اعتبر الأستاذ عبد العلي المسئول أن الضعف الذي تعرفه اللغة العربية غير راجع إليها “من حيث ألفاظها وتراكيبها وأصواتها ودلالاتها”، وإنما مرده إلى “ما يعيشه العالم العربي من ضعف واستكانة، واهتمام واهتبال بلغة المستعمر”، مؤكدا “إن نحن اهتممنا بها وبتجديدها فستكون في مصاف اللغات العالمية”.

وأضاف في حوار خاص أجراه معه موقع الجماعة على ضوء كتابه الجديد “اللغة العربية وتقويم الألسنة”، أن دول الاستكبار تبث فكرها وأعرافها وحضارتها وفلسفتها للحياة عبر لغاتها، مؤكدا أن “اللغة وعاء الفكر، والدال على ما تحمله العقول وتعتقده القلوب”.

وتابع المسئول موضحا أن قضيته في الاهتمام باللغة العربية الفصيحة عبر كتابه وكتاباته العلمية والأكاديمية؛ هي قضيةٌ “مرتبطة بتهييء الناس والنخب كي يتقبلوا العربية بعيدا عن التبعية، وتأهيل العربية كي تستوعب التقدم العلمي والثورة المعلوماتية، لا أن نقدمها للناس كما هي في كتب من سبقنا بعللها وبعض تعقيداتها، كالإعراب التقديري والمحلي في المفردات والجمل، وبعض قواعد الإعلال والإبدال”.

وأشار في هذا الحوار إلى أن كتابه يناقش قضايا تتعلق باللغة العربية وصلتها بالفهم والإفهام، والتواصل والتوصيل، وعلاقتها بالعامية خصوصا. بالإضافة إلى أنه ينبه على عدد من الأخطاء التي عمت بها البلوى.

الحوار الذي سلطنا فيه المزيد من الضوء على أهم القضايا والإشكالات التي عالجها كتابه، دعا من خلاله أستاذ النحو والدراسات الإسلامية وعلم القراءات بجامعة فاس إلى ربط القواعد اللسانية بنصوصها التأصيلية من القرآن والسنة.

إليكم نص الحوار:

1. صدر لك أستاذ عبد العلي مؤخرا كتاب “اللغة العربية وتقويم الألسنة” ما الحوافز التي دفعتكم لتأليف هذا الكتاب؟ وهل لتوقيت إصداره دلالة معينة؟

بسم الله الرحمن الرحيم، شكرا لكم على هذه الدعوة الكريمة، وأتمنى لكم التوفيق في أعمالكم.

بداية هذا الكتاب هو إسهام مني في التذكير والتبصير والتقويم، تذكير الناس بلغة القرآن الكريم وضرورة الاهتمام بها والأخذ بعنانها، وتبصيرهم بشجاعة هذه اللغة وقدرتها على مسايرة العصر ومواكبة المستجدات إن نحن عملنا على تطوير أساليبها وتحبيبها لطالبيها، وفي الآن ذاته هو تقويم لعدد من الألفاظ والتراكيب التي يكثر دورانها على الألسنة، ويقع فيها اللحن نحوا وتصريفا ودلالة. والذي حدا بي إلى تأليف هذا المكتوب أمران:

  • ما نسمعه صباح مساء من أن اللغة العربية عاجزة عن مواكبة العصر وتطوراته، وغير صالحة لكي تكون لغة العلوم والتكنولوجيا؛ لقصورها وضعف تراكيبها، حيث بينت أن هذه اللغة إن نحن اهتممنا بها وبتجديدها فستكون في مصاف اللغات العالمية. فالضعف الذي تعيشه هذه اللغة غير راجع إليها من حيث ألفاظها وتراكيبها وأصواتها ودلالاتها، وإنما مرده إلى ما يعيشه العالم العربي من ضعف واستكانة، واهتمام واهتبال بلغة المستعمر، وتبعية لدول الاستكبار التي تفرض لغتها بحكم القوة والوصاية على الآخرين، وعبر اللغة تبث فكرها وأعرافها وحضارتها وفلسفتها للحياة، إذ اللغة وعاء الفكر، والدال على ما تحمله العقول وتعتقده القلوب.
  • ما يقرأ ويسمع من اللغة المتداولة في المحافل السياسية، والخطب المنبرية، والجرائد والمجلات، ومدرجات الجامعات، والقنوات الفضائية، ومواقع التواصل الاجتماعي، مما هو بعيد عن اللغة العربية الفصيحة..
طالع أيضا  الدكتور عبد العلي المسئول في حلقة جديدة من برنامج "لغة القرآن" (3)

إن صدور هذا الكتاب غير مرتبط بحدث معين، فمادته جمعتها منذ سنوات خلت، وهذبتها وأعدت النظر فيها حتى استوت على هذه الصورة. نعم تزامن نشر الكتاب مع ضجة عندنا في المغرب حول التخلي عن التعريب في المواد العلمية والرجوع بذلك إلى اللغة الفرنسية، ثم ما تبع ذلك من التصديق على هذه الخطوة من قبل الجهات الرسمية في البلاد. وهو أمر مرتبط بمتعدد وبالدرجة الأولى بقرار سياسي: فارتباط المغرب بفرنسا لا ينازع فيه أحد حتى ولو درّسنا المواد العلمية بالعربية. إن هذا الرجوع إلى الفرنسية لا معنى له، وكذا الإبقاء على التعريب في حدود الابتدائي والإعدادي والثانوي لا معنى له كذلك، إذ هو مفصول عن التعليم العالي وميادين البحث العلمي. إن القضية مرتبطة بتهييء الناس والنخب كي يتقبلوا العربية بعيدا عن التبعية، وتأهيل العربية كي تستوعب التقدم العلمي والثورة المعلوماتية، لا أن نقدمها للناس كما هي في كتب من سبقنا بعللها وبعض تعقيداتها، كالإعراب التقديري والمحلي في المفردات والجمل، وبعض قواعد الإعلال والإبدال…

2. ما هي القيمة العلمية للكتاب، وأهميته في إفادة الباحثين في العربية قبل العامة؟

تكمن قيمة الكتاب في أنه يناقش قضايا تتعلق باللغة العربية وصلتها بالفهم والإفهام، والتواصل والتوصيل، وعلاقتها بالعامية واللغات الأخرى. وينبه على عدد من الأخطاء التي عمت بها البلوى، وكثر دورانها على الألسنة وفي كتابات الباحثين.

3. أشرت في مقدمة كتابك إلى كلام ابن جني بـ”أجود اللغتين”، ما مدى قوة هذا الكلام إزاء الغنى الذي تعرفه اللغة العربية؟

ذكر ذلك ابن جني في كتابه الخصائص في “باب اختلاف اللغات وكلها حجة”، عند حديثه عن عنعنة تميم، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوازن، وهي لهجات تعد فصيحة في قبائلها، غير مأنوسة عند غيرهم، إلّا أن المتكلم بها لم يكن مخطئًا لكلام العرب، لكنه يكون مخطئًا لأجود اللغتين كما قال أبو الفتح.

طالع أيضا  المسؤول يفرق بين اللفظ والكلام والكلمة والكَلِم والقول في اصطلاح النحاة

إن اللغة العربية فيها الأفصح والفصيح المجتمع عليه والمختلف فيه، فمثلا إسناد فعل (مات) إلى الضمائر، يجوز فيه أن نقول: (مِتّ) و(مِتّم) بكسر الميم وهي لغة فصيحة فاشية، وأفصح منها (مُتّ) و(مُتّم) بالضم وهي اللغة العالية، وبكل ذلك جاءت العربية، وهذا وجه من وجوه غناها.

4. في “تقويمك للألسنة”، إلى أي حد استطاع الكتاب تقديم الوجه السليم للعربية لقرائه؟

إن تقويم اللسان لم يتوقف منذ عرف الناس اللحن والصواب، فطفقوا يؤلفون فيما تلحن فيه العامة والخاصة، وسارعوا إلى إصلاح المنطق، ونصوا على ما يقع فيه التصحيف والتحريف، وهذا الكتاب هو من هذا الباب، حيث ضرب أمثلة من الأخطاء الشائعة التي كثر دورانها على الألسنة، وعمت بها البلوى في المنطوق والمكتوب، مما يحتاج إليه المتعلم والباحث واللغوي. وفيه أشرت إلى أن من هذا الذي يلحن فيه الناس ما قد يكون له وُجيْهٌ في العربية بعيد، أو لغة مهجورة. والكتاب لا يزعم أنه حسم المعركة بين الخطإ والصواب في العربية، والتنبيه على ذلك ينبغي ألا يتوقف ما دام الناس يتكلمون ويتواصلون ويكتبون، فيصيبون في منطقهم ويغلطون.

5. من القضايا الأساسية التي أثارها الكتاب، العلاقة بين العربية الفصحى والعامية واللغات الأخرى، ما الدافع إلى إثارة هذه العلاقة؟

من الناس من يدعو إلى تدريس العلوم والآداب والتواصل فيما بين البشر بالعامية، لكن أي عامية يمكن اعتمادها وستخضع الرقاب لها؟ داخل البلد الواحد عاميات، وهكذا بين البلد والذي هو أقرب منه أو أبعد، فاللهجة المغربية مثلا يفهم منها التونسيون شيئا وتغيب عنهم منها أشياء والعكس، وهكذا باقي عاميات الدول العربية.

إن تاريخ العرب المسلمين عرف لغة عربية فصحى هي اللغة العليا الجامعة للناطقين بها على اختلاف لهجاتهم، وهي اللغة التي كانت أداة تواصل بينهم، وهي لغة أدبهم وعلومهم، ولغة قرآنهم المنزل إليهم من ربهم، وإلى جانب هذه اللغة المعيار عاشت اللهجات الأخرى واللغات العامية التي كان الناس يعبرون بها عن قصودهم وأغراضهم وحاجاتهم جنبا إلى جنب مع العربية الفصحى، فلا معنى لإعلان حرب على الدوارج والعاميات التي نشأ عليها الناس وإيقاعهم في الحرج، وفي المقابل فإن دعوى جعل العامية لغة التواصل بين المختلفة ألسنتُهم، وإبعاد الناس عن العربية الفصحى لغة القرآن الكريم فيه ما فيه من دعوى العصبية، ودفاع كل ذي عامية عن عاميته ولهجته، وأنها أحق بالسواد والاشتهار والشيوع والذيوع، وهذا وضع يؤدي لا محالة إلى اختلاف وتنافر وتصادم.

طالع أيضا  لغة القرآن

إن تعلم اللغات الأخرى بغية التواصل مع الناس والنهل من علومهم والاستفادة من معارفهم لا شك هو مما يندب إليه، وقد يرقى إلى الوجوب الكفائي أو العيني.

ومن الجدير بالذكر أن عددا من الأعاجم والأمازيغ وغيرهم خدموا العربية ورسخت أقدامهم فيها، حيث تذوقوا لغة القرآن، وعشقوا أساليبها، وعملوا على إغنائها، بما تركوه رحمهم الله من مصنفات تشهد على علو كعبهم في العربية كسيبويه وأبي موسى الجزولي وابن آجروم صاحب الآجرومية…

6. أوردت في الكتاب أن اللحن في الكلام قادح في المروءة، ألهذه الدرجة تستعظم اللحن في العربية؟

قديما كانوا يقولون: “ابن السبكي والآجرومية تبكي”، ويقصدون بابن السبكي كتابه جمع الجوامع في أصول الفقه، وبالآجرومية تلك المقدمة الفريدة التي وضعها ابن آجروم للمبتدئين في النحو. ومعنى ذلك أن الواحد تجده يتكلم في موضوعات كبيرة وفي دقائق علوم وباعه في النحو أقصر من شبر، إذ لا يصح نظر في جمع الجوامع إلا بعد دراسة الآجرومية وغيرها من مصنفات النحو.

7. هل لهذه العلة؛ قارنت في بعض فصول كتابك بين حسن استعمال العربية والفهم في الشريعة؟

نعم، فأحكام الشريعة مستنبطة من القرآن الكريم ومن الحديث النبوي الشريف، ومن كانت معرفته بالعربية محدودة أو يعرفها ولا يحسن استعمالها في الاستنباط والنظر كان فهمه للشريعة مدخولا. والغلط في فهم النصوص الشرعية ليس كالغلط في فهم باقي النصوص، لما يترتب على ذلك من أحكام تعبدية تفصيلية، ومعاملات وفصل في أقضية وإجابة على نوازل.

8. ناديت في الكتاب إلى ربط القواعد اللسانية بنصوصها التأسيسية من القرآن والحديث، وأضفت إليهما ديوان العرب من منظوم ومنثور، كيف يتم هذا الربط؟

إن مما ينبغي التنبيه عليه ابتداء، أن القاعدة في النحو العربي يحتاج في إثباتها إلى شواهد العربية المنقولة، والمنقول: هو الكلام العربي الفصيح، المنقول بالنقل الصحيح، الخارج عن حد القلة إلى حد الكثرة، ويندرج فيه القرآن الكريم بقراءاته المتواترة والشاذة، والحديث النبوي الشريف وبخاصة جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وكلام العرب المنثور والمنظوم. فالقواعد اللسانية من هذا المنقول انطلقت، وإليه ينبغي أن تعود وترتبط به. وما هذه القواعد إلا أداة لفهم نصوص العربية، وأشرف هذه النصوص وأجلها القرآن الكريم والحديث الشريف، ثم تأتي باقي النصوص العربية على تفاوت فيما بينها.