الفقهاء بين تهمة الفتنة وقانون الطاعة

بعد سقوط “الخلافة” العباسية في بغداد، وظهور دول الممالك، وكذا انفتاح باب الحكم لكل من غلب لينتصب أميرا على هذا الجزء أو ذاك من أرض الإسلام التي باتت أكثر شساعة بفعل الفتوحات الإسلامية شرقا وغربا، سينتقل الفقيه المسلم وهو يروم الحفاظ على بيضة الإسلام، من نقاش “شكل” الحكم و”مبناه” (الخلافة/الإمامة – الشورى) في الاسلام، إلى نقاش الغاية (تطبيق شرع الله) من جهة، ثم أداة تثبيت هذا الحكم (قانون الطاعة) من جهة أخرى.

لقد غدا تطبيق الشرع لدى الفكر الإسلامي “مطابقا لمفهوم العدالة، فالحاكم العادل هو الذي يسهر على تطبيق الشريعة، ويصبح الحاكم الذي يسهر على تطبيق الشريعة مستحقا للقب ‘الخليفة'”.

لكن ماذا يحدث لو تم الإخلال حتى بغاية الحكم هذه: تطبيق الشرع؟

هنا

“سيتبلور مفهوم الطاعة كقانون مطلق… هاته الطاعة يجب التقيد بها حتى حيال أمير جاهل وغير عادل كما يذهب إلى ذلك الإمام الغزالي”.

لتصبح هذه الطاعة في الفكر السياسي الإسلامي، قانونا حديديا يحمي به الحاكم إطلاقيته، وعوض أن تفهم عدم الطاعة بالرفض السياسي لجور الحاكم، تغدوا مفهومة على أساس أنها معادلة ‘للفتنة’…”. 1

إن الحمولة القدحية التي ترسخت في اللاوعي اتجاه هذه الكلمة: الفتنة (باعتبار حجم الصدمة الأولى) بعدما وصل إليه المجتمع الإسلامي من تشتت وتنازع حول السلطة والسلطان، جعلها أقوى سلاح يمكن أن يواجه به الحاكم معارضيه مستغلا في ذلك ثلة من الفقهاء الموالين له.

قد لا يسعنا المقام للحديث عن مفهوم ومصطلح الفتنة. لكن نستطيع القول أنه على الأقل لم يحتفظ بذلك التمايز الذي أشار إليه سيدنا عمر الخليفة عند سؤاله للصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنهم جميعا. إذ ميز بين فتنة الأهل والمال والولد، والتي يكفرها الصيام والصلاة والصدقة، وبين فتنة الأمة جمعاء في دينها وعراها.

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة - درس من التاريخ - (3)

هذا التداخل الذي أفرزه انكفاء الفقيه والعالم المسلم بالبحث في فقه المعاملات والعبادات، إرغاما أو اختيارا، وابتعاده شيئا فشيئا عن السياسة والسياسيين، إلا من باب النصيحة المغلفة بالكثير من الحذر (الحذر من غضبة السلطان) سيجعل مفهوم الفتنة يحتفظ بمعناه الأول دون الثاني.

من هذا المنطلق يمكن فهم تحول النهي عن المنكر إلى فتنة وإبداء الرأي المخالف إلى فتنة بل والمرأة نفسها إلى فتنة.

ليس هذا فحسب بل لقد “أصبح جلباب الشرع واسعا جدا، ولكل سلطان مقاسه (..) ولكل سلوك سياسي سند شرعي… وإن تعذر هذا السند يجب خلقه وهذه مهمة الفقهاء”. 2

إن صدور مثل هذا السلوك من كبار علماء المسلمين كان له ما يبرره على مستوى الزمان والمكان. لكنه كان -حقيقة- تأسيسا لفقه تجزيئي أبعد مسألة الحكم من ساحة البحث نهائيا بل جعل الفكر السياسي الإسلامي لا يتعدى أسوار القصور، وهو ما تبرزه لنا مؤلفات الآداب السلطانية بشكل جلي.


[1] محمد ظريف/ تاريخ الفكر السياسي بالمغرب.
[2] عز الدين العلام/ الآداب السلطانية، دراسة في نية وثوابت الخطاب السياسي.