عقدت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان مجلسها القطري في دورته الثالثة والعشرين، يومي السبت والأحد 20 و21 صفر الخير 1441 ه الموافق لـ19 و20 أكتوبر 2019، رافعة شعار “من أجل تغيير يصون الهوية ويحقق العدل والكرامة والحرية”.

وقد كان المجلس مناسبة لتقويم أداء الدائرة ورصد وتحليل الواقع السياسي بأبعاده المختلفة الذي تتحرك فيه، كل ذلك وسط حضور ومشاركة متميزة لمختلف مؤسسات الجماعة وأعضاء مجلس الإرشاد ومنتدبي مؤسسات الدائرة الوطنية والمحلية. وناقش عدة قضايا سياسية واجتماعية وحقوقية واقتصادية، واستحضر السياقات الداخلية للجماعة والوضع السياسي القائم بالمغرب، وما تعرفه دول المحيط العربي والقضية الفلسطينية، كما ناقش أوراقا عدة تتعلق بالعمل السياسي للجماعة وأدائها تقويما واستشرافا.

في مفتتح المجلس، أشار رئيس الدورة أبو الشتاء مساعيف، بعد عرضه للبرنامج، إلى السياق الخاص الذي تنعقد فيه الدورة، حيث الهجمة المخزنية مستمرة عل الجماعة، عبر الاعفاءات التعسفية وتشميع البيوت، مؤكدا أن الحصار والتضييق لن يزيد الجماعة إلا ثباتا. وأكد أن شعار يحدد ماهية التغيير الذي ترمي إليه الجماعة، تحقيقا للتغير المنشود صونا لهوية الشعب المغربي الجامعة وكسبا لمعركة العدل والكرامة والحرية.

وفي كلمته في الجلسة الأولى، أكد رئيس الدائرة السياسية عبد الواحد متوكل أن الاستبداد في هذا البلد ازدادت حدته، كاشفا أن دولا تدفع دعما غير محدود لاستمرار النظام الاستبدادي على ما هو عليه مقابل ضمان مصالحها، ولا هدف لها في تلبية مطالب الشعب. وبينما أكد تعرض الجماعة في العام الذي مضى إلى “ضربات” متتالية، أوضح أن الحملات الظالمة التي تستهدف الجماعة أيما كانت الأهداف، لن تزيدها إلا ثباتا ورفضا لنظام حكم قائم على الاستفراد بالسلطة والثروة، مردفا بالقول: “وسنظل بإذن الله مستمسكين بمادئنا”. ولفت إلى أن كل الاحتجاجات التي وقعت في المغرب سببها سياسات عمومية لنظام سياسي فاشل، لجأت معها السلطة إلى الترويج بأن العدل والإحسان وراء مختلف الاحتجاجات، مؤكدا أن ذلك تم لأغراض سياسية.

طالع أيضا  التقرير السياسي/ المحور الحقوقي: اعتقالات ومحاكمات.. منع وتضييق وحصار

واستقى من تاريخ الأمم عبرا ضمّنها كلمتَه أمام أعضاء “مقدس” عن قواعد مطردة في مصير المستبدين، وكيف تتحول الأمور من أحداث بسيطة إلى ثورات تعصف بالجبابرة الذين “تشربوا من نفس المدرسة”، مدرسة “الغرور”، مؤكدا أن غرور السلطة لا نهاية له، تحت العبارة الشهيرة المؤطرة “كل شيء تحت السيطرة”. واستدل بحالة نيكولاي تشاوسيسكو وما أدى بالشعب الروماني إلى الإطاحة به في ثورة بدأت بحدث بسيط جدا. واعتبر متوكل في ختام كلامته أن السبيل للخروج بالبلد من الأوضاع المزرية التي يعيشها على كافة المستويات وفي كل المجالات، هو الائتلاف في حركة سلمية حازمة وبأهداف واضحة متوافق عليها، أبرزها التأسيس لنظام سياسي جديد، ومغرب جديد، يسترجع فيه المغاربة قرارهم المغتصب، وحقهم الأصيل في اختيار ومحاسبة من يحكمهم.

بعد، ذلك انطلقت الجلسة الثانية التي خصصت لعرض التقرير السياسي ومناقشته، إذ ركز التقرير على الواقع المغربي بأبعاده المختلفة ومحيطه الدولي والإقليمي رصدا وتشخيصا وتحليلا. مشدّدا على خلاصة مفادها تنامي الحراك الاجتماعي والاحتجاج الشعبي، مقابل انحباس الأطروحة الرسمية المتكئة على التغول الأمني، والقبضة السلطوية مع تجريف متواصل للمشهد السياسي، وإضعاف مقصود للفاعل السياسي.

وعرج التقرير السياسي، بعد أن عرض ملامح السياق الدول والإقليمي الذي تتسيد فيه الإسلاموفوبيا، ويراد فيه تصفية القضية الفلسطينية، وتنبعث رغم إكراهاته رياح الربيع العربي من جديد؛ على حصيلة 20 سنة من “العهد الجديد” التي اختصرها عنوان “تجديد السلطوية وفشل التنمية”، مع التشديد على الاستنزاف المتواصل للاقتصاد الوطني وثروة البلد حيث “ارتفاع المديونية واحتكار الثروة”. ولم يفت التقرير، الذي ننشره كاملا لاحقا، تسليط الضوء على لقمة العيش الحارقة التي قتلت مغربيات في أكثر من مناسبة، وأدان التكييفات القانونية والخروقات الحقوقية التي طالت العديد من المكونات المجتمعية والشعبية، ومسّت الشباب في جرادة والحسيمة، وضيّقت على فعاليات حقوقية وصحافية وسياسية، ونبّه إلى الطريق الخطأ الذي يمضي فيه القرار التعليمي مع القانون الإطار، واستبشر خيرا بالاحتجاجات الشعبية المتكاثرة فــ”صوت الشعب باق ويتمدد”.

طالع أيضا  البيان الختامي للدورة 22 للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان

وقد كان النقاش فرصة للتدقيق في الأفكار ورصد المزيد من مظاهر الاختلال وتحليلها، وطرح مداخل عامة للحلول، مع استشراف الآفاق الممكنة خاصة مع الوعي الشعبي المتنامي والمُعبَّر عنه بأكثر من مظهر ووسيلة.

وتطرق النقاش أيضا لفعل الدائرة في الفضاء السياسي والحقوقي والاجتماعي والتواصلي الداخلي والخارجي، إذ وقف المجلس مع هذا الأداء تقييما للمستوى الذي بلغه وطلبا للتطوير والإنضاج والتقدم.

الجلسة الثالثة ركزّت على عرض ونقاش “التقرير العام” الذي بسط الأداء التنظيمي وعمل المؤسسات المختلفة قطاعيا ومجاليا، رصدا لما تم إنجازه بناء على الأهداف المرصودة وتلمّسا لمواضع التطوير المفترضة. وفي هذا الصدد، وبناء على مؤشرات وأرقام ومبيانات توضيحية، تطرّق العرض والنقاش لأداء الأمانة العامة في مستويات العمل المختلفة، وكذا لأداء القطاعات الثلاث الشبابية والنسائية والنقابية، ولفعل المؤسسات المركزية والأقاليم.

وفي جلسة مفتوحة مع أعضاء مجلس الإرشاد، اتخذت البعد التوجيهي للعاملين في الشأن العام، أكد نائب رئيس الدائرة السياسية محمد حمداوي أن موضوع الهوية لم يعد لها بعد اجتماعي فقط، بل أصبح لها بعد سياسي محض، وأكد أن حضورها في الشعار مقصود، واهتمام الجماعة بقضية الأخلاق والقيم من صميم اشتغالها. بدوره رئيس مجلس الشورى عبد الكريم العلمي أكد أن الإمام المرشد كان يُقبل على هذا المجلس بفرح شديد، وكانت تبدو على وجهه قسمات الفرح، ونوه بعمل الدائرة السياسية وأعضاء المجلس معتبرا أنهم يتمتعون بروحانية الجهاد مع ضرورة مزجها بروحانية الإحسان، كما ذكَّر بمعاني الإخاء والمحبة والصحبة التي ينبغي “ألا تزيدنا الأيام فيها إلا رسوخا”. ومن جهته الناطق الرسمي فتح الله أرسلان أوضح أن سنة الله اقتضت أن يكون التدافع بين الحق والباطل، رغم أن هذا التدافع ليس هو من يحقق الغلبة، مشيرا إلى قوله تعالى “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى”، مشددا على أننا مطالبون بالأخذ بالأسباب، وببذل المزيد من الوسع لنصرة الحق والدفاع عنه.

طالع أيضا  دة. بوسعداني: المغرب يشهد نموا مضطردا لقوى الممانعة وتجديدا في آلياتها وأدواتها

أما الجلسة الرابعة فتطرقت للبيان الختامي؛ إذ تقدم محمد سلمي بقراءة مضامين مشروعه على الحضور والمؤتمرين، قبل أن يقع التصويت والتصديق عليه. وشدّد البيان على تردي الوضع الحقوقي والاجتماعي والسياسي محذرا من المضي في سياسة القبضة التسلطية للدولة الأمنية، وندد بمختلف مظاهر الاختلال والعسف الحقوقي والقضائي والقانوني الذي يمس فئات مجتمعية متنوعة. كما أدان البيان الحملة المخزنية على جماعة العدل والإحسان، الماضية في الانحياز إلى المجتمع ومطالبه الشعبية وفضح مخططات الفساد والاستبداد.

وكان مسك ختام المجلس، كلمة توجيهية مع الأمين العام لجماعة العدل والإحسان محمد عبادي، مما جاء فيها: “شتان بين من يصنع نفسه بنفسه ومن يصنعه الله، فهو في حفظه ورعايته ما دام معتصما بالله”. وذكر الحاضرين بأساس دعوة العدل والإحسان، فقال: “نحن حملة رسالة، أمناء على إرث عظيم وصل إلينا بسند متصل على يد حبيبنا المرشد رحمه الله؛ هو النور النبوي، ودورنا هو كيف نبثه في أمتنا؟ كيف نخرج الناس من الظلمات إلى النور؟ ونربط الخلق بالله ونذكرهم بمصيرهم وبالآخرة، الاهتمام بأمور دنياهم أمر مطلوب ولكن يجب أن يكون مصحوبا بهم الآخرة الذي به يستطيع الإنسان أن ينال السعادة الأخروية”.

وزاد موصيا: “الدائرة السياسية هي وجه الجماعة للمجتمع فيجب أن يكون باشا، وكلمته صادقة تنبعث من القلب، يجب أن تتصف بالرحمة والمحبة والحنان والعطف على خلق الله جميعا.. نحن رحمة في العالمين”. ورد أمين الجماعة الأمور إلى نصابها عندما ذكر الحاضرين “ما أنجزتموه أمر جلل ولكن ينبغي أن ننسب الخير لصاحبه، الله سبحانه وتعالى، ما بنا من نعمة فمن الله سبحانه وتعالى، “منك لا يأتي شيء ولكن لابد منك”، وما وجدنا من تقصير ننسبه لأنفسنا ونستدرك ونستغفر الله”.