مقدمات الوصال النكد بين العلماء والحكام 

توالت  محنة آل البيت، فقام زيد ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين رضي الله عنهم جميعا، ضد هشام بن عبد الملك الأموي، وتضامن معه الإمام أبو حنيفة، وهو الذي خرج مع إمام آخر من آل البيت هو محمد بن عبد الله النفس الزكية، وآزره في حربه ضد المنصور العباسي. وقد افتى الإمام مالك بجواز الخروج مع محمد “النفس الزكية”.

لقد بقي الأمر هكذا حربا بين العلماء الأطهار خاصة من آل البيت النبوي الشريف، القائمين للحق طلبا لاسترداد ما ضاع من الأمة في مهدها من خلافة على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا أمراء بني أمية ثم بعدهم بنوا العباس.

وما انتهى القرن الرابع الهجري حتى كانت قضية الاعتراف بحكم السيف الغالب مسألة فقهية مفروغا منها.. قال الماوردي الفقيه الشافعي في كتابه الأحكام السلطانية: “وأما إمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار، فهي أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة إمارتها… لوقوع الفرق بين المُكنة والعجز…”. بل “ومع ابن تيمية في القرن السابع الهجري ستختفي مسألة الخلافة من مباحث الخطاب الفقهي في السياسة بشكل نهائي، إذ لم يعد يهم الفقيه الحنبلي صاحب (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) سوى تطبيق الشرع مهما كانت هوية الحاكم ولو كان ذلك على حساب دولة الخلافة (وحدة الدولة)، وفي هذا السياق يلاحظ (هنري لاوس) بأنه لأول مرة في تاريخ السوسيولوجيا السياسية /الإسلامية سيتم تبرير تجزئة السلطة مع ابن تيمية” 1.

لقد كان هذا النص للعلامة ابن تيمية، وقبله ما ذهب إليه الإمام الغزالي من تغيير الموقف من شرط القرشية كأحد الشروط الجوهرية المطلوب توفرها في الخليفة، إلى “الشوكة”، وهي التي جعلها ابن جماعة الشرط الأول والأخير في انعقاد البيعة (سنعود للحديث عن  مثل هذه الأقوال  لاحقا)، كان انعكاسا لما وصلت إليه الحالة الإسلامية من تجزيء، وذلك في شكل دويلات متناثرة لها أميرها الذي لا يربطه بالمركز إلا رموز وترتيبات مناسباتية  بسيطة.

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة –درس من التاريخ– (7)

فهل سيقف الأمر عند هذا الحد؟

قطعا لا، لكن قبل الاسترسال في ذلك ماذا عن الإرث النبوي؟

 قال صلى الله عليه وسلم “… وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر”.

ثم لنقف عند هذه النصوص:

“لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل دعوة ودولة، نبيا رسولا، مسددا بالوحي الرباني، الذاكر الفقيه، المحدث المفسر، العالم المفتي، المجاهد… وكانت معيته لصحابته وما سرى من قلبه الطاهر من مادة الإيمان إلى قلوبهم، علة تحقق رجولتهم وانبعاث الرحمة والمحبة في ذواتهم، وبوراثة هذه المعية/الصحبة وُرثت معالم الشخصية الإسلامية الكاملة”. 2

“ثم كانت الخلافة الراشدة كما يقول المودودي: نيابة كاملة عن النبوة، أي إنها لم تكن ذات بعد سياسي فقط، وإنما حصل هذا التسيس لما تبدلت الخلافة إلى ملك”. 3

“فنجم عن هذا أن اعتزل في زاويته من اعتزل، وحمل السيف من حمل، وأخذ كراسة البحث عن الحديث وجمعه من أخذ، وفاء غير هؤلاء إلى ظل السلطان.. فنشأ بهذا: الصوفي الذاكر، والمحدث الفقيه.. وتمزق الإرث النبوي مزقا مفتتة..” 4.

ثم “كان لهذا التشتت الذي مس الطليعة الوارثة، نتائج بعيدة في جسم الأمة، في عقلها، في سلوكها..؛ ومن ذلك تشتت الدين في الأفهام؛ فلم تعد القدرة على استيعاب معاني الوحدة الإيمانية العلمية، فنشبت صراعات بين المحدثين والمتصوفة، وبين هؤلاء والفقهاء وبين أهل العقل وأهل النقل، وبين السنة والشيعة… فتكونت الفروع المذهبية والفرق الدينية والتوجهات السياسية.

لقد ٱستقال العقل المسلم بٱستقالة ورثة الأنبياء وٱنكفأ منزويا، يبحث في فقه العبادات والمعاملات، أو مجادلا عن الدين ضد العقائد التي تسربت بدخول أقوام جدد الى الإسلام، فغالى في ذلك حتى صار يبدع ويكفر بني جلدته من المسلمين.

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة –درس من التاريخ– (6)

ليفتح الباب على مصراعيه للسلاطين لتقريب وإبعاد هذا الفقيه أو ذاك بناء على موقفه منه، (أي السلطان)، ثم ومدى اجتهاده في جعل ما علمه من فقه في خدمته…


[1] محمد ظريف/ تاريخ الفكر السياسي بالمغرب، الصفحة 29، الطبعة الثالثة 1990
[2] عبد السلام ياسين/ المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 126، الطبعة الثالثة.
[3] عبد السلام ياسين/ الخلافة والملك، ص 51.
[4] مصطفى شكري/ الانكسار التاريخي وتمزق الشخصية الإسلامية، مقال منشور في موقع الجماعة بتاريخ 30 ماي 2005.