بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين

السيد الأمين العام الأستاذ محمد العبادي، الأخوة والأخوات مسؤولو مختلف مؤسسات جماعة العدل الإحسان، الضيوف الكرام، والإخوة والأخوات أعضاء المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان… احييكم جميعا بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أسأل الله عز وجل أن يبارك أعمالنا، وأن يسدد خطانا، وأن يجعلنا جميعا من الراشدين المسددين أقوالا وأفعالا، آمين

تمر الأيام وتتوالى الأحداث، وتتأكد أصالة الخط التربوي والسلوكي والعلمي والتدافعي الذي تتبناه جماعتنا المباركة. فلابد أن نذكر إمامنا الأستاذ عبدالسلام ياسين الذي كان له الفضل في ذلك بعد الله عز وجل، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته، وان يسكنه فسيح جناته، وأن يجعله في أعلى عليين مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

ونترحم كذلك على من كانوا معنا، سعيا وحركة وبذلا، وسبقونا إلى الدار الآخرة، وعددهم يزداد، نسأل الله أن يرحم الجميع وأن يتقبلهم في المحسنين المجاهدين.

ولا ننسى الشهداء الذين سقطوا ولازالوا يسقطون دفاعا عن الدين والعرض والأرض وعن الأقصى المبارك وفلسطين الحبيبة جميعا. نسأل الله أن يتقبلهم بقبول حسن وأن يشفي الجرحى ويرزق المصابين من يتامى وثكالى وأيامى الصبر والسلوان، وأن يثبت المرابطين المدافعين عن القدس حتى التحرير الشامل إن شاء الله.

كما نسأله عز وجل أن يفرج عن المسلمين في سوريا والعراق واليمن وليبيا وفي كل البقاع التي يتعرض فيها المسلمون للاضطهاد والتآمر الخبيث، وأن يمكن للأخيار من هذا الأمة وأن يخلصها من الظلمة والمفسدين.

كما نسأله عز وجل أن يفرج عن المعتقلين المظلومين في هذا البلد وفي سائر بلاد المسلمين، وأن يتقبل في الشهداء من قضوا ظلما وراء القضبان ومنهم الشهيد الرئيس مرسي رحمه الله وأن يفرج عن من لازالوا في سجون القهر والطغيان، وان يعيد المهجرين والمنفيين إلى ديارهم سالمين غانمين، آمين.

ندين استمرار الاعتقال الظالم للأخ العزيز عمر محب، ونؤكد تضامننا مع معتقلي الريف وجرادة وغيرهما، ومع الملاحقين في قضايا حقوقية وإعلامية وغيرها بغير وجه حق.

نرجو الله أن يمن علينا بعهد جديد يرتفع فيه لواء العدل والشورى والحرية والكرامة، آمين.

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات:

لقد تعرضت جماعة العدل والإحسان خلال العام الذي مضى لمضايقات كثيرة، وتلقت ضربات متتالية، شلت يد من سددها بغير وجه حق. بلغ عدد البيوت التي شمعت ظلما وخارج كل المساطر القانونية أربعة عشر بيتا، وتعرض بعضها للسرقة، علما أن قوات الأمن تراقبها ليل نهار، مما يطرح أكثر من علامة استفهام، وتم إعفاء عدد كبير من الأطر من مسؤولياتهم بطرق فجة وبمراسلات معيبة شكلا ومضمونا، وضيق على آخرين في أرزاقهم، وألصقت التهم الباطلة بكل من يشتم منه أن له علاقة بالعدل والإحسان، وروجوا مكرا وخبثا أن جل الاحتجاجات وراءها العدل والإحسان لحسابات سياسية، في حين أن الحقيقة التي يعلمها الجميع أنها بسبب سياسات عمومية لنظام سياسي فاشل.

فالظاهر مما جرى ويجري أن النظام يريد أن يتبع ما يسمى بسياسة تجفيف المنابع، وهي السياسة ذاتها التي اعتمدها الدكتاتور الهارب الهالك بن علي للقضاء على الحركة الإسلامية بتونس، فانتهى إلى ما يعرفه الجميع، وبقيت الحركة الإسلامية والحمد لله. وكذلك يعامل بنقيض قصده كل ظالم معتد أثيم، وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون.

يسأل كثير من المتابعين والمتعاطفين ماذا أنتم فاعلون حيال هذه التعسفات المتتالية المسلطة عليكم، والاعتداءات المخزنية المتوالية التي تستهدفكم. والجواب الذي قلناه ونؤكده اليوم هو أننا سنواجه هذه الممارسات الظالمة بكل الوسائل الممكنة والمشروعة: منها المسلك الحقوقي والقانوني والإعلامي لتعرية نظام الاستبداد، وكشف مخازيه، وفضح كل الشعارات الجوفاء التي تروجها الدعاية الرسمية، مثل دولة الحق والقانون، والعهد الجديد، والمفهوم الجديد للسلطة، واستقلال القضاء، وغيرها من المزاعم التي يكذبها الواقع الثقيل الذي يئن تحت كلكله المغاربة.

والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه أنه قد أصبح للعدل والإحسان العشرات بل المئات من القضايا التي تعتبر وسائل إيضاح مفحمة لظلم النظام المخزني وتعسفه وتجاوزه للقوانين التي سطرها بيده وعلى عينه، ومع ذلك لا يستطيع احترامها أو الالتزام بها.

وهناك مسلك آخر، وهو عندنا أقوى من الأول، ولا يستطيع النظام أن ينافسنا فيه وهو الدعاء. نعم الدعاء وسهام الليل، وما أدراك ما سهام الليل. ففي كل ليلة هناك المئات بل الآلاف من المؤمنين والمومنات الذين يشكون إلى الله عز وجل ما حزبهم، وهذا الذي نالهم من دون جرم اقترفوه.

وكأني بقائل يقول ساخرا: هؤلاء الدراويش لا يفقهون في النضال شيئا. فالنظام يضيق عليهم، وهم يتحدثون عن قيام الليل والدعاء. وحسبنا أن نقول في هذا المقام مثل ما جاء على لسان الصالحين من العباد: {قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ…}(38، 39 هود). {قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} (159 الأنعام).

طالع أيضا  دة. بوسعداني: المغرب يشهد نموا مضطردا لقوى الممانعة وتجديدا في آلياتها وأدواتها

ويقول آخر ليس ساخرا ولكن ناصحا: لابد أن تأخذوا في الاعتبار الوضع السياسي الحالي الإقليمي والدولي وموازين القوى ولا تصطدموا بالجدران. إن النظام المخزني في المغرب، كما هو الشأن بالنسبة لأكثر الأنظمة العربية، يتوفر على إمكانيات مادية وبشرية هائلة، ولديه من الأجهزة من شرطة وجيش ومخابرات وأموال الشعب يتصرف فيها كيف يشاء، ووسائل تقنية حديثة تمكنه من متابعة الشاذة والفاذة، وتسنده في الداخل طبقة من المترفين المنتفعين من الوضع الفاسد، وفي الخارج قوى دولية لها مصالح واسعة في هذا البلد، وتقدم كل أشكال الدعم ليستمر النظام على ماهو عليه من استبداد وفساد، باعتبار ذلك هو الضمانة الأساسية لتأمين مصالح تلك الدول، ولاستمرار الاستغلال الفاحش لثروات المغرب.

بمعنى أن النظام محمي في الداخل والخارج، ولا سبيل لإرغامه على تلبية مطالب الشعب في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والحكم الديمقراطي الرشيد.

والذي يؤكد هذا التحليل، يضيف صاحبنا، هو أن المعارضة التي يفترض أن تضغط على النظام لافتكاك مطالب الشعب المشروعة إما محاصرة مقصية، أو ضعيفة ومفككة أو متمالئة ومتآمرة. ومن يجرؤ على الاعتراض أو يشير دونما لف أو دوران إلى مصدر الداء وأصل البلاء، فمصيره الاعتقال أو المضايقة في الكسب والرزق، أو الحرمان من أبسط الحقوق التي يكفلها، حسب زعمهم، الدستور والقانون. وما أحداث جرادة والحسيمة والأساتذة المتعاقدين والمرسبين وأساتذة كليات الطب والبيوت المشمعة ومتابعة الصحفيين والإعفاءات الأخيرة إلا نماذج من أمثلة كثيرة شاهدة على أن هامش التحرك قد ضاق إلى أبعد الحدود، وبالتالي فإن التغيير الذي تتحدثون عنه بعيد المنال إن لم يكن ضربا من الخيال.

هذا اللون من التفكير، الواقعي، كما يحلو للبعض أن يصفه، يضعنا أمام خيارين أحلاهما مر: الخيار الأول هو القبول بالأمر الواقع على اعتبار انه ليس في الإمكان أحسن مما هو كائن، وبالتالي فإنه ليس أمامنا إلا الاستسلام والصبر على تجرع مرارة الذل والحرمان والتهميش والإقصاء والتفقير والتعايش مع الترف الفاحش، والاستبداد المطغي، والفساد المستشري إلى أجل غير مسمى.

وأما الخيار الثاني، لمن لا يعجبه الخيار الأول، فهو توفير ما يكفي من الإمكانيات المادية والبشرية، ومن أسباب القوة مثلما يتوفر للنظام أو قريبا من ذلك، وعندها يمكن أن نتحدث عن إمكانية الضغط على النظام ليستجيب لمطالب الشعب ويتجاوب مع انتظاراته. وبما أن توفير هذه الشروط يكاد يكون من رابع المستحيلات في ظل نظام لا يتردد في الفتك بالمعارضين، فإن الانتظار سيطول وبدون جدوى.

يبدو ان هذا التحليل قد وضعنا في الحقيقة أمام خيار وحيد وليس خيارين وهو القبول والخضوع للأمر الواقع. نقطة إلى السطر.

لكن العجيب هو أن هذا النمط من التفكير منتشر ليس فقط بين عامة الناس بل حتى بين المتعلمين وفيهم سياسيون ومثقفون وإعلاميون وغيرهم ممن يفترض أن يكونوا من النخبة المؤثرة إيجابا في المجتمع والموجهة للرأي العام.

في هذه الكلمة أريد أن أتحدث عن قاعدة مهمة تبين تهافت هذه الفكرة الانهزامية التي تتولى بثها الدعاية الرسمية والأصوات المأجورة لتشل الحركة وتحبط الأمل في التغيير. ومؤدى هذه القاعدة هي أن القليل المحق قد يغلب الكثير المبطل، والصغير المظلوم  قد يصرع الضخم المنتفخ المعتدي، والمستضعف المؤمن بقضيته قد يهزم المستكبر الغشوم. والبداية تكون في أغلب الأحيان صغيرة فتتحول سريعا إلى حدث كبير. وهذه القاعدة هي المشار إليها في مثل قوله عز وجل: “{وَلَوْلاَ دِفَاع الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض} (249 البقرة).”. لذلك فإنه عندما يتجاوز الظلم السياسي حدودا معينة، فإن ذلك مؤذن بانبعاث قوة مكافئة في التأثير، وليس بالضرورة أن تكون مكافئة له في الحجم والإمكانيات والوسائل، لأن الاعتبار المعنوي هو العامل الحاسم في المسألة.

كيف ذلك، سأشرح، وأنبه في البداية أن هذا ليس ضربا من التفلسف، وإنما يتعلق الأمر بظاهرة معلومة بالمشاهدة والسوابق التاريخية قديما وحديثا. ومع ذلك يغفل كثير من الناس عنها، فيوفرون بغفلتهم تلك أمدا طويلا لبقاء الفساد والاستبداد. وسأسوق هنا مثالا واحدا (لضيق الوقت) ومن خارج الدائرة الإسلامية للتأكيد على أننا بصدد سنة كونية تنطبق على الجميع، على المسلمين وغير المسلمين.

والمثال التي اخترته هو من رومانيا، وأبدأ بطرح السؤال التالي: ما الذي أشعل ثورة في رومانيا أطاحت بدكتاتورية رهيبة في أقل من عشرة أيام؟

كانت البداية من مدينة تيميشوارا التي تقع على بعد حوالي 560 كيلو من العاصمة بوخارست، وحوالي 80 كيلو  من الحدود المجرية، ولذلك توجد بها أقلية مجرية مهمة. وكان هناك قسيس مجري تابع للكنيسة البروتستانتية  يدعى لاسلو توكيس قد انتقد سياسة النظام في يوليوز 1989 في حوار أجرته معه قناة تلفزية مجرية، وتابعه أهالي المناطق الحدودية.

طالع أيضا  ذة. البوحسيني تشيد بالدور المهم للمشاركات في الدورة 22 لـ"مقدس"

لم يعجب هذا الحوار السلطات الرومانية، فأصدرت أمرا بإبعاد توكيس إلى قرية بعيدة وإخراجه من الشقة التابعة للكنيسة والتي كان يسكنها بصفته تابعا لكنيسة متواضعة مبنية بالآجر الأحمر. رفض الامتثال للقرار، فقررت السلطات تنفيذ قرار الإبعاد بنفسها بالقوة يوم الجمعة 15 دجنبر 1989.

تجمع أتباع الكنيسة المجريون حول بيت توكيس احتجاجا على قرار الإبعاد ولمنع السلطات من تنفيذه. وكانت هذه هي الشرارة التي أشعلت الثورة في رومانيا.

تحولت التظاهرات الصغيرة في البداية إلى تظاهرات واسعة على الرغم من القمع، وامتدت مثل بقعة زيت إلى العاصمة بوخاريست.

وبعد أن كانت قضية محدودة في منطقة محدودة، وتعني طائفة معينة وهي طائفة المجر، تحولت بفعل تعنت السلطة إلى احتجاج عام على نظام الحكم انخرط فيه جل الرومانيين.

وبعد أن كان المطلب بسيطا وهو التراجع عن إبعاد قسيس مجري بسبب حوار لم يسمع به أغلب الرومانيين، أصبح المطلب هو إسقاط الديكتاتورية.

وهكذا، كما يقول أستاذ العلوم السياسية دينس ديليتانت،  تحول الاحتجاج المجري إلى ثورة رمانية، وتعالت الشعارات بإسقاط النظام وتشاوسيسكو والشيوعية جميعا.

وفعلا سقط الطاغية التي كان يحكم رومانيا بالحديد والنار، وبقية القصة معروفة.

لكن يهمني هنا أن أسجل بعض النقط:

1.     يقال بأن أغلب الثورات بدأت بأحداث بسيطة لم يخطر بخلد من أشعلها أنها ستفضي إلى ثورة. وقع هذا في رومانيا. كان الاحتجاج محدودا على قضية محلية، فتحول بفعل صلف النظام إلى ثورة وطنية.

2.     تتعلق برجل دين مغمور يتحول رغم أنفه إلى رمز لثورة أطاحت بالديكتاتورية. كيف حصل ذلك؟

·        لما تجمع أتباع الكنيسة حول البناية لمنع السلطات من الوصول إلى توكيس، وبالفعل نجحوا في ذلك، وعادت الميليشيات الأمنية من حيث أتت، خرج توكيس وشكر المحتجين وطلب إليهم أن ينفضوا. لكن كثيرا منهم لم يفعلوا، وبقوا في مجموعات قرب الشقة.

·        ازداد عدد المحتجين، فجاء عمدة المدينة وتحدث مع توكيس. مرة أخرى خرج هذا الأخير وتحدث إلى الناس، وطلب إليهم الانصراف. بقي المحتجون في مكانهم، وطلب بعضهم نصا مكتوبا يؤكد تراجع السلطة عن قرار الإبعاد. وعد العمدة ولم يف بوعده، وهدد بإرسال خراطيم المياه.

·        مرة ثالثة ألح توكيس على المحتجين بالانصراف، لكنهم رفضوا ظنا منهم أنه كان يقوم بذلك تحت التهديد.

·        طلب المحتجون من توكيس أن يلتحق بهم في الشارع، لكنه رفض حتى لا يتهم بأنه هو زعيم هذا الاحتجاج.

والخلاصة هي أنه لو استجاب المحتجون إلى طلب توكيس، لربما انطفأت نار الاحتجاج والثورة. وهذا ما قصدت بالقول كيف أن رجل دين مغمورا أصبح رمزا رغم أنفه. وأعود إلى النقط الأخرى.

3.    غرور الطغاة لانهاية له، وهي صفة لازمة لا تنفك عنهم. فرغم الأحداث المشتعلة، فقد ذهب تشاوسيسكو للقيام بزيارة إيران ليومين (يوم 18 دجنبر ورجع يوم 20  دجنبر1989)، وكأنه يقول بلسان الحال أو المقال: كل شيء تحت السيطرة (كلمة الغرور الدارجة على ألسنة الطغاة وأعوانهم). ألم يؤسس دولة بوليسية تحصي الأنفاس، وتخنق كل من يرفع صوته بالاعتراض؟

4.    منطق الاستبداد واحد، وأسلوبه في التعامل مع المعارضين لا يتغير، ونفس التهم توجه لكل من يطالب بحق مضيع. فسواء في الخطاب الذي ألقاه مباشرة بعد عودته من إيران يوم 20 دجنبر أو في الخطاب الذي ألقاه في اليوم التالي، وهو آخر خطاب له، يوم 21 دجنبر، استفاض تشاوسيسكو في التنويه بالإنجارات الضخمة حسب زعمه التي تمت، وأكد على أن المظاهرات وراءها فاشيون وتدخلات من قبل قوى أجنبية في شؤون رمانيا الداخلية، وتمثل عدوانا خارجيا على سيادة رومانيا.

5.    الأساليب نفسها تستعمل للإيهام بأن النظام يتمتع بشعبية واسعة وإجماع وطني. ففي صباح 21 دجنبر 1989 حشدت السلطات حوالي 100.000 تحت التهديد، وأعطتهم رايات ولافتات ليخطب فيهم الرئيس. وقد وصفت الدعاية الرسمية هذه الحشود بأنها “تجمعات عفوية” جاءت داعمة للرئيس، ولإدانة الاحتجاجات المشبوهة في تيميشوارا. وما هي إلا لحظات وإذا بأصوات هذه الحشود ترتفع  مطالبة بإسقاط النظام. وكانت مفاجأة صادمة لتشاوسيسكو.

6.    ومن غرائب الموافقات أنه حين يأذن الله بسقوط طاغية، فكل الرياح تجري بما لا يشتهيه. ففي الوقت الذي كانت تتقاطر فيه آلاف من المتظاهرين إلى وسط العاصمة بوخاريست في 22 دجنبر كانت هناك طائرات الهيلوكبتر ترمي بالمنشورات تطلب فيها إلى الرمانيين أن لا يكونوا ضحايا “المحاولات المضللة”، وأن يتوجهوا بدلا من ذلك إلى بيوتهم ويستمتعوا بحفلات أعياد الميلاد. ولسوء الحظ أن هذه المنشورات لم تصل إلى المتظاهرين بسبب الرياح التي طوحت بها بعيدا عنهم. ومن وصلتهم هذه المنشورات، فإنها لم تزدهم إلا غضبا وحنقا لأنها ذكرتهم بالحكاية الشهيرة المنسوبة لمري أنطونيت التي لما قيل لها إن الشعب جائع وليس عنده خبز، قالت: “فليأكلوا الحلوى”. يعني في الوقت الذي كان يجد فيه كثير من الناس صعوبات للحصول على حاجياتهم الأساسية من طعام وزيت، تدعوهم المنشورات للاستمتاع بأعياد الميلاد. فهذا نموذج من الاستخفاف الذي يتعامل به الاستبداد مع الشعوب.

طالع أيضا  التقرير السياسي: انتهاك الحريات ترسيخ لنهج لا يعلو فيه إلا صوت "السلطوية"

مثال آخر (لجريان الريا ح بما لا يشتهي الطاغية) أنه في صبيحة 22 دجنبر مات وزير الدفاع في ظروف مثيرة للشك. وقد أصدر تشاوسيسكو بيانا يذكر فيه أن وزير الدفاع قد أقيل لخيانته وبأنه قد انتحر بعد ما اكتشف أمره. لكن الرأي الشائع أنه قد قتل لأنه أصبح يتردد في تنفيذ أوامر تشاوسيسكو. وعين تشاوسيسكو جنرالا آخر يثق فيه وزيرا للدفاع. وترتب على الحدث أمران: الأول هو أن هذا الذي عينه تشاوسيسكو قد لعب دورا حاسما في الإطاحة به، والثاني هو أن حكاية انتحار وزير الدفاع لم يصدقها أحد، والنتيجة هي تحول الجنود بأعداد غفيرة إلى دعم المتظاهرين. 

تلك بعض العبر والملاحظات من قصة ثورة بدأت بحدث بسيط جدا فتطورت سريعا وأطاحت بنظام استبدادي بوليسي رهيب حكم رومانيا بالحديد والنار سنين عديدة. وقد سقتها لتفكيك وتبيان الفكرة المحبطة القائلة بأنه لاسبيل لدفع الفساد ومقاومة الاستبداد، فكرة انهزامية يروج لها الإعلام التافه، والأصوات المهزومة أو المأجورة، علها تحتل النفوس والأذهان، وتمكن لاستدامة التسلط على البلاد والعباد.

أختم هذه الكلمة، ولكي أصل آخر الكلام بأوله أسجل ما يلي:

1.    إن هذه الحملات الظالمة التي تستهدف جماعة العدل والإحسان، أيا ما كانت نيات المخططين لها والآمرين بها، لن تزيدنا بإذن الله إلا قوة وثباتا على مواقفنا الرافضة لنظام حكم يستفرد بالسلطة والثروة، ويمارس سياسة التهميش والإقصاء والتفقير والاستهداف لقيم المجتمع الأصيلة وما ترتب على ذلك من مآس أصبحت تتحدث عنها حتى التقارير الرسمية. وسنظل بإذن الله مستمسكين بمبادئنا، لا نحيد عنها ما بقينا، وإن متنا، كما قيل، نورثها البنينا.

2.    إذا كانت السلطة تريد من خلال هذه التعسفات على العدل والإحسان شغل الناس، فهي واهمة. فما فيه الناس من معاناة أكبر من أن يشغلهم عنها شيء. وتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وما نتج عن ذلك من مشاكل: البطالة وانسداد الآفاق وتردي الخدمات الصحية، ورداءة التعليم، وارتفاع منسوب الجريمة والمخدرات والرشوة والدعارة والهجرة وغيرها من الموبقات أشد إيلاما من أن تترك للناس مجالا أو متنفسا يلهيهم عنها ولو لبعض الوقت.

3.    وإذا كانت السلطات المخزنية تريد من خلال هذه الممارسات القمعية إرهاب الشعب وخنق تطلعاته إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وتريد أن تثبت أن “يد المخزن طويلة”، وأنها فوق القانون، وأنها بوسعها أن تفعل ما تشاء، دون أن تخشى حسابا أو سوء منقلب، فإنها لم تقرأ التاريخ جيدا، ولم تعتبر بمصائر من هلك من قبل وقد كانوا أكثر قوة وأشد بطشا.

4.    إن الاستبداد لا مستقبل له في هذا البلد، ولافي غيره من بلاد الإسلام، فهو يفكر بعضلاته لا بعقل عاقل، ولذلك لا يتوقع منه أن يستمع لنصيحة ناصح أمين، ولا لتحذير عاقل مشفق. فطبيعته تأبى عليه ذلك، ومنطقه الذي لا يستطيع الفكاك منه يمنعه من ذلك. ولذلك سيبقى يراكم الأخطاء تلو الأخطاء، والخطيئات تلو الخطيئات إلى أن يقع تحتها. تلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

5.    لا نرى سبيلا للخروج بالبلد من الأوضاع المزرية التي يعيشها على كافة المستويات وفي كل المجالات بالدخول في جحر الاستبداد المظلم، والقبول بشروطه المذلة، والركون إلى وهم التغيير من الداخل وديمقراطية مغشوشة، وقد فشل هذا المسعى فشلا ذريعا. لابديل عن الائتلاف في حركة سلمية حازمة وبأهداف متوافق عليها واضحة، أبرزها التأسيس لنظام سياسي جديد، ومغرب جديد، يسترجع فيه المغاربة قرارهم المغتصب، وحقهم الأصيل في اختيار ومحاسبة من يحكمهم، بإرادتهم الحرة، اختيار ينتهي معه وإلى غير رجعة التسلط والتزوير وإرشاء النخب. تلك هي البداية الصحيحة التي لامناص سيندفع إليها الشعب يوما ما، عاجلا أو آجلا، بنخبه أو بدونها.  {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (21 يوسف).

والحمد لله رب العالمين.

عبد الواحد متوكل، السبت والأحد 19 – 20 أكتوبر 2019 الموافق لـ19 – 20 صفر 1441