوى الدولي بمجموعة من السمات أبرزها الوضع المأساوي الذي يعيشه المسلمون في العالم جراء سياسات الاستكبار العالمي، التي تكالبت على الأمة في كل من فلسطين والعراق واليمن وسوريا وليبيا وغيرها  من البلدان، تنهب خيراتها وتدمر مقدراتها وتئد مشاريع ثوراتها، بتواطؤ مكشوف مع أنظمة الاستبداد المحلي والإقليمي، وما يقع في المسجد الأقصى على مرأى من المنتظم الدولي ومن الأنظمة العربية المتواطئة، حيث تحولت المنطقة العربية والإسلامية إلى مرتع للحروب والخراب والدمار، وميدان يسقط فيه آلاف القتلى والجرحى والمهجرين واللاجئين والمعتقلين… كما نسجل – للأسف – استمرار حملات الإسلاموفوبيا في الغرب، والتضييق على المسلمين في بعض البلدان بذرائع مختلفة.

أما على المستوى الوطني فإن الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحقوقي يتسم بالتدهور والإفلاس،  حيث يسجل تنامي الحركات الاحتجاجية المطالبة بالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، أمام تغول أجهزة السلطة، وتراكم الجرائم المرتكبة في حق الشعب الذي يئن تحت وطأة الفساد والريع وسياسات التفقير وغلاء المعيشة وتنامي البطالة وتزايد المديونية، واستهداف هوية المغاربة عبر السياسات المشبوهة وإعلام التفاهة والتشهير، ناهيك عن فضائح التطبيع وما رافقها في الآونة الأخيرة. ومما يزيد الوضع سوءا خنق الحريات، وانتهاك الحقوق، واستمرار قمع المعارضين والإعلاميين والحركات الاحتجاجية، ولا يمكننا أن ننسى ونحن نتحدث عن السياق المغربي أعطاب الصحة والتعليم وظاهرة الهجرة المتنامية وانعدام الأمن وفساد الإدارة وغياب المحاسبة وتصفية الحسابات الضيقة عبر وسائل انتقامية وانتقائية، وقد كان نصيب الجماعة من هذا الأمر الكثير عبر تجدد حملة الإعفاءات التي طالت 21 إطارا إداريا خلال شهري شتنبر وأكتوبر 2019 لتنضاف إلى 140 إطارا آخر معفى منذ دجنبر 2016، وتشميع 14 بيتا من بيوت أعضائها، واستمرار الاعتقال السياسي للأستاذ عمر محب فرج الله عنه، وغير ذلك كثير…

طالع أيضا  ما دام أن الملكية تختار من يضع الدستور فلا يتصور أن يأتي من قبلها ما يحد من سلطاتها المطلقة

 كيف جرت أشغال هذه الدورة، وما أهم الأوراش التي تم الاشتغال عليها؟

مرت الدورة ولله الحمد في أجواء طيبة طبعتها روح المحبة والتآخي، وميزها النقاش الجاد والكلمة المسؤولة، وعرفت مواد البرنامج نقاشات هادفة ورصينة عكست عمق الرؤية وقوة الاقتراح وسعة الأفق مع الأخذ بعين الاعتبار تحديات الواقع وإكراهاته، حيث افتتحت مواده بكلمة لرئيس الدائرة السياسية الدكتور عبد الواحد متوكل، تناول فيها الواقع السياسي وعرض فيها تجارب عالمية في التغيير ، مستنتجا مجموعة من الخلاصات التي تجلي سنة الله عز وجل الماضية في التغيير مهما كان حجم الاستبداد وجبروت الطغاة. كما تم تقديم عروض تهم التقرير السياسي العام ومدارسة الأداء السياسي للجماعة، والتقرير التنظيمي الذي تدارس تقارير المؤسسات المركزية والمحلية، وفق مؤشرات دقيقة، والتي بحمد الله تعبر عن مستوى مهم جدا من انخراط مؤسسات الجماعة وأعضائها في العمل السياسي محليا ووطنيا، وعرفت الدورة كلمات توجيهية لأعضاء مجلس الإرشاد لتختم بكلمة للسيد الأمين العام للجماعة بعد التصديق على البيان الختامي.

وكانت هذه الدورة فرصة للوقوف على نقاط القوة تثمينا وتنويها، ورصد نقاط الضعف التي تحتاج منا مجهودا في اتجاه التطوير والتفعيل والترشيد.

ما دلالات ومعاني الشعار الذي أطر دورتكم هاته؟

لقد اخترنا في هذه الدورة الثالثة والعشرين للمجلس القطري للدائرة السياسية شعار: “من أجل تغيير يصون الهوية ويحقق العدل والكرامة والحرية”، شعار يلخص ما نطرحه وما نقترحه من سبل لإحداث التغيير المنشود، تغيير الواقع السياسي من الاستبداد إلى الشورى والديمقراطية، ومن الفساد إلى الأمانة والحكامة الجيدة والمسؤولة، ومن الظلم إلى العدل والإنصاف، ومن التخلف إلى التقدم والتنمية، من خلال انجماع شرفاء الوطن وأحراره في تكتل وجبهة تروم تجاوز حالة العبث التي يعيشها المغرب، ينظم عملهم وخطتهم وحركتهم وتمايزهم ميثاق وطني جامع، يحدد الأولويات ويعرض الآليات ويتبين الطريق والمسار والمصير من خلال سمتين أساسيتين حاسمتين:

– تغيير يصون الهوية: يحفظ للأمة هويتها ضد هجمات التغريب والتمييع والتدجين والتخريب القيمي والاستلاب الأخلاقي، يحترمها ويعتز بها ويدافع عن مبادئها العامة وكلياتها الجامعة. هويتنا التي تشكلت عبر السنين، وانصهرت فيها الأعراف والثقافات والتقاليد والأفهام والبحث عن الأفضل للعيش الجماعي الآمن، واتخذ الإسلام في بناء هذه الهوية الجامعة موقع الصدارة صياغةً للقيم وبناءً للشخصية المغربية وتوجيها للحياة العامة والخاصة… هذه الهوية عنصر أساس وحاسم في تلمس طبيعة التغيير الذي نريد.

طالع أيضا  التقرير السياسي السنوي المنبثق عن المجلس القطري للدائرة السياسية في دورته 21

ولأننا ندرك أننا لا نصوغ تغييرا أحاديا نكون فيه وحدنا الفاعل والمحدد، بل جماعيا يضم غيرنا، فإننا مقتنعون بأن الهوية الإسلامية التي نعتز بها، وطبيعة فهمنا لتعاليمها ومقاصدها وجوهرها، لا يمكنها إلا أن تكون جامعا ومشتركا وتحترم الخصوصيات الدينية والثقافية والإيديولوجية للآخر.

– تغيير يحقق العدل والكرامة والحرية: هو الشعار الأبرز الذي تطلبه الأمة اليوم، في ربيعها المنبعثة موجاته منذ 2011، وفي آهات المحرومين والمكلومين، وفي تطلعات الشباب اليائسين، وفي مطالب الفئات العريضة من هذه الأمة.

·     عدل تستقر عليه السلطة، ويبنى في ضوئه الاقتصاد، وتتوزع في حماه الثروة.

·     وكرامة تصون آدمية الإنسان، حين يجد العمل المحترم ويضمن العيش الكريم.

·     وحرية تمنح للإنسان معنى حياته وتضمن للناس أن يقولوا ويفعلوا ويتملكوا ويعارضوا وينتقدوا، حرية مسؤولة.

التغيير الذي ننشده إذا يروم صيانة هوية المغاربة الجامعة، في زمن تسحق فيه العولمة ثقافات المجتمعات بخلفيات استهلاكية تنميطية، ويهدف تحقيق العدل والكرامة والحرية، في سياق تستبد فيه السلطوية وتتغول فيه القبضة الأمنية الباطشة ضدا على حاجات الناس ومطالب الديمقراطية.

ما هي أهم خلاصات ومخرجات الدورة؟

بفضل الله وحمده، ورغم ظروف التضييق والحصار فإن مخرجات هذه الدورة وخلاصاتها كانت جد مهمة، ويمكننا تلخيصها فيما يلي:

أولا : الجماعة جسم حي،  يتفاعل باستمرار ويجدد آلياته وأدوات اشتغاله ويقاوم كل الحواجز والمعيقات التي تحول دون تحقيق أهدافه.

ثانيا :  الأداء السياسي للجماعة يتسم بالتطور النوعي داخل المجتمع المغربي، من خلال تبني قضايا المغاربة وهمومهم والتعبير عنها بمواقف الجماعة الصريحة، ومن خلال الانخراط الواسع لمؤسسات الدائرة مركزيا وإقليميا ومحليا، مما أكسب الجماعة تعاطفا شعبيا يتنامى بحمد الله بشكل ملحوظ.

ثالثا : فاعلية الجماعة وفعالية مؤسساتها وأعضائها، تشهد بفضل الله عز وجل وتوفيقه تطورا مهما. رغم التضييق والحصار والهجمات المتتالية والحملات المتعاقبة على الجماعة وأبنائها من خلال الإعفاءات وتشميع البيوت والمنع من التوظيف والترقية…

رابعا : الخط السياسي للجماعة، ومبادؤها وتصورها للتغيير، يزداد بحمد الله تعالى انغراسا في المجتمع،  والأحداث والمتغيرات الإقليمية والدولية التي تشهد موجات متمددة، تزيده رسوخا ومصداقية.

خامسا : لا بديل عن التغيير الحقيقي الذي ينشد دولة العدل والكرامة والحرية، ولا مسلك لذلك إلا بحركة سلمية مجتمعية حازمة متفقة على الأهداف المرجوة للمغرب الذي نريد.

طالع أيضا  البيان الختامي للدورة الـ23 للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان

سادسا : إن ثمار الصحبة وبناء رجال ونساء الجماعة يثلج الصدر ويزيدنا يقينا في التواصي بروح المحبة والإخاء والوفاء وتمثل شعاري العدل الإحسان في السلوك والحال والمقال.

ما هي الفكرة الأساس والخلاصة المركزية التي حكمت التقرير السياسي الذي تم عرضه ونقاشه؟

أشير بداية إلى أن التقرير السياسي الصادر عن الدورة 23 لهذه السنة اتسم بميزة جديدة من حيث منهجية إعداده، بعيدة شيئا ما عن الطريقة العادية في صياغة التقارير التي تعتمد رصد كل القطاعات والمجالات، ذلك أن تقرير هذه الدورة ركز في مضامينه على مواضيع ومحاور تشكل أهمية قصوى في واقعنا السياسي المغربي، وتلامس القضايا الراهنة تخصيصا أو تعميما من خلال منهجية تعتمد مجموعة من أدوات التحليل والاستنتاج، وعموما فالفكرة الأساسية للتقرير تنطوي على مجموعة من الاستنتاجات عنوانها الأبرز: استمرار تجدد السلطوية بالمغرب بعد 20 سنة من الحكم من خلال  آليات وأدوات اشتغال النظام السياسي المغربي الذي يحتكر السلطة والثروة، ويشكل عائقا جوهريا أمام التغيير وبناء نموذج تنموي واعد وناجع، ومن نتائج ذلك التدهور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي  والحقوقي  الذي يعرفه المغرب وتعبر عنه المؤشرات التي رصدها التقرير في جل فقراته، مما يستدعي عملا جماعيا مشتركا لبناء مغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

ما هي المشاريع والأوراش الكبرى التي ستشتغل عليها الدائرة السياسية خلال المرحلة المقبلة؟

استنادا إلى مخرجات هذه الدورة وخلاصاتها الجامعة، التي تعبر عن مضمون التقييم العام لأداء الدائرة السياسية، وبالنظر لحجم الإكراهات التي تميز المرحلة، واستشرافا للمستقبل الواعد بإذن الله من خلال كل المؤشرات والمبشرات، فإن الدائرة السياسية للجماعة عبر قطاعاتها وأجهزتها المركزية والمحلية ستشتغل بما عهد عليها من حيوية وفاعلية على مجموعة من المشاريع والأوراش الاستراتيجية المهمة التي تهم مجموعة من الواجهات الأساسية: السياسية والشبابية والنقابية والنسائية والحقوقية والنقابية والتكوينية والإعلامية… وما يستوجبه ذلك من إنضاج للتصور السياسي في كثير من القضايا، وما يستدعيه أيضا من تأهيل علمي وتخصصي وتدريبي لأطر الدائرة السياسية وقاعدتها العريضة، وما يفرضه من فعل ميداني تواصلي مع كافة شرائح المجتمع ومكوناته وتفاعلي مع قضايا الشعب وهمومه، والبحث المتواصل عن كافة المسالك والسبل المشروعة من أجل التغيير الحقيقي المنشود. منا الجهد وعلى الله نتكل هو حسبنا ونعم الوكيل.

والحمد لله رب العالمين.