بسم الله الرحمن الرحيم

التقرير السياسي للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان

أكتوبر 2019

الدورة 23 للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان

 

محاور التقرير:

·        تقديم.

1.     مسلمون شهداء خطاب الكراهية وضحايا السياسات الاستعمارية.

2.     مؤامرة جديدة ضد الحق الفلسطيني.

3.     رياح الربيع تهب من جديد.

4.     بعد عشرين سنة من الحكم.. تجديد السلطوية وفشل التنمية.

5.     المغرب بين ارتفاع المديونية واحتكار الثروة.

6.     مغربيات ضحايا لقمة العيش وعنف السلطة.

7.     تكييفات قانونية لخروقات حقوقية.

8.     القانون الإطار للتعليم.. الطريق الخاطئ.

9.     الاحتجاجات… صوت الشعب باق ويتمدد.

·        خاتمة.

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

تقديم:

يغطي هذا التقرير أهم الأحداث والوقائع التي طبعت سنة كاملة من نونبر 2018 إلى أكتوبر 2019، والتي نتخذها مؤشرات ومعالم كافية لتوصيف واقع المشهد المغربي بأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، وما يحيط به من تفاعلات دولية وإقليمية مؤثرة ومفسرة لبعض تجلياته.

فبعد سنوات من الاستفراد المخزني بالقرار السياسي ومصادرة حقوق المواطنين وتهميش مشاركتهم الفعلية والحقيقية في إدارة الشأن العام، ومع التضييق الممنهج على القوى المعارضة عبر أساليب استبدادية قمعية، وصلت بلادنا إلى انسداد سياسي يعتبر سببا ونتيجة في تقويض دور الوساطة الرسمية. كما أن استمرار تغول السلطوية واستشرائها صنع فشلا اقتصاديا وتنمويا واجتماعيا، من تجلياته الواضحة ارتفاع المديونية مقابل احتكار الثروة وهدرها. اختلال تؤدي ثمنه فئات واسعة من الشعب المغربي على مستوى الخدمات والمكتسبات الاجتماعية الآخذة في التراجع بشكل متسارع، كما في المعاش اليومي القائم على ضروريات العيش الكريم. وهو ما يؤكد أن الطغيان يصنع الحرمان.

وقد كان من مؤشرات مصادرة الرأي الشعبي والانحباس والانسداد السياسيين ضعف وتهميش النقاش المجتمعي بشأن عدد من مشاريع القوانين، والعمل على إنتاج سياسات أقرب إلى الإملاء عند تمريرها، وخاصة القوانين الحساسة المرتبطة بقضايا مصيرية كالتعليم والصحة، والتي صارت مقاربات الدولة فيها جزءًا من المشكل بدل أن تكون حلولا لوضعيات انعقد الإجماع على إفلاسها. هذه الوضعية أنتجت ديناميات جديدة من خارج الأطر الكلاسيكية للتمثيل الشعبي كجواب مجتمعي يحمل في طياته روح الإيجابية واليقظة التي تصبو بإيقان لغد جديد مشرق وممكن، كما يؤكد على أن قوة المجتمع الاحتجاجية لم تفتر أمام محاولات التيئيس الفاشلة بقدر ما اتخذت أبعادا وأشكالا للتعبير عن نفسها، كما مثلت ردا شعبيا عمليا على قتل السياسة والتضييق على الحريات لصالح التخريب وتجريف المشهد السياسي أمام خدام الاستبداد. إلا أن النظام السياسي أصر على مقاربته القمعية العنيفة خلال تعامله مع التعبيرات المجتمعية المستجدة ومع الأصوات المناهضة والمعارضة الحرة، ففتح المتابعات في المحاكم ولفق التهم واجتهد في التعتيم على خروقاته الحقوقية بتكييفات قانونية مفضوحة، حيث تم الإخلال بالتعهدات والالتزامات غير المشمولة دائما بضمانات قيام دولة الحق والقانون. من ذلك الأحكام القرونية التي حُكم بها على معتقلي الحسيمة، والتضييق على الإعلام بكل الوسائل، وتشميع بيوت أعضاء من جماعة العدل والإحسان وإعفاء آخرين من وظائفهم دون وجه حق وغيرها.

ويحيط بهذه التفاعلات الوطنية التي طبعت هذه السنة، واقع إقليمي ودولي من سماته الأساسية استمرار الاستكبار العالمي في خنق انعتاق الشعوب العربية التي ما زالت تتوالى وتتجدد هباتها الرافضة للأنظمة المستبدة، فضلا عن المسارعة في تنزيل مخططات تصفية القضية الفلسطينية، مع ما يوازي ذلك من إذكاء للكراهية والعدوانية ضد كل ما يمت للإسلام والمسلمين بصلة، وهو ما تجلى في ارتفاع مظاهر الإسلاموفوبيا وما يرافقها من اعتداءات على الأشخاص والجماعات في أكثر من بلد في العالم.

1.    مسلمون شهداء خطاب الكراهية وضحايا السياسات الاستعمارية:

سيظل يوم 15 مارس 2019 يوما فاصلا في الذاكرة الجماعية لمواطني نيوزيلندا ولكل الضمير الإنساني العالمي. فالحادث الإرهابي الذي شهده مسجدان بمنطقة كرايست تشيرتش بنيوزيلندا وراح ضحيته خمسون شهيدا، رحمهم الله جميعا، وعشرات المصابين من بينهم أطفال ونساء وشيوخ، يعتبر حدثا إرهابيا فاصلا، خلف تأثيرا بالغا على هذه المنطقة من العالم التي طالما اعتبرت واحة للحرية والقبول المجتمعي بالتنوع العرقي والديني. كما شهدت عدة دول غربية هذه السنة أحداثا مماثلة عكست تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا، كان من مظاهرها الاعتداء على أماكن العبادة والتعرض للمسلمين وممارسة التمييز على أساس الدين، كالمنع من ارتداء الحجاب وتشديد إجراءات السفر وغيرها.

وقد حكم ذلك خلفيات تاريخية وسياقات سياسية ارتبطت بتنامي خطابات الكراهية والعنصرية بشكل ملفت، وصعود اليمينية المتطرفة على مستوى الأحزاب والحكومات التي انبثقت عنها في أوروبا وأمريكا. فأصبحت خطاباتها وبرامجها السياسية مُشبعة بالحمولة الإيديولوجية العدوانية، من خلال التركيز على تفوق العرق الأبيض، والتخويف الشديد من الإسلام والمسلمين، وما تسميه “بالخطر الاستراتيجي” لهجرة مواطني الجنوب نحو الشمال، وما تعتبره تأثيرا سلبيا على الاستقرار المجتمعي، وانعكاسا على الرفاه الاقتصادي والوظائف وانتشار الجريمة وغيرها. هذا في مقابل تغييب كلي لتداعيات خطابات الكراهية التي من شأنها التأثير على التعايش بين الطوائف وتبرير الاعتداء على الأقليات، خاصة المسلمة، وتهديد المشترك الإنساني وقيم الحوار والتعاون والعيش المشترك.

ولعل النمو المخيف لهذه الظاهرة أصبح يسائل القيم التي بُنيت عليها الحضارة الغربية، ودور الدول في حماية مواطنيها. كما يسائل المنظومة الديمقراطية للمؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة التي يفترض أنها تؤسس لميثاق عالمي يضمن قيم التنوع والعيش المشترك بين جميع المجتمعات، ونبذ خطاب العنصرية والتمييز بجميع أشكاله سواء كان على أساس الدين أو العرق أو الإثنية. إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالمسلمين، فإن موازين الديمقراطية الدولية تختل ولا يسود إلا الصمت المطبق على الجرائم مهما بلغت بشاعتها. فها هي مأساة مسلمي الروهينغا، مثلاً، لم تعرف حلاًّ رغم ما لحقهم من قتل واغتصاب وإحراق متعمد، وتهجير أكثر من مليون منهم أصبحوا لاجئين جنوب شرقي بنغلاديش. كما يعيش مسلمو الإيغور مأساة مماثلة حيث يتعرضون للإعدامات والاعتقالات وإحراق المساجد ومنع الحجاب والإجبار على الإفطار في رمضان وسط الساحات العمومية، وغيرها من المآسي التي ترتكب على خلفية العقيدة الدينية لضحاياها. وماتزال المأساة مستمرة.  

وإذ نسجل هذه الانتقائية في التدخلات الدولية ونقص جديتها وضعف نجاعتها وبرودة متابعتها لقضايا المسلمين، واهتمامها بالمصالح الخاصة، الظاهرة والخفية، التي تؤسس لها ديمقراطية تمثيلية عاجزة بالأمم المتحدة على حساب مواثيق حقوق الإنسان المجردة عن النعرات الطائفية والدينية، فإننا نشيد بدرجة الوعي الذي تتمتع به فئات عريضة من المجتمعات الغربية ضد الإسلاموفوبيا، فضلا عن منظمات برهنت عن موضوعيتها ووفائها للحقوق. ونعتبر أن الحضور الإيجابي والمتزايد للمسلمين وسط مجتمعاتهم الغربية تعاملا واندماجا وتعايشا وتسامحا ومشاركة، من شأنه أن يكسبهم الاحترام والتقدير الذي يستحقونه، ويضعف خطابات الكراهية والتمييز. وهو ما يؤكد مسؤوليتهم في صناعة رأي عام إيجابي أو سلبي اتجاه الإسلام والمسلمين، فضلا عن فاعليتهم المجتمعية ومساهمتهم المؤسساتية للتصدي لهذه الظاهرة، وترسيخ الصورة الصحيحة عن دين الإسلام وقيمه الإنسانية الرفيقة والرفيعة. فهو دين الرفق والرحمة، ألم يقل الله تعالى مخاطبا نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ”(سورة الأنبياء، آية 107).

2.     مؤامرة جديدة ضد الحق الفلسطيني

عقد، يومي 25 و26 يونيو 2019، مؤتمر البحرين الذي يعرف باسم “ورشة عمل السلام من أجل الازدهار بهدف التشجيع على الاستثمار في الأراضي الفلسطينية”. ويعتبر هذا المؤتمر بمثابة المقدمات الاقتصادية لتطبيق ما يسمى بـ”صفقة القرن” على أرض الواقع، حيث تم عرض ما اعتبر منافع اقتصادية يمكن أن يجلبها اتفاق سلام حسب ما تتضمنه خطة إدارة الرئيس ترامب.

إلا أن الإرهاصات والإجراءات الاستباقية التي مهدت لهذه الصفقة تحمل مؤشرات أخرى، تدل على أن الأمر انحياز أمريكي، وتصفية ظالمة للقضية الفلسطينية لصالح الكيان الصهيوني الغاصب بعد سبعين سنة من احتلال الأرض وتشريد أهلها واغتيال المقاومين أو اعتقالهم. ففي دجنبر 2017 اعترفت الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني. وفي ماي 2018 نقلت سفارتها إليها، كما قطعت، في نفس السنة، كل التمويل لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التابعة للأمم المتحدة. وقلصت مساعدات تقدم للفلسطينيين عبر وكالات إنسانية وتنموية أخرى، بل اقترحت تفكيك الأونروا نهائيا. وهو ما زاد من تأزيم الوضعية الاجتماعية لللاجئين الفلسطينيين، ورفع الضغط على الجانب الفلسطيني من خلال ابتزازه اجتماعيا. وفي مارس 2019 اعترفت بسيادة الكيان الصهيوني على هضبة الجولان، التي تم احتلالها منذ 1967. وقد قام مستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر ومبعوثه الإقليمي جيسون جرينبلات بعدة زيارات للدول العربية، دون الإعلان عن تفاصيل الصفقة باستثناء الشق الاقتصادي منها الذي عكس حجم الحقوق الفلسطينية التي تمت مصادرتها وطمسها، وحجم الكلفة المادية والسياسية والاستراتيجية التي ينتظر أن تتحملها المنطقة ودولها مقابل أرباح جيواستراتيجية وأمنية ودبلوماسية للكيان الصهيوني المحتل. وانعكس هذا على استمرار العدوان على الشعب الفلسطيني، فكان الهجوم الصهيوني على غزة في 3 ماي 2019 مخلفا سبعا وعشرين شهيدا فلسطينيا، رحمهم الله رحمة واسعة، ومئة وسبعين جريحا، فيما دمرت سبع مئة وحدة سكنية بالكامل. كما ارتفعت وتيرة الاستيطان واقتحامات المسجد الأقصى المبارك، وسياسة التهويد أمام عجز وتواطؤ الأنظمة العربية التي تدعي الدفاع عن القدس وفلسطين.

من جهته لازال الشعب الفلسطيني المقاوم يعلن رفضه للدوس على تاريخه وحقوقه وسرقة أرضه وتضحياته، وقد سطر ملاحم نضالية في مسيرات العودة التي خلفت مئات الشهداء منذ انطلاقتها، وذلك من أجل التحسيس بقضيته والتعبير عن رفضه للصفقة التي تحبك بعيدا عنه. فيما نشطت الحركة التطبيعية مع عدد من الدول العربية التي تغض أنظمتها الطرف عنها بل وتشجعها، حيث خرجت للعلن واتخذت أشكالا ثقافية ورياضية وسياحية واقتصادية متنامية. وقد عرفت بلادنا كل تلك الأشكال، كان آخرها فضيحة ما سمي “بتذكار الهولوكوست” الذي شيد بنواحي مدينة مراكش، وحفل ماسياس الصهيوني بالدار البيضاء، ثم حضور اوركسترا القدس برئاسة حاخام لملتقى الأندلسيات بالصويرة، وانتحال صفات مرشدين سياحيين ورفع العلم الصهيوني كما حدث في منطقة مرزوكة من قبل دافيد انكافا العضو بحزب الليكود وغيرها.

إننا نعتبر أن مشاركة بعض الدول العربية في “صفقة القرن” خيانة للقضية الفلسطينية، ولتضحيات المقاومة ولدماء الشهداء ولحرية الأسرى ولحق عودة اللاجئين. كما أن سياسة النعامة التي تنتهجها السلطات المغربية، وغيرها، إزاء انتشار مظاهر التطبيع الممنهجة والمتزايدة ببلادنا كما وكيفا هي خنجر في ظهر الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته، في وقت حساس من تاريخها. وهو وضع مخجل يناقض موقف الشعب المغربي الذي عبر دائما عن إدانته ورفضه للتطبيع من خلال المسيرات والفعاليات التضامنية والنضالية.

3.    رياح الربيع تهب من جديد:

نزلت الملايين هذه السنة من جديد، هذه المرة في الجزائر، معلنة عن حقها في حكم عادل ووطن حر وعيش كريم. ورغم اضطرار النظام لإبعاد بعض رموزه عن الواجهة وإعلان اعتقال بعضهم، فإن الشعب لم ير في ذلك سوى مناورة تحاول كسب الوقت والإبقاء على جوهر النظام بل حتى على رموزه الأساسية.

أما في السودان، وبعد شهور من صمود الشعب بالشوارع والاعتصام المفتوح، فقد أقدم بعض قادة الجيش على تنحية ثم اعتقال الرئيس عمر البشير وفتح محاكمة له. وأعقب ذلك حوار بين قادة الاحتجاج والمجلس العسكري تخلله فض الاعتصام وارتكاب مذابح في حق المعتصمين، لينتهي الأمر إلى اتفاق على نوع من تقاسم السلطة بين العسكر ومكونات الاحتجاج. وما تزال عدة أسئلة تثار حول مدى كفاية هذا الاتفاق للتجاوب مع طموح وانتظارات الشعب بكل مكوناته، وبدون إقصاء، بما يضمن عبور المرحلة الانتقالية نحو الاستقرار بأمان.

ومن مصر التي ظن الانقلابيون أنهم أحكموا بسط يدهم على شعبها، بدعم الغرب “الديمقراطي” ومساندة أنظمة عربية رافضة لأي تغيير تكون فيه الكلمة للإرادة الشعبية، ورغم القمع الشرس في مواجهة المعارضين، قتلا وسجنا وتعذيبا وحشيا، وحرمانا من العلاجات الطبية الضرورية الذي أدى إلى وفاة الشهيد محمد مرسي وهو أول رئيس مدني منتخب بمصر، رحمة الله عليه، فضلا عن الاختطافات والمحاكمات الصورية، رغم كل ذلك فإن نظام الانقلاب لم يزدد إلا بؤساً وعزلة، وفشلا في تسيير شؤون البلد، وإغراقها في الأزمات السياسية والاقتصادية. وها هي صرخات المصريين تتعالى لتفضح النظام ولتثبت أن الجذوة التي اتقدت لم تنطفئ وأن لصوت الشعوب صولة وصولات.

أما في تونس، مهد ربيع الشعوب، فإن ما حصل بها من انتخاب لرئيس مدني، وتسليم الجميع بنتائج الانتخابات ونزاهتها واستقلاليتها بعد طول عهد الاستبداد، لهو مؤشر على سلمية التنافس والقبول بنتائج الصناديق، ومن خلفها التسليم بالإرادة الشعبية في بلاد تسير بتردد وحذر شديدين على مسار الانتقال الديمقراطي. وهو أيضا تمرين إيجابي يرسخ مع كل استحقاق انتخابي مبدأ التناوب على السلطة بسلاسة، لأن الحاسم في العملية السياسية هو حق الشعب في اختيار من يحكمه، أما المشاريع السياسية فوضعها الطبيعي التنافس السلمي وسط المجتمع.

طالع أيضا  د. عبد الواحد متوكل: الحاكمون في المغرب اختاروا مسلك الخبط والعناد والتعاسة

ومن بغداد انطلق حراك العراق من جديد، وارتفع صوت الشعب ضد الفساد السياسي مطالبا بإسقاط النظام بنَفَس غاب عنه البعد الطائفي. وهي مطالب تجاوزت سقف ما عرفته احتجاجات 2016 و2018 التي لم تكن تتعدى تطوير الخدمات والإصلاح السياسي. ما يعكس الوعي الشعبي المتنامي الذي عاش مآسي الاحتلال الأمريكي وكوارث الانقسام الطائفي النكد.

وفي اليمن لم تستسلم الجماهير الشعبية للمخططات الإقليمية التي تهدف إلى تقسيم البلاد، وأعطى الشعب اليمني نموذجا في صحوة الشعوب وقدرتها على التأثير رغم ظروف الحديد والنار التي تحاصرها. واندلعت مظاهرات غير مسبوقة في لبنان، لم تستثن منطقة أو طائفة، طالبت بإسقاط النظام ووجهت اتهامات بالنهب والفساد للحكومة، وأسقطت هيبة قوى سياسية من خلال الانتقادات التي وجهت لها. ولا تزال الاحتجاجات الشعبية جارية وتتطور.

هذا رغم كل ما طبع مواقف الأنظمة الغربية من تناقضات ساهمت في الحيلولة دون نجاح أي تجربة انتقال تفضي إلى استقلال القرار السياسي والانعتاق من التبعية الاقتصادية، وتشبثها بمصالحها الاستراتيجية استنزافا وهيمنة على ثروات الأمة واجتثاث مقوماتها الحضارية والدينية. وما استمرار الحرب الدائرة بكل من اليمن وسوريا وليبيا، ودعم استمرارها من قبل الدكتاتوريات العربية وقوى الاستكبار الدولية، لتحصد آلاف الضحايا وتخلف ملايين المشردين والنازحين، إلا دليلا على حجم التنكيل بالشعوب واستغلالها، وتوظيفها فزاعة للترهيب وزرع اليأس، وتخييرها بين الاستبداد والفوضى.

كل هذه الغطرسة، والهيمنة الغربية على مقدرات الأمة وأرزاقها، والدوس على كرامتها؛ أبت أمامها الشعوب إلا أن تثبت أن استفاقتها دائمة متجددة وواعية، متشبثة بحقها الأصيل في اختيار من يحكمها، ورفض من يستأسد عليها، ويخون قضاياها المصيرية الكبرى.

إننا ما فتئنا نؤكد رفضنا لكل خيارات العنف، كما كنا من السباقين للتأكيد على أن التغيير لا يأتي ضربة لازب، بل يأتي بموجات لا تنسى فيها الشعوب ضميرها وحقوقها، بل تستجمع قواها، رغم زحف الثورات المضادة وأزلامها ومموليها الداخليين والخارجيين، لتعود من جديد مع تنامي الاستعداد لتقديم التضحيات. ويوما بعد يوم يتسرب الفعل السياسي والمجتمعي من بين أيادي السياسيين والحزبيين، ليصير شعبيا ممتدا في كل الفئات رغما عن دعوات وبرامج وسياسات الإحباط والاستكانة والقبول بتأبيد واقع الاستبداد. وإن أي عملية انتقالية إلا وتتطلب مداً وجزراً تتنامى معها مؤشرات الإرادة، وتدرجا تنغرس معه إرادة الشعوب في الانخراط في بناء أوطانها، وتتسع جذوة الأمل لينير وهجها يقين التمكين للحق وأهله ودحر الفساد والمفسدين، وتتضح معالم الطريق نحو تعزيز الحرية والكرامة وإقرار العدل في الدولة والمجتمع.

4.    بعد عشرين سنة من الحكم… تجديد السلطوية وفشل التنمية:

اكتملت السنة العشرون لحكم الملك محمد السادس. عقدان من الحكم خضع فيهما الحقل السياسي والفاعلون فيه لمحددات قارة ومستحكمة أسست لسلطوية مغلقة. وهي محددات دستورية وقانونية وسياسية تفقد العمل السياسي كل رهان غير خدمة الاستبداد الحاكم، وتضرب مشاريع التنمية الموعودة في مقتل عبر رعاية الفساد والريع وشراء الولاء والمصالح. وتجعل بنية المشهد السياسي وتركيبته مشدودة إلى تراتبية تُعلي من المؤسسة الملكية لتكون “فوق دستورية”، فيما تبقي المؤسسات المنتخبة في موضع الخدمة والتبع، وتلغي الشعب من معادلة السياسة رغم أنه مصدر السلطة المفترض.

في هذه اللحظة التقويمية، وقف الجميع على النتائج الصادمة لما يسوقه النظام السياسي من إنجازات ومشاريع وإصلاحات مست مجالات جزئية أو لاحقت أعراضا هامشية، لكنها لم تستطع أن تصل إلى عمق الأزمة المستفحلة ولم تقترب من منبعها ولم تغير أو تصلح الأعطاب الكبرى التي يعرفها المغرب؛ بدءًا من نظام الحكم غير الديمقراطي ووصولا إلى القعر الاجتماعي حيث التهميش والتخلف والفقر، مرورا بأزمات الإعلام والتعليم والصحة والشغل والحقوق المدنية… وغيرها. واتضح أننا مازلنا نعيش نفس الأعطاب، بل ازدادت تداعياتها وآثارها تفشيّا، مُخالِفة كل الوعود السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي حملها “العهد الجديد”. وهو ما يستدعي السؤال حول جدية تلك المشاريع وخلفياتها، ومدى قدرتها على التوظيف الجيد والإشراك الفعلي والشفاف للكفاءات الكبيرة والكثيرة، والثروات الهائلة التي تزخر بها بلادنا في مختلف القطاعات والمجالات بما يحقق التنمية المرجوة. ومعه مساءلة مدى نجاعة تلك المشاريع ومداخلها وحدود ما تحدثه من أثر في مشهد يتحكم فيه زواج الفساد والاستبداد، وثنائية الاستفراد والإقصاء.

فالعنوان البارز في قضية الصحراء هو استفراد المخزن بتدبيرها رغم عجزه المزمن عن إحداث اختراق سياسي أو الإقناع بعرضه حول حل نهائي للقضية، أو حتى إحداث تنمية متعددة الأبعاد تستقطب شباب المنطقة وتضمن استقرارها. أما الشأن الديني فعنوانه الاحتكار وتأميم المساجد والاستحواذ على المنابر وتوظيف دين المغاربة في الدعاية السياسية للنظام، كل ذلك تحت شعار “إصلاح الحقل الديني”. أما الإعلام فعنوانه التكميم ومصادرة الحق في الرأي والتعبير عبر سلسلة محاكمات وتضييقات عاشها الجسم الصحفي خلال العشرين سنة الماضية، فضلا عن سن قانون للصحافة والنشر بكل عيوبه القانونية والحقوقية، وهو ما أفرز مشهدا إعلاميا تحارب فيه الصحافة المهنية وتدعم فيه صحافة التشهير التي تشتغل بتعليمات الأجهزة الأمنية. أما العنوان الأبرز للقضاء فهو الاستغلال خاصة بعد قرار استقلالية النيابة العامة عن وزارة العدل لتصبح السلطة القضائية تحت التبعية الكاملة للسلطة الحاكمة مع ما يعنيه ذلك من السعي لاستغلاله وتوظيفه ضد المعارضين. أما العنوان الخاص بالتنمية فهو الفشل حيث حافظ المغرب، بفعل السياسات الرسمية، على واقعه المتخلف في ذيل مؤشرات التنمية الدولية، وعلى كل الصعد. وهو ما برز بشكل جلي في اعتراف الخطاب الرسمي، ومن أعلى سلطة في البلاد، بفشل النموذج التنموي، وبالضمن فشل مشروع “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”. كما كان هناك إقرار بتدني الخدمات الاجتماعية وإقصاء فئات شعبية مختلفة من الوصول إليها والاستفادة منها على رداءتها، ثم تمت الدعوة إلى تشكيل لجنة أخرى بحثا عن الحلول. وقد كان من الممكن أن يؤشر ذلك على بوادر مهمة، يمكن أن نتوقع منها البحث عن ذلك “الشيء الذي ينقصنا”، لولا أنها أخطأت موعدها مجددا مع المدخل السياسي والخطوة التأسيسية، ولم ترهن نفسها للتأسيس على ما هو موجود. والموجود.. اختلال عميق، وعميق جدا.

هذه أهم الأمثلة الصارخة عن نتائج الوضعية الضابطة للمشهد والإطار العام للعمل السياسي كما صاغه النظام المخزني، أوضحناها بما يكفي في تقاريرنا ومواقفنا على مدى السنوات السابقة، وقد أضحت اليوم واضحة بالشكل الذي لا يخفى على المشاركين في اللعبة والمقاطعين على السواء، بل وحتى على الباحثين والمراقبين وعموم المواطنين، حيث أنها أصبحت تشكل الأرضية التي تواصل السلطوية عبرها التغول مقابل إضعاف باقي الفاعلين والوسطاء.

فعلى مدى العشرين سنة الماضية، واصلت بنية السلطوية تجريف المشهد وتبخيس العمل السياسي، وإضعاف مؤسسات الوساطة ومحاربة المعارضة والتضييق عليها وإقصاءها. هذا الإضعاف والإقصاء اللذان أصبحا واقعا يعيق مسار التغيير، إنما هو مسلسل طويل وسلوك مخزني راسخ، وعمل سلطوي دائم، وهدف قائم في مسار التحكم والتسلط. فأن توضع العقبات من الداخل لعرقلة تشكيل الحكومة مثلا، وأن  يصادَر القرار الحزبي المستقل ليتماهى تماما مع خيارات الدولة، وأن يتحكم حزب حديث النشأة في خارطة التحالفات ويكتسح الانتخابات، وأن يصبح الحوار الاجتماعي واجهة لتصريف خيارات السلطة وضرب مصالح العمال وامتصاص الغضب الجماهيري المتنامي، وأن يجري كل ذلك بثنائية عصا “السلطوية” وجزرة “النفعية”، وأن تحاصر القوى الحية وتصادر حقوقها في التنظيم والتعبير والمشاركة العامة، كل ذلك يشكل جزءاً أصيلاً من أغراض النظام الحاكم، حتى لا يزاحم شرعيته وفاعليته وقوته ومبادرته أحد، وحتى تظهر تلكم الوسائط الحزبية والنقابية بمظهر الضعف والمصلحية والمكيافيلية والشعبوية. فهذه سياسة رسمية تروم إضعاف الوسائط السياسية وتبخيس عملها. ويترتب عليها ضعف مركب للمؤسسات المنتخبة التي يفترض أن تستمد قوتها من شعبية ومصداقية التنظيمات المشكلة لها، أَمَا وأن تلك التنظيمات تعيش أزمة قوة تنظيمية وشعبية فلا تسل لا عن قوة الحكومة التي تشكلها ولا عن قوة البرلمان الذي تُمَثَّل فيه. ولعل التعديل الحكومي الأخير (أكتوبر 2019) أبرز مرة أخرى كيف يتم التحكم في تشكيل الحكومات، وكيف تسيطر يد المخزن على أهم مفاصل السلطة التنفيذية، فضلا عن ادعاءات توظيف وتشجيع الكفاءات بشكل أفقد الكفاءة معناها ومبتغاها.  

هذا الضعف المتزايد لتلكم الوسائط، هو الذي يفسر النزوع الشعبي نحو تأسيس تنظيمات خاصة وتنسيقيات مستقلة، يعبر من خلالها الشعب بمختلف فئاته وجهاته عن الحياة التي تدب في عروقه وعن يقظته وتشبته الدائم بحقوقه ووعيه المتزايد بمطالبه، وغضبه تجاه السياسات العمومية التي تهدر كرامته وتقيد حريته وتنهك قدرته الشرائية.  وهو ما ارتد، وعلى عكس مراد السلطوية، نقطة ضعف في طبيعة العلائق التي يريدها النظام، حين أصبح مباشرة، دون واقيات، أمام فوهة المطالب الشعبية. لقد تزايدت خلال الفترة المنصرمة الفعاليات الاحتجاجية وارتفعت المطالب بشكل متزايد وعلا الصوت بشكل أكبر، وهو الأمر الطبيعي والحصيلة المتوقعة لمسار بُني على الاحتكار والاستغناء المُسيَّج بالقبضة التسلطية يوازيه الإفقار والإقصاء والاستبعاد الاجتماعي. احتجاجات تُرسّخ مزيدا من الخصائص والطبائع بما يشي أنها ماضية في التصاعد والتنامي والتأثير؛ فهي من جهة أولى متنوعة وموزعة بين غضب محلي ومطالب فئوية، وهي من جهة ثانية تمضي نحو المزيد من الجرأة والقوة والتنظيم، وهي من جهة ثالثة تتجاوز الوساطات التقليدية المحبطة والمسقوفة.

ولمواجهة مفارقة غاية في الدلالة؛ تتمثل في حيوية وحركية في المجتمع المقاوم والمحتج مقابل جمود ورتابة في المؤسسات والفضاء السياسي الرسمي، جنح نظام الحكم المغربي إلى المزيد من الاستقواء بالآلة القمعية وتعزيز المقاربة الأمنية وإطلاق اليد لوزارة الداخلية وأجهزة الرقابة والتنصت والتلصص، بما يؤشر على غياب الجواب عن الأسئلة الاجتماعية الحارقة أولا، وبما يكشف حقيقة الديمقراطية المزعومة ثانيا.

وفي الوقت الذي يدعو صوت الحكمة والعقل، وينادي الحكماء والعقلاء السلطة إلى رفع حِسّها السياسي، وجس نبض الشارع المنتفض، وتلمس الإجابات الحقيقية، وتجاوز الأساليب التخويفية والدعائية العتيقة، مضت الدولة خطوة أخرى في مسارها، وعزّزت من خياراتها السلطوية التسلطية، وأطلقت العنان أكثر لقبضتها الأمنية، ولغتها التخوينية، وآلتها القمعية في الميدان وساحات القضاء.

بعد عشرين سنة من الحكم أصبح اللافت أن القبضة الأمنية، المعبرة عن عودة قوية للدولة البوليسية، تجري بغطاء حكومي وتأشير سلطة تدَّعي أنها جاءت من رحم صناديق الاقتراع، والملاحظ أنها أصبحت -القبضة الأمنية- تضرب غير آبهة بالقوانين والمساطر، ولا مُحترِمة للمؤسسات والرقابة، في انفلات غير محسوب العواقب، ودفع للأوضاع نحو القعر السحيق والمجهول المخيف لا قدر الله. مما يؤكد على أن أزمتنا هي أزمة نظام حكم، أقصى الرأي الشعبي ليفرض رؤيته، وقتل السياسة لينفرد بالقرار، واحتكر الثروة والدين والإعلام واتخذ الريع منهجا لجلب المؤيدين في السياسة والاقتصاد والصحافة والثقافة والفنون وغيرها. همش الوسطاء وقمع المعارضة وأحرق أوراقه، ووضع كل رهاناته على التدبير الأمني لقضايا الوطن الحارقة.

إنها رهانات خاسرة لم تستوعب بعد تحولات المجتمع ودينامياته المتجددة، ولم تدرك قوة الشعوب الهادرة التي لا تموت أبدا. وفي مثل هذه الأوضاع المتأزمة يتعين على النخب والفاعلين السياسيين والاجتماعيين تحمل مسؤولية المحافظة على استقرار البلاد، ومواجهة جنون السلطة التي تقودها إلى الهاوية، وذلك بتوافق سياسي يتعالى على الخصوصيات من أجل المصلحة العليا للوطن، لتأمين انتقال آمن له نحو دولة الحق والقانون.

5.    المغرب بين ارتفاع المديونية واحتكار الثروة:  

في غياب وضع وتنفيذ سياسات تنموية حقيقية تولد الثروة وترفع مستويات النمو، اتجهت الدولة إلى الاقتراض من أجل تلبية الاحتياجات التمويلية للخزينة وأساسا تمويل خدمات الدين. فمع نهاية سنة 2018، ناهز حجم الدين الاجمالي العمومي تسع مئة مليار درهم (95 مليار دولار)، أي بمعدل 81.4% من الناتج الداخلي الخام، مما جعل هذه السنة الاقتصادية سنة مديونية بامتياز. وقد كشفت بيانات رسمية لوزارة الاقتصاد والمالية في 2019 عن أن الدين الخارجي بلغ 35.2 مليار دولار. وهو ما يهدد الاقتصاد المغربي بالسقوط في دوامة الاستدانة من أجل تسديد ديون سابقة، مما يفرض على الفئات الشعبية الفقيرة والمتوسطة تحمل عبء تسديدها عبر سياسات التقشف، وإغراق الأجيال القادمة بديون لا تحتمل، أو طلب إعادة الجدولة.

طالع أيضا  الدائرة السياسية تصدر التقرير السياسي لسنة 2018 (النص الكامل)

وهكذا بات المغرب يعتمد بشكل مفرط على المديونية الداخلية منها والخارجية، مما يدل على مدى عجز الدولة عن توفير موارد مالية تغطي تطور نفقاتها. وهذا من شأنه أن يخلف آثارا سلبية على مستوى التنمية الاقتصادية على المدى البعيد ويجعل السياسات الاقتصادية رهينة لإملاءات صندوق النقد الدولي وكذا المانحين والمقرضين وعلى رأسهم البنك الدولي، مع ما يعنيه ذلك من فقدان المغرب لسيادته على القرار الاقتصادي والمالي الوطني.

وأمام ارتفاع تكاليف الديون مقابل الميزانيات الاجتماعية الرئيسية، واسترضاء للوبيات الفساد والمصالح الخاصة، وعوض أن تلجأ الدولة إلى مباشرة إصلاح جبائي حقيقي وعميق بغرض إقامة نظام ناجع وعادل، عمدت إلى رفع مستويات التضريب، وتوسيع القاعدة الضريبية والحد من كتلة الأجور والزحف على عدد من الامتيازات الاجتماعية في الوظيفة العمومية وممارسة التهميش على الفئات الضعيفة.

وفي الوقت الذي يتفاقم الدين العمومي بدعوى تحقيق المشاريع المهيكلة والاستراتيجيات القطاعية، فإن الواقع يؤكد أن أغلب المشاريع لا تحقق الأثر الاقتصادي والمالي والاجتماعي المنتظر منها لأنها تصرف على تمويل استثمارات غير منتجة، تشكو غياب النجاعة ولا تنعكس لا على مستوى معدلات النمو، ولا على مستوى التشغيل بالنظر للمستويات المرتفعة للبطالة، خاصة بطالة الشباب وأصحاب الشواهد العليا. وهو الواقع الذي اعترف به الملك حينما دعا إلى تجديد النموذج التنموي المغربي.

وما يزيد الأمر استغرابا إقدام المغرب على منح مساعدات وعطايا ومنح لدول أخرى، كما هو الحال في تقديمه مساهمات مالية لإعادة ترميم كاتدرائية نوتردام دوباري بالعاصمة الفرنسية باريس، فضلا عن مساعدات أخرى تسلم لدول إفريقية عديدة.

إن فشل النموذج التنموي ناتج عن الاختيارات اللاشعبية للدولة التي لم تقم بالإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لإقلاع تنموي يولد الثروة ويوزعها بشكل عادل. فعلى الرغم من توفره على ثروات معدنية مهمة كالفوسفاط والذهب والفضة وغيرها، ما زال المغرب يعاني من اختلالات كبرى أضحت بنيوية، تتمثل أساسا في احتكار شديد للثروة في يد العائلات النافذة التي استفادت أساسا من الريع والتوزيع غير العادل للأراضي والثروات والامتيازات.

في هذا السياق، تؤكد تقارير دولية أن المغرب يتربع على قائمة دول شمال إفريقيا من حيث التفاوتات الاجتماعية، حيث تتكدس الثروات في أيادي أقلية مستفيدة من تغول ظاهرة الفساد. وتؤكد تقارير دولية أخرى أن الفساد وسوء الإدارة يعتبران من العوامل الأساسية في عرقلة الاستثمار وإنتاج الثروة بالمغرب. وقد أدت هذه الوضعية إلى استمرار اغتناء الأغنياء وتفقير ممنهج لشرائح واسعة من المجتمع، وهو ما كشفه تقرير لمنظمة العمل الدولية سنة 2019 الذي بني على دراسة “حصص دخل العمل وتوزيعه”، حيث قال إن أغنياء المغرب ازدادوا غنى مقابل تراجع مداخيل الفقراء، مشيرا إلى أن 50% من نسبة الدخل تذهب إلى 10% الأغنى. وقد نجم عن ذلك احتجاجات اتخذت أشكالا غير مسبوقة وعمت مختلف المناطق، وخصوصا الهامشية منها.

إننا نعتقد أن حسن استعمال الملك العمومي من ثروات بحرية كالصيد في أعالي البحار وباطنية من مناجم كالفوسفاط ومعادن كالذهب والفضة وغيرها، يمكن أن تشكل رافعة مهمة لتمويل ميزانية الدولة. غير أن استغلال هذه الثروات من طرف الدولة أو الخواص لا يخضع لمعايير الجدوى والمردودية. كما تعمه كل أشكال الريع سواء تعلق الأمر بالدولة أو المؤسسات التابعة لها أو الخواص. بموازاة ذلك، يلاحظ انحسار كبير للفرص المتاحة لباقي الفاعلين والمستثمرين الصغار، زاده تفاقما التضييق الممنهج وآفة البيروقراطية والفساد والرشوة.

6.    مغربيات ضحايا لقمة العيش وعنف السلطة:

على إيقاع رصاصة الموت التي قتلت حياة بلقاسم “شهيدة الهجرة” طوى مغرب 2018 صفحات إنجازاته “التاريخية” لصالح المرأة المغربية ليفتح صفحة جديدة من سجله القديم عنوانه البارز هذه السنة “شهيدات لقمة العيش”. نساء بائسات كن ضحايا حوادث مروعة تسبب فيها تكالب ثالوث: سياسات فاشلة ورأسمال جشع ومحاسبة غائبة.

إذ توالت تباعا وفي فترات متقاربة كل من حادثة مولاي بوسلهام التي ذهبت ضحيتها ثمان عاملات مزارعات في ضيعات الفراولة وفي معامل التلفيف، ثم حادثة انقلاب حافلة كانت تقل عاملات في معمل تصبير السمك بضواحي أكادير خلفت شهيدتين وأكثر من خمسة وعشرين جريحة، لتنضاف إليهما فاجعة تسرب غاز سام بوحدة لتصنيع كابلات السيارات بالقنيطرة تسبب في إصابة العشرات من العاملات باختناق ووفاة عاملتين وفقدان أخرى لجنينها. فضلا عن الحوادث المتكررة لنساء يقتتن على نقل البضائع من سبتة المحتلة في أوضاع مهينة وظروف صعبة. مآسي متعددة الأبعاد تلك التي أرخت بظلالها الكئيبة على واقع المرأة العاملة التي اضطرها شظف العيش، وتحملها مسؤولية إعالة الأسرة إلى العمل في ظروف أقل ما يقال عنها أنها غير إنسانية؛ أجور هزيلة وأخرى تمييزية، ساعات عمل غير قانونية وغير ملائمة، استغلال اقتصادي وتحرش جنسي. ومعاناة أخرى عابرة للقارات طالت الدفعة الحالية للعاملات المغربيات في مزارع الفراولة بإسبانيا حيث اشتكت بعضهن من تكرار الاعتداءات الجنسية والابتزاز من قبل أرباب المزارع وصل درجة إجبارهن على الإفطار في شهر رمضان.

لتظل هذه الوقائع، وغيرها كثير، مؤشرا واضحا وكاشفا عن حقيقة الوضع الذي تعيشه فئة عريضة من المغربيات بحيث لم تعد تستطيع حتى التقارير الرسمية تجاهلها بله إخفاءها. ولا أدل على ذلك من البحث الوطني حول موضوع “انتشار ظاهرة العنف ضد النساء” والذي عرضت نتائجه الأولية في أواسط شهر ماي 2019. هذا البحث الذي حفل بمعطيات مثيرة حول العنف الذي تتعرض له المرأة المغربية، النفسي والاقتصادي والجسدي والجنسي.

وسكت التقرير عن العنف السياسي الذي يطال المرأة والرجل على السواء، عنف الاستبداد الذي تجد المرأة نفسها معه أُمّاً تكتوي بنار اعتقال ابنها ظلما وعدوانا كما هو حال أمهات معتقلي جرادة والحسيمة. أو تجد نفسها زوجة تكابد فراق الزوج وعبء الأطفال كما هو حال زوجات الصحافيين معتقلي الرأي والتعبير. أو تجد نفسها مشردة بعد أن تم طردها وأسرتها من بيت تم تشميعه في خرق صارخ للقوانين والتشريعات. أو تجد نفسها مهملة على أبواب المستشفيات وهي تعيش مخاض ولادة قد ينتهي بفقدانها الحياة، في لحظة يفترض أن تكون مناسبة فرح بحياة مولود جديد. أو تجد نفسها معتقلة خلف أسوار السجون ضحية لعبة صراع غير شريف ينتقي ضحاياه بخلفية انتقامية، ويسلط عليهم صحافة التشهير كما هو حال الصحفية هاجر الريسوني. وهلم جرا من مظاهر العنف السياسي قمعا وتضييقا وترهيبا وإهمالا. فهل تمتلك الدولة ووزارتها في الأسرة والتضامن الجرأة نفسها التي اضطرتها للإفصاح عن أرقام ونسب مظاهر العنف الاجتماعي كي تكشف عن نسب العنف السياسي والأسباب الحقيقية من ورائه؟ بالتأكيد لا، لأنها ببساطة شديدة لا ترى، أو لا تريد أن ترى، أن معاناة المرأة تبدأ وتنتهي مع سياسات استبدادية تمس المرأة والرجل معا وتسبب في انتعاش ظواهر اجتماعية هي نتيجة القهر والتهميش قبل أن تكون تجليا لرسوبات مجتمعية.

إن الارتقاء بمكانة المرأة في المجتمع المغربي مدخله الرئيسي إرادة سياسية تقطع مع ماضي الاستبداد والفساد، اللذان يقفان دائما حجرة عثرة أمام الإقلاع الحقيقي نحو تنمية شاملة، تحفظ كرامة المرأة والرجل على حد سواء وتضمن حقوقهما الأساسية. وإن بناء الأسرة والحفاظ على تماسكها وسمو أدوارها وضمان قوتها ومعاشها في كرامة وعدالة من شأنه أن يحقق جزءا هاما من استقرار المجتمع ويعطي للمرأة قيمتها ومكانتها اللائقتين. 

7.    تكييفات قانونية لخروقات حقوقية:

اهتز الرأي العام الوطني والدولي لقرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتأييدها الأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية في حق معتقلي حراك الريف، ما خلف استياء عارما، حيث شدد العديد من الحقوقيين على أن هذه الأحكام تأكيد على واقع القضاء المغربي الذي أخلف الموعد من جديد مع الحق والقانون. فقد تميزت هذه القضية منذ بدايتها بخروقات عديدة ابتداء من أسباب الاعتقال إلى ظروفه ثم أطوار المحاكمة التي كانت تفتقر لشروط العدالة وانتهاء بالأحكام الصادرة في حق المعتقلين. وما تلا ذلك من ترحيل عدد كبير منهم وتوزيعهم على أحد عشر سجنا مما زاد من معاناتهم ومعاناة عائلاتهم.  

وقد أكدت تلك الأحكام استمرار الدولة المغربية خلال هذه السنة في معاقبة كل من يجرؤ على الاحتجاج ضد سياستها، حتى وإن اعترفت هي نفسها بعدالة مطالبه، كما هو حال معتقلي الريف. في نفس الوقت الذي كان ممثلوها الحقوقيون يروجون داخليا وخارجيا لتحسن الأوضاع الحقوقية بالمغرب. إلا أن أغلب التقارير الحقوقية الوطنية والدولية أكدت قلقها الشديد من التردي الحقوقي، ومن السياسات الحقوقية التي تنهجها الدولة، حيث يسجل استمرار واضح للتعاطي الأمني واستعمال العنف المفرط واستغلال القضاء لقمع المطالب الشعبية السلمية والعادلة التي تصاعدت أمام التأزم الاجتماعي والسياسي والتنموي الذي يعيشه المغرب.

من ذلك ما تعرض له الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد من تدخلات أمنية متكررة ضد مسيراتهم الاحتجاجية، مما خلف عشرات الجرحى، وأدى إلى وفاة السيد عبد الله حجيلي (أب أستاذة) بعد قضاء أكثر من شهر في غيبوبة داخل المستشفى، على إثر تدخل أمني لتفريق مسيرة سلمية لهؤلاء الأساتذة يوم 24 أبريل 2019، لتتكرر مأساة قتل الشهيد كمال العماري وآخرين على يد أمنيين، وطمس ملفاتهم أمام سياسة الإفلات من العقاب التي تتبناها الدولة عندما تتورط أجهزتها في قضية من القضايا الحقوقية. رحم الله جميع الشهداء. وقد استعملت الدولة أساليب الترهيب المتنوعة لردع احتجاج طلبة كليات الطب بلغت مداها بتوقيف ثلاثة من أساتذتهم في كل من الدار البيضاء ومراكش وأكادير تم انتقاؤهم بشكل انتقامي فج وغير مبرر بسبب نشاطهم النقابي وتضامنهم مع الطلبة المحتجين. فضلا عن توقيف طبيب آخر بسبب نشاط ابنه في التنسيقية الوطنية لطلبة الطب.

لم تقتصر الدولة على مصادرة الحق في الاحتجاج السلمي بل تعدته للتضييق على الحق في استغلال السكن الخاص حيث عمدت إلى تشميع مزيد من البيوت الخاصة لأعضاء من جماعة العدل والإحسان ليبلغ عددها أربعة عشرة بيتا، في مدن وجدة وفاس وطنجة وتطوان والمضيق وأكادير والقنيطرة والدار البيضاء والجديدة وآسفي ومراكش وبوعرفة، في إطار حملة ممنهجة وممركزة تهاوت معها كل التكييفات الواهية، التي حاولت بها الدولة تبرير هجمتها التي تفتقر إلى سند قانوني يسعفها فيما قامت به من انتهاكات. كما تهاونت الدولة في حماية هذه البيوت حيث تعرضت بعد تشميعها للسرقة والإتلاف والتخريب. فالدولة هي المسؤولة عن تأمينها بعد طرد أصحابها منها ومنعهم من ولوجها. كل ذلك جعل النسيج الحقوقي والفاعلين المجتمعيين يجمعون على إدانة هذه الانتهاكات والممارسات الخارجة عن القانون. وقد عاين وفد دولي حقوقي يتكون من خبراء ومدافعين عن حقوق الإنسان ورجال قانون هذه البيوت وسجلوا ملاحظاتهم، وعبروا عن تضامنهم مع أصحابها. كما نُظمت ندوة حقوقية ببروكسيل حضرها ناشطون حقوقيون دوليون اطلعوا على الخروقات والتجاوزات القانونية والحقوقية التي مارستها الدولة المغربية اتجاه أصحاب البيوت المشمعة بسبب انتمائهم السياسي.

واستمر التضييق والاعتقال التعسفي والمحاكمات السياسية الصورية الفاقدة لشروط المحاكمة العادلة ضد الفاعلين الجمعويين والحقوقيين والإعلاميين، لتقييد الحق في المعلومة وحرية التعبير وخنق الإعلام والصحافة المستقلة مع توظيف القضاء لتصفية الحسابات مع المعارضين. في هذا السياق فقد تمت محاكمة الناشط النقابي عبد الحق حيسان مع استمرار التضييق على العمل النقابي سواء من خلال الطرد الجماعي للعمال أو عبر فرض مشروع القانون التنظيمي للإضراب بعيدا عن جلسات الحوار الاجتماعي. كما كشفت تقارير المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية بؤس الوضعية الحقوقية بالمغرب، ومنها تقرير مراسلون بلا حدود لسنة 2019 الذي سجل تراجع المغرب في مجال حرية الصحافة. وفي هذا السياق استمرت المحاكمات غير العادلة للصحفيين حميد المهداوي وتوفيق بوعشرين، وتعرض الناشطان الإعلاميان سعيد بوغالب وعدنان أحمدون وآخرون لمتابعات في عدة قضايا أمام المحاكم تهم نشاطهم الإعلامي.

كما استمر انتهاك الحق في التنظيم حيث عرفت هذه السنة حرمان السلطة لمجموعة من الهيئات من وصول الإيداع القانونية والتضييق على تحركات نشطائها (فروع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان، شبيبة النهج الديمقراطي….)، أو من حقها في الاستفادة من الفضاءات العمومية، وممارسة نشاطها. كما تم منع مجموعة من الجمعيات من الحق في التأسيس أو التجديد بسبب وجود عضو ينتمي لجماعة العدل والإحسان ضمن مكتبها، حيث تخضع السلطات الحق في الانتماء التنظيمي واستغلال الفضاءات العمومية لمنطق الضبط والتحكم والابتزاز. وفي هذا السياق ما يزال المعتقل السياسي عمر محب يقضي مدة عشر سنوات سجنا ظلما في ملف فارغ قانونيا مصادرة لحقه في الانتماء. كما عادت الدولة إلى سياسة إعفاء موظفين من مهامهم الإدارية على خلفية انتمائهم السياسي حيث بلغ عددهم هذه السنة عشرين موظفا.  

طالع أيضا  حصيلة 20 سنة من الحكم تحت مجهر التقرير السياسي للدائرة السياسية للجماعة

إن هذا التردي الحقوقي الشامل الذي تعرفه بلادنا ما هو إلا صدى لنظام سياسي يمارس شططه واستبداده من خلال إسكات الأصوات الحرة والآراء المعارضة، حيث يصادر حقها في التعبير ثم يلاحقها في حريتها وأرزاقها وحقوقها وكرامتها. كل ذلك لتوفير الأجواء للمضي في ترسيخ دولة السلطوية التي لا رأي إلا رأيها ولا قرار إلا قرارها. لذلك فإننا نؤكد على أن الأولوية في معركتنا ضد الاستبداد تبدأ بإحقاق الحقوق المدنية والسياسية التي من شأنها أن توفر الأجواء لتدافع مجتمعي يبني مستقبل المغرب الجديد، مغرب يستوعب كل أبنائه على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات.

8.    القانون الإطار للتعليم.. الطريق الخاطئ

عرفت هذه السنة المصادقة على القانون الإطار 17/51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي المنبثق عن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المنظومة التربوية والتعليمية 2015/2030، حيث صدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 19 غشت 2019 بعد مصادقة المجلس الوزاري عليه في غشت 2018، وتصويت البرلمان بغرفتيه لصالحه في يوليوز 2019.

يُعرض هذا القانون “كمحاولة إصلاحية” جديدة من أجل تجاوز الاختلالات العميقة والمزمنة التي تعاني منها المنظومة التربوية بالمغرب، وهي الاختلالات التي لم تعد خافية على أحد بعد أن تواترت التقارير المحلية والدولية في وصف حدتها، وبعد أن اعترفت الدولة بخطورتها وتهديدها لمستقبل المغرب بكل قطاعاته التي أصبحت مفتوحة “على سيناريوهات كارثية”، كما صرح رئيس المجلس الأعلى للتعليم، جراء هذه الأزمة المزمنة التي مست مختلف مستويات العملية التعليمية التكوينية والمدرسية والجامعية على السواء. وهو ما تعكسه مؤشرات الأداء التعليمي والتحصيل الدراسي والهدر المدرسي والعرض التربوي والتدبير المؤسسي والبحث العلمي وغيرها من الأبعاد المشكلة للمنظومة برمتها. لذلك نص هذا القانون على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية ملزمة بتعبئة كل الوسائل المتاحة لتحقيق أهداف الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم ومقتضيات القانون الإطار.

إلا أن أول عقبة صادفها هذا المشروع هو غياب التوافق المجتمعي حوله، ابتداء بإعداده بمقاربة غير تشاركية، غيبت الفاعلين المباشرين في المنظومة من جمعيات مهنية وتربوية ونقابات تعليمية وتنظيمات طلابية وجمعيات آباء وأمهات التلاميذ وغيرهم. ولقد عبر هؤلاء عن رفضهم للمشروع بمختلف الوسائل قبل وخلال مناقشته بالبرلمان دون أن يلتفت إليهم أحد من المسؤولين. وقد انعكس ذلك على النقاش العمومي الذي حبل بانتقادات كثيرة لهذا المشروع، كما انعكس على أجواء المصادقة عليه داخل دواليب المؤسسة التشريعية، حيث عرى من جديد واقع هذه المؤسسة وتناقضاتها وضعف المعارضة من داخلها. إذ كيف لمشروع قانون تقدمت به الحكومة المشكلة من الأغلبية أن يكون محط نزاع وخلاف بين مكونات الفرق البرلمانية لأحزاب الأغلبية نفسها؟؟ وكيف يمكن لفرق الأغلبية أن تصوت ضد القانون ولفرق المعارضة أن تصوت لصالحه؟؟ وكيف يمكن لبرلماني يرفض تمرير هذا القانون أن يمتنع عن التصويت فيسمح بذلك لعدد المصوتين بـ “نعم” أن يصبح أكبر من عدد المصوتين بـ “لا”؟؟ تناقضات كثيرة تسائل مصداقية الشكل الذي تم به إقرار هذا القانون قبل مناقشة مضمونه.  

من جهة أخرى فقد عبرت الكثير من التنظيمات السياسية والنقابية والحقوقية والطلابية وفاعلون مجتمعيون عن رفضهم لهذا القانون، حيث وجهت هيئات طلابية (الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، التنسيقية الوطنية للمهندسين، تنسيقة طلبة الطب…) عريضة إلى مجلس النواب ضد القانون، كما دعت نقابات لسحبه وإعادة إخضاعه لنقاش تشاركي خارج دواليب المؤسسات الرسمية، ليحظى بأكبر نسبة من الإجماع الشعبي وقواه الحية باعتبار ذلك ضمانة حقيقية لوضع الإصلاح على السكة الصحيحة، إذ أن المجتمع هو الحاضن الفعلي للمدرسة، بعده يأتي دور المؤسسات والقطاعات والشركاء الآخرين. لكن غياب فلسفة تربوية ومشروع مجتمعي مجمع عليه بشكل ديمقراطي جعل عملية تمرير هذا القانون شكليا ودستوريا أقرب إلى تهريبه منه إلى التصديق عليه، مما فوت مرة أخرى فرصة إنقاذ المنظومة التعليمية من أزمتها الخانقة، وجعل هذا القانون الأرضية التي يجتمع عليها كل المتدخلين لانطلاقة ناجعة للإصلاح المنتظر. إذ لم تستطع الدولة القطع مع نهجها الانفرادي في تدبير القطاع، ولم تقدر المنظومة التربوية التعليمية بالتالي أن تتخلص من أدوائها القديمة وأعطابها المزمنة.

ولعل حدث إقرار هذا القانون الإطار دليل على اهتزاز مزاعم الإجماع خاصة أنه لامس جوانب تستهدف الهوية المجتمعية الحضارية الجامعة للمغاربة، وفرض تعميم تدريس المواد العلمية بالفرنسية بدعوى التناوب اللغوي، وهو ما تكذبه الوقائع التي تؤكدها المذكرات الصادرة قبل وبعد التصديق على هذا القانون والتي تدعو إلى تعميم الفرنسة. من جهة أخرى تضمن القانون بنودا تهيئ لضرب المجانية، والمس بالاستقرار النفسي والاجتماعي لأطر القطاع من خلال تنزيل صيغة مغلفة للتعاقد عبر إقرار هشاشة الوضع المهني والاجتماعي للمدرسين تحت شعار “تنويع أنماط التوظيف”.

إننا نعتبر ذلك إصرارا من الدولة على سلوك اختيارات سترهن  الوطن  كله عموما والأجيال القادمة من أبناء الشعب خصوصا في سياق تاريخي دقيق لاستبداد القرار السياسي، وإملاءات الاستكبار الدولي، ولضياع وجهة المشروع المجتمعي الفاشلة نماذجه التنموية المنسوخة المكرورة، مما يتعين معه – عاجلا غير آجل، أن تتكتل جهود كل الفاعلين والمعنيين المجتمعيين على أرضية التعبئة الشعبية العامة لإرساء جبهة وطنية عريضة للدفاع عن مدرسة مغربية حرة في إرادتها، مستقلة في سياستها، متشبثة بهويتها، متمثلة لقيمها، قادرة على الاستجابة لحاجة أهلها إلى تعليم جيد وتربية أجود في عالم يعرف تحولات قيمية وتحديات رقمية تفرض التأسيس لتغيير جذري لمنظومة تربوية وتعليمية، قادرة على مواجهة تحديات التنمية الشاملة والناجعة.

9.    الاحتجاجات.. صوت الشعب باق ويتمدد

إن ما ميز السنة الاجتماعية التي نودعها تنوع أشكال وصور الاحتجاجات ناهيك عن كثافتها. وتتمثل أهم السمات البارزة لهذه الأشكال والصور من الاحتجاج في التنوع الفئوي حيث امتدت الاحتجاجات من التلاميذ ثم طلبة الطب والصيدلة إلى الأساتذة المتعاقدين إلى التجار وغيرهم. ثم في التنوع الجغرافي حيث انتشرت الاحتجاجات في أكثر من مدينة وقرية على امتداد الوطن من أجل مطالب اجتماعية عادلة. ثم في تنوع الأشكال وحدتها حيث برزت المسيرات الحاشدة والوقفات الكبيرة، فضلا عن الاعتصامات والبيانات والندوات الصحافية وشعارات “الألتراس” ذات النفس الاحتجاجي وغيرها.  

فلم يكن أحد يتوقع أن يخرج تلاميذ وتلميذات المغرب عن بكرة أبيهم دون مواعدة محددة ليحتجوا على إقرار ساعة إضافية إلى التوقيت الرسمي، حيث تعامل المسؤولون مع تدبير هذه الزيادة بكل احتقار ولامبالاة للشروط التربوية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية اللازمة، خاصة أن القرار كان سريعا ومفاجئا وارتجاليا ومحاطا بكثير من الالتباسات التي أعادت طرح سؤال اختصاصات الحكومة وعجزها أمام التعليمات الفوقية.

ثم توالت الاحتجاجات من فئات مختلفة متخذة أشكالا غير مسبوقة من أبرزها انتظام، ولأول مرة، المتضررين من التجريد من الأراضي بناء على قوانين الفترة الاستعمارية المقيتة في تنسيقية “أكال” منددين بالتهجير القسري لهم. في مشهد مماثل لزحف جماعي لسكان “كاريان” عين السبع في مسيرات ووقفات احتجاجية ضد استرخاص استقرارهم وكرامتهم. كما خرج التجار وأصحاب المحلات عن صمتهم تجاه قانون ضريبي وصفوه بالجائر وغير الواقعي في إضرابات جهوية ناجحة.

في خضم هذا الواقع المتأزم دشن الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد ملحمة احتجاجية متميزة أيقظت الوسنان، وفتحت عيون المنخدع ب “جدية الإصلاح” على حقيقة مفادها أن التوظيف بموجب عقود ضرب للاستقرار النفسي والمهني والاجتماعي للمتعاقدين. وما كادت تنتهي “مؤقتا” هذه الملحمة النضالية حتى اشتعل فتيل معركة كليات الطب دفاعا عن الجامعة والصحة العموميتين، والتكوين الطبي العمومي، والتي لا تقل خطورة عن سابقتها، لتظل الأزمات تراوح مكانها دون إرادة حقيقية لنزع الفتيل وحل المشاكل.

ولم تنحصر الاحتجاجات في هذه الفئات بل اتسعت لتشمل مستخدمي الوكالات المستقلة والأطباء والممرضين وتقنيي الصحة، ومستخدمي وعمال المنطقة الحرة، وعمال ومستخدمي المكتب الشريف للفوسفاط، ومصفاة لاسمير، والأساتذة المرسبين وحاملي الشهادات وضحايا الإعفاء التعسفي، والمتصرفين، والتقنيين، وعمال مصنع برشيد وعاملات الضيعات الفلاحية، وسكان دوار البرادعة بالمحمدية، والتجار الصغار وغيرهم كثير، ليصل عدد التظاهرات خلال سنتي 2018 و2019 ما يناهز18800  تظاهرة احتجاجية حسب المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان. وهو رقم رسمي يدل على الحياة التي تدب في أوصال المجتمع المغربي وحركيته ووعيه بحقوقه واستعداده للدفاع عنها، مقابل استهتار الدولة التي توجت مسلسل الوهم بحوار اجتماعي هزيل النتائج ضعيف المخرجات ضئيل المكاسب، لم يحظ بتوقيع كل النقابات الأكثر تمثيلية، بعدما قفز على ضرورة البدء بأجرأة بنود اتفاق 25 أبريل 2011، التي لا زالت حبرا على ورق.

ولم تجد الدولة أمام تنامي الاحتجاج الشعبي إلا لغة القمع وشماعة التحريض، فيما عادت لتشغيل أسطوانة اتهام جماعة العدل والإحسان بالوقوف وراء كل حركة احتجاجية من أجل تسييس مطالب المحتجين وثنيهم عن المضي في مسيرتهم النضالية مطالبين بحقوقهم المشروعة. وقد انتقل اتهام الدولة هذا من لغة التلميح إلى لغة التصريح حيث قال الناطق الرسمي باسم الحكومة أن جماعة العدل والإحسان تقوم بتحريض طلبة الطب على المقاطعة. الشيء الذي كذبه المحتجون في بياناتهم وتصريحاتهم واعتبروه احتقارا لهم واستهانة بقدرتهم على تقدير مصلحتهم وصياغة مطالبهم وتحمل مسؤوليتهم في الدفاع عنها.

إن هذه الديناميات المجتمعية تحدثنا عن قدر الله وسنته في حياة الشعوب، فمهما اشتد الظلم واستبد الحكم فإن للتغيير سننا وقواعد يقرؤها المؤمن بيقينه وإيمانه، ويدركها المحلل بأدواته وخبرته ويؤكدها التاريخ بأحداثه ووقائعه.

خاتمة:

إن خلاصات هذا التقرير هي تأكيد جديد على واقع يزداد سوءا وانتشارا بين المجالات والقطاعات والفئات. واقع الانسداد السياسي والتأزم الاجتماعي الذي تعيشه بلادنا جراء حكم سلطوي يحتكر الثروة وينفرد بالقرار ويفشل في الخطط وينتهك الحقوق ويحمي الفساد ويعبث باستقرار البلاد وأمن أهلها. وإن التقارير الرسمية وغير الرسمية، الوطنية والدولية، تؤكد الكثير من ذلك حتى وإن لم تفصح عن كل شيء. لكن السلطة ماضية في غيها، غير مهتمة حتى بما تصدره مؤسساتها من تقارير فاضحة. خذ مثلا تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وهو مؤسسة رسمية تحت إشراف المؤسسة الملكية، التي تحدثنا كل سنة عن الفساد والهدر المالي والصفقات الضخمة المشبوهة في كل القطاعات، ثم لا يتبع ذلك أي متابعة أو محاسبة أو عقاب. وكأن ما تصل إليه لا يستحق التحقيق والتدقيق والإحالة على القضاء. ثم أين تحقيقات هذا المجلس من المؤسسات الكبرى للبلاد التي تشرف على الميزانيات الضخمة والصفقات الهائلة؟؟ وأين الحديث عن الأسباب والمسببات والمسببين الذين يقفون فعليا خلف هذا الفساد المستفحل الذي يهز أركان البلاد ويهدد حاضرها ومستقبلها، ويعيق استقرارها ونهضتها، ويدفع بأهلها وأجيالها إلى هاوية التهميش والهشاشة والفقر والبطالة والجهل ومستتبعاتها من جريمة ودعارة وفقدان الحصانة والتماسك الداخلي للبلاد.

ليست هذه المرة الأولى التي تتعالى فيها الأصوات المحذرة من المستقبل المجهول، إذ ما فتئت الهيئات المجتمعية تدق ناقوس الخطر لتجنيب البلاد الدخول في نفق مأزوم يتعذر الخروج منه. لكن صوت الفئات الشعبية أيضا بدأ يرتفع ويتوسع ويتقوى بعد أن شعر بحجم الأزمة وخطورتها، وبعد أن فقد ثقته في المؤسسات وأعضائها. ماذا بعد؟؟

 إذا أصبح كل العقلاء يدركون الكلفة العالية للاستبداد والفساد على وطننا، وإذا ترسخت القناعة الشعبية بأن الوضع الحالي سيقود بلادنا إلى الهاوية، فينبغي على كل الأحرار ابتداء اتخاذ الموقف الواضح والموقع المناسب حيال دوائر الاستبداد، بما يسمح بتقوية جبهة المجتمع ومكوناته الصادقة من أجل العمل على إنقاذ سفينة الوطن عبر ائتلاف سياسي جاد، تجسيدا عاجلا لحالة مجتمعية تواقة للتغيير ترفض الارتهان للوضعية القائمة، وتقف في وجه تغول الاستبداد وتمدد الفساد واشتداد معاناة الشعب، أو انفجار غير محسوب التوقيت ولا متوقع النتائج.   

إن انتصار الحق يقين لا غبار عليه، وإن استرجاع الحقوق والكرامة وإخراج المستضعفين من محنهم نصر من الله يجريه على الأيادي العاملة المتحدة المتعاونة التي لا تكل ولا تمل، لا يأخذ من عزيمتها وقوتها ظلم الظالم أو بطش المستكبر. إنما هو تدافع وصبر وثبات ومكابدة ويقين ووعد من الله تعالى: “وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (سورة الأنعام، آية 115).